الخميس, 18 أيلول, 2014 الموقع الرسمي للجيش اللبناني
الصفحة الرئيسية | حالة الطقس | أناشيد الجيش | أشرطة مصوّرة | المديرية العامة للإدارة | اللغات الأجنبية - قسم اللغة الانكليزية


مجلة الجيش - العدد 305 | تشرين الثاني 2010


بصمة فنية

فيروز في البيال

إعداد: الهام نصر تابت


كل هذا الشجن وهذا الفرح
مَن غيرها يستطيع اختراق المشهد المغلّف بألف لعنة وخوف؟

كيف يمكن لعنوان أغنية عاطفية أن يحتل المانشيت العريض لصحيفة أو عدة صحف يومية في بلد يُطبق القلق والخوف على أيامه من فجرها الى سواد ليلها؟!
قلق التوتر والخوف من الآتي، قلق وخوف من أن لا تكون اللقمة غداً متاحة، قلق من أن أي خروج الى الطريق قد يكون آخر لحظات الحياة؟!
مَن يقدر على ذلك؟ مَن غيرها يستطيع اختراق المشهد المغلف بألف لعنة؟ مَن غير فيروز قادر وسط كل هذا الجنون أن يقول «إيه في أمل»... فنصدق جميعاً، ولو للحظات... نصدق ونمضي الى اليومي الموتور الخانق، وإنما في مكان ما داخلنا شيء يضيء ويقول «إيه في أمل».
أي سرّ هو سرّ هذه المرأة؟
أهو حصتها في وجداننا؟ ربما... أهو ما مثّلته لنا منذ بات صوتها جزءاً من الكيان الخاص لكل مَن عرفه؟ ربما... لكن كيف اقتطعت حصتها في وجداننا؟
كيف أصبحت هذا الجزء اللصيق جداً، الحميم جداً وفي الوقت عينه العام جداً؟ بأيّ سرّ؟
كُتب الكثير وقيل الكثير، أهرق الشعراء والكتّاب حبراً كثيراً، واجتهد الباحثون. بين مأخوذ بالسحر وبين أكاديمي متخصص، قد لا يمكن إحصاء ما كُتب عن فيروز ولها. وقد يظل مع ذلك السرّ سراً. لا تحليل طبقات الصوت وقدراته يفي بالمطلوب، ولا تحليل مسيرتها الإبداعية ونوعية فنها، يعطي الجواب.
لكن مهلاً، فليبحث الباحثون، وليكتب الشعراء، ولنواصل نحن ما فعلناه دائماً: نعمة الإستماع الى فيروز نعمة الإحتفاظ بهذا الحيّز الحميم جداً، الجميل جداً، القادر على إعادة خلق اللحظة وابتداع الحياة.

هذا جزء مما فعله صوت فيروز مغنياً أجمل قصائد الأخوين رحباني وسعيد عقل وأحمد شوقي وميشال طراد وجوزف حرب... هذا جزء مما فعله صوتها مع موسيقى الأخوين رحباني وفيلمون وهبي ومحمد عبد الوهاب... وهذا ايضاً جزء مما فعله مع الدهشة التي ابتدعتها كلمات زياد الرحباني وموسيقاه. من «البوسطة» الى «عودك رنّان» و«سلملي عليه»، واليوم «إيه في أمل»...
أما نحن فنفعل اليوم ما فعلناه دائماً، نستمع الى فيروز، نعشق اللحظات التي تهدينا صوتها من أثير إذاعة. وهذا ما سيفعله أولادنا، وأولادهم، والآتون بعدهم، في لبنان، والعالم العربي، وحتى في البلدان التي لا يفهم أهلها كلمة من كلمات أغاني فيروز.
هل نستطيع أن نفهم كيف أن صوتها بات الصوت الساكن عري النفوس أمام خالقها، المفتوح لكل الأسرار، المشرّع لكل الإشراقات، الحاضر في كل اللحظات، لحظات الفرح والشجن، الإنسحاق والغضب، اليأس والأمل...
هل يمكن أن نفهم كيف لصوت إمرأة أن يجعل الدموع حبات ندى على عشب طري؟ أن يصبح حفيف أجنحة تحرس أطفالاً في بيت لا سقف له ولا نوافذ؟ كيف يمكنه أن يسرّب الدفء الى عظام لا يكسوها جلد...
قد نفهم ذلك يوماً. إذا فهمنا قدرة صوت فيروز على محاورة الشعر والموسيقى في عزّ تألقهما، وبالبساطة عينها قدرته على توليد الشعر في الحياة ومفرداتها...

وقد نفهم سرّ هذه المرأة إذا استطعنا أن نفهم امتداد مواسم صوتها وعبوره بين الأجيال والمراحل، أو إذا استطعنا أن ندرك بغير الإحساس، نضج الشجن فيه وتكثفه الى هذا الحد... من دون أن يخسر ذرّة فرح.
لستُ من الخبراء ولا الناقدين، ولا من الشعراء والأدباء، أنا فقط واحدة من ملايين يكفيهم من فيروز أن يستمعوا الى صوتها.
بالأمس في البيال ونحن خارجون من حفل فيروز، سمعت شاباً يقول لآخر يسير الى جانبه: «يا زلمي عارف شو يعني انك تشوف فيروز عم تغني عَ المسرح؟» لم يتح لي أن أسمع بقية الحوار، لكنني فكرت بامرأة كانت الى جانبي في الصالة. مسحتْ الكثير من الدموع بينما كان الآلاف يصفّقون لفيروز. وعندما بدأت لحظات الوداع، كانت تقول معجزة، فيروز معجزة.
نعم يا سيدتي يحتاج الإنسان الى فيروز ليصدق أن المعجزات تحصل في أيامنا، وأن الرب سخي، سخي.
وإذ مسحتُ دموعي وشكرتُ الرب على أنني بين هؤلاء الذين شاهدوا فيروز في البيال، عادت اليّ كلمات دكتورة إختصاصية في الفولكلور والموسيقى من إحدى الدول العربية، كانت تتحدث الى إذاعة لبنانية خصّصت العام الماضي برنامجاً للإحتفال بعيد ميلاد السيدة فيروز وهو يقع عشية ذكرى إستقلال لبنان. نسيت إسم الدكتورة لكنني أذكر أنها ختمت حديثها بالقول: «لا تؤاخذوني لكن يجب أن أقول إنكم كلبنانيين لم تدركوا بعد، أو لم تستوعبوا ما يعنيه أن عندكم فيروز».

Copyright © 1998 - 2013 جميع الحقوق محفوظة. الجيش اللبناني
تصميم قيادة الجيش اللبناني - مديرية التوجيه