السبت, 1 تشرين الثاني, 2014 الموقع الرسمي للجيش اللبناني
الصفحة الرئيسية | حالة الطقس | أناشيد الجيش | أشرطة مصوّرة | المديرية العامة للإدارة | اللغات الأجنبية - قسم اللغة الانكليزية


مجلة الدفاع الوطني
1/10/2003


العولمة الإقتصادية الليبرالية مقدمة

العولمة الإقتصادية الليبرالية
مقدمة

غزا مفهوم العولمة مختلف مجالات التفاعل البشري, السياسية والأكاديمية والإقتصادية والإعلامية, وتحوّل الى أكثر التعابير شيوعاً, وأصبح اداة التفسير الرئيسية للأحداث والتحولات الجارية على الساحات المحلية والإقليمية والعالمية, والحجة الدائمة لتعليل السياسات المحلية لهذه الحكومة أو تلك, وأكتسب انصاراً يرون في العولمة الدواء والعلاج لكل المشاكل المعرقلة لتطور الأمم والبشرية. لكنه من الجهة الأخرى خلق ايضاً من المناهضين ما يزيد عدداً عن أنصاره, ممّن يرون في العولمة السبب الرئيسي المعاصر للمشاكل التي لا تشكل مجرد عوائق لتطور البلدان ومصدراً لمشاكلها فحسب, وانما ايضاً خطراً حقيقياً على البشرية. وبذلك تحولت العولمة الى موضوع رئيسي لحوارات ونقاشات المؤسسات العلمية والسياسية, النوادي والأفراد, وهي ستستمر كذلك الى أمد طويل, حتى تتبلور الإجابات حول نشأة هذه الظاهرة وقواها المحركة والآثار السلبية والإيجابية التي يمكن ان تتمخض عنها, وتحديد المستفيدين والمتضررين منها, والإتجاهات التي ستأخذها, وفي نهاية المطاف الى ان يحدد ما الذي يتعولم ومن الذي يعولم. ذلك ان أنصار العولمة لا يستطعون تجاهل استمرار الفقر والمشاكل المرافقة لهذه العملية, في حين ان اعداءها لا يمكن ان يغضّوا الطرف عن الإنجازات الناجمة عن العولمة.هذا في وقت لم يتم التوصل فيه بعد الى تعريف موحد محدد لهذه الظاهرة, إذ ثمة من يرى انها سياق تشكل السوق العالمية الموحدة, ومنهم من يرى فيها طوراً من أطوار الرأسمالية المعاصرة, وبعضهم يرى فيها شكلاً جديداً من أشكال الهيمنة, ومنهم من يرى بأنها
˜أمركة العالم, وهكذا دواليك. ولأنه لا تدخل في هذا البحث مهمة مناقشة كل هذه التعاريف, حيث لا يتسع المجال لذلك, تجدر الأشارة الى ان هذه التعاريف تتقاطع مع العديد من العناصر المكونة لظاهرة العولمة, لكنها تفترق اما في التركيز على اشكال التعولم الراهنة, وأما انها تركز على القوى المعولمة واما انها تركز على بعض المكوّنات والسياسات التنفيذية وتقلل من أهمية العناصر الأخرى.

1
) إشكالية البحث
ان الإشكالية الجوهرية الناجمة عن طرح هذا الموضوع تتلخص في ما يلي: يعتقد بعض الباحثين والسياسيين والعاملين في بعض المؤسسات الدولية بأن البيئة الإقتصادية العالمية قد تغيرت جذرياً, وانه قد تشكل اقتصاد عالمي عضوي يخضع لقوانين ولقوى موحدة, وأن عصر الوحدات الإقتصادية الكلية (الوطنية) قد ولّى, وأنه لم يعد للدولة (الحكومة) دور يذكر في التطور الإقتصادي, لا بل أصبحت عائقاً في طريق تحققه. والسبيل الوحيد امام الأمم والشعوب والإقتصاديات الوطنية هو الإنخراط في هذه العملية التي ستؤمن الخير للجميع عبر اعتماد متبادل وانفتاح وتحرير للنشاط الاقتصادي. تلك هي النظرة النيوليبرالية للعولمة ولمتطلباتها ولآفاقها, وهي تستند في هذا الى بعض المعطيات حول النشاط الإقتصادي في العالم إن لجهة حجم الإنتاج الدولي والتجارة والاستثمارات الدولية, أو لجهة الطفرة الهائلة في النشاطات المالية العالمية.
بالمقابل ومن وجهة نظر إطلاقية ايضاً يرى أصحابها ان ما ينعت بالعولمة وما يساق من استشهادات عليه ما هو الا عملية تدويل تقليدية شهدتها الرأسمالية ابتداءً من الثلث الأخير للقرن التاسع عشر, وان المعطيات التي تساق كدليل على تعولم الحياة الإقتصادية ليست معطيات غير مسبوقة في تاريخ الرأسمالية, بل اذا ما أخذت كنسب مئوية الى الناتج المحلي العالمي تبيّن ان الإقتصاد العالمي كان أكثر تعولماً في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, وبالتحديد عشية الحرب العالمية الأولى. وتضع هذه النظرية نموذجاً مطلقاً لللإقتصاد المعولم وتقيس به الوضع الراهن مما يؤكد تصورها عن ان هذا الإقتصاد ما زال بعيداً عن التعولم الكامل, وان شيئاً جوهرياً لم يحصل ليؤسس لنظرية التعولم, وان الدول ما زالت تمارس دورها محلياً ودولياً
(1).
في ضوء هذين الطرحين المطلقين أرى ان الحقيقة تقع ما بينهما, بمعنى انه بالفعل توجد ميول تطوّر في الحياة الإقتصادية­الإجتماعية العالمية لم يعد بالامكان حشرها في اطار مقولة التدويل, أي انها لم تعد مجرد تعبيرات عن تدويل الحياة الإقتصادية أو مجرد عنصر مكوّن للعلاقات الإقتصادية بين الدول ـ والمقصود بذلك خروج دائرة الأنتاج وتجديد الإنتاج
(للقوى المنتجة وللعلاقات الإنتاجية الرأسمالية السائدة) عن الإطار الوطني, وحاجة هذه الدائرة لتفتيق الإطار الإجتماعي الوطني الذي كانت تتحقق في اطاره, وهو ما يتحقق عبر التكامل الإقتصادي بين الدول والوحدات الإنتاجية في بلدان مختلفة. كما انه يتحقق عبر هجرة الاستثمارات المباشرة وتوطنها في بيئات أجنبية, وكذلك عبر ما يسمى بالاعتماد المتبادل (الذي هو فعلاً اعتماد في بعض الحالات وتبعية مطلقة في الحالات الأخرى). وعلى أرضية هذا الميل لتعولم دائرة تجديد الانتاج تكتسب عولمة المبادلات التجارية والمالية نوعية جديدة. ذلك ان هذين المجالين كانا مدوّلين ( لا بل معولمين) بما فيه الكفاية, وهذا ما تدعمه الأرقام إن في نهاية القرن التاسع عشر او طوال القرن العشرين. إلا أنها كانت عولمة جزئية لدورة الرأسمال لأنها كانت تطال عنصرين من عناصره الوظيفية, أي الرأسمال السلعي والنقدي. لكن الجديد في الموضوع ان تعولم دائرة الإنتاج, وهي بدقة عولمة الرأسمال الإنتاجي­العنصر الرئيسي والمحدد في دورة الرأسمال­ تجعل من تعولم المبادلات التجارية والمالية أكثر ثباتاً وتجذراً, دون ان يعني ذلك انها تسير بخط مستقيم لا رجعة فيه.
المسألة برأيي ليست في ان الاستثمارات الأجنبية كانت موجودة في السابق كما هي اليوم ولو بنسب أكثر او أقل, وانما في كونها تعبير جديد عن اكتساب تعميم العمل والإنتاج والقوى المنتجة
(جتمعتها Socialisation حسب تعبير ماركس) طابعاً عالمياً يتجسد في تعميق التقسيم الاجتماعي للعمل وفي تجميع اجزائه المقسمة عالمياً, على قاعدة اسلوب تكنولوجي جديد للإنتاج هو اسلوب تكنولوجيا المعلومات.
ان ما أود ان أؤكد عليه ان هذه الميول للتعولم هي ميول فعلية تتحقق بهذا الشكل أو ذاك, وبشكل متناقض وصراعي, وهي مفتوحة على كل الاحتمالات. كما أرى, ان الاقتصاد العالمي ما زال بعيداً عن العولمة الكاملة, بل ان ما يجري هو عولمتان
(او قل عولمة استقطابية): عولمة المراكز الرأسمالية بكل المواصفات النيوليبرالية لها, وعولمة تخلّف العالم الأخر. انها عولمة معاقة, اي نصف عولمة. واذا ما استمرت بصيغتها الإمبريالية, ربما أفضت الى نقيضها, بل الى كارثة. ذلك ان ما يفرض من سياسات وقواعد سلوك واتفاقيات من قبل المؤسسات الدولية يؤدي الى تقليص حاد في دور الدولة المرشح الى الإضمحلال الكلّي.
الى ذلك لا بد من التمييز بين الميول الموضوعية الى تعولم الحياة الإقتصادية, كإستجابة لحاجات الحفاظ على الجنس البشري ومتطلبات تحسين ظروف حياته وتجديد النسل, وبين السياسات المتبعة لإدخال هذه الميول حيز التنفيذ من قبل القوى المهيمنة على الصعيد العالمي. ومغزى هذه الدعوة يكمن في ان العولمة كمسار موضوعي وطبيعي, تختلف عن سياسات تجسيدها, وأن هذه السياسات ليست مساراً وقدرا لا بدائل عنه, بل على العكس من ذلك, اذ ان درأ الكوارث العالمية, إن في مجال البيئة أو التغذية او الإنفجار السكاني او التسلح, وهي نتاج هذا التجسيد الليبرالي للعولمة, يتطلّب من القوى الديمقراطية في العالم اجمع التضامن من أجل منع تحقق الأشكال المتطرفة من العولمة الامبريالية والسعي لتحقيق عولمة انسانية.بكلام آخر, ان وضع البشرية على سكة تطور انساني حضاري ثقافي حرّ تتطلب من القوى صاحبة المصلحة في هذا النمط من التطور ان تضع ستراتيجيتها لتجاوز هذه العولمة الى عولمة انسانية ديمقراطية جديرة ببناء مجتمع عالمي متنوع.
في ضوء هذه الإشكالية سوف أركّز في البحث على ما أعتبره نواة نشوئية للعولمة بصيغها الرأسمالية, أي على دائرة الإنتاج, لما تقدمه من اساس نوعي في تبلور هذه الظاهرة. كما سأتناول المجالات الأخرى
(التبادل التجاري والمالي) وعملية تمركز الإنتاج والرأسمال عبر مختلف أشكال التكامل, وذلك بشكل مختصر لإكمال صورة ما أسميه الميل لعولمة الحياة الإقتصادية.

2
) تعريف العولمة و مضمونها
مع أن الإهتمام بهذه الظاهرة يعود الى مطلع التسعينات من القرن المنصرم, فإن العمليات والظواهر التي يعبر عنها هذا المفهوم قديمة جداً, منها ما يعود لعشرات السنين وبعضها لمئات السنين وربما لآلاف السنين. والحديث يجري هنا عن تلك الطموحات والتحركات البشرية بأتجاه التجمع والتوحيد والتفاعل في اطار المجموعات البشرية البدائية اولاً, ثم في القبائل والدولة القومية ثانياً, وفي الميل للتشكل في وحدة بشرية عالمية ثالثاً. وقد أملت تلك الطموحات والتحركات مهمتان مصيريتان: مهمة الحفاظ على الجنس البشري في ظل الأوضاع الطبيعية والبيئية المختلفة الصعوبة, ومهمة تحسين مستوى المعيشة في ظل الظروف المتغيرة نتيجة جهود الإنسان ذاته. وتجسّد ذلك في تجاوز الدول لانعزالها عن بعضها وتعزز العلاقات الدولية بينها, وفي توسيع عمليات التبادل بالسلع والخدمات والمعلومات وتشكيل الأسواق العالمية, وتوحيد المعايير التكنولوجية وفي إقامة الإتحادات والتحالفات بين الدول والمؤسسات الدولية. كما تجسدت في طموح البشر للإنتماء الى اكثر مما هو عائلة وقبيلة ودولة وأمة, وفي انتشار المنظومات الفلسفية والديانات خارج الحدود الجغرافية التي نشأت فيها, وفي تفاعل الثقافات والحضارات. باختصار تجسّدت هذه الطموحات والتحركات في ميل متزايد للإندماج وللتكامل والتفاعل والإعتماد المتبادل بين الشعوب والأمم. لكن هذه الميول كانت تصطدم على الدوام بميول معاكسة: الإنعزال, التقوقع القومي والعائلي والديني. ومع ذلك فقد تشكلت كتلة كافية من العناصر لتنامي الميول التكاملية في الحياة الاجتماعية, وإن باشكال متناقضة, مما بات يشكل حالة نوعية جديدة, ودرجة اعلى من التكامل العالمي, وهو ما يعبر عنه مفهوم العولمة.
بهذا المعنى أرى العولمة سياقاًًَََ تاريخياً طويلاً موضوعياً ومتناقضاً لتقارب واندماج وانفتاح وتكامل وترابط وتفاعل بلدان وشعوب العالم. انها مسار التشكّل المتناقض للمجتمع العالمي الموحد بكل مكوناته, مسار تعمّق العلاقات الاجتماعية والصلات في العالم في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاعلامية, انها عملية تحوّل العالم الى حقل نشاط موحد للبشرية في هذه المجالات كلها.
وبهذا المعنى ليست العولمة ظاهرة جديدة. انها قديمة قدم المجتمع البشري, مرت بمراحل صغيرة ومتوسطة وكبيرة من التقارب والانفتاح وانتشار المعارف والخبرات, بحيث ان كل اختراع وكل اكتشاف وكل تبادل كان يسهم بتحقيق هذه العملية, من اكتشاف النار والقوس والنشّاب الى تقسيم العمل وسكك الحديد وصناعة السفن والاكتشافات الجغرافية واختراع وسائل الاتصال: من الراديو والتلغراف والجرائد والكتب وصولاً للهاتف النقّال والإنترنت التي حوّلت, فعلياً, العالم الى قرية صغيرة, ضغطت الزمن وقلّصت المسافة مما أسهم في تقريب الشعوب وتوحيد الدول وخلق الامبراطوريات. لكن مستوى تطور القوى المنتجة وما حقّقه من وسائل اتصال ومواصلات متناسبة معه كان يحدد ويقرر حجم التقارب والاندماج والانفتاح والتفاعل
(اليوم نتفاعل مع الحدث لحظة وقوعه وليس بعد ايام أو اشهر) التي كان يتم جزء منها طوعياً وجزء آخر بالحروب والقمع والقوة. لذلك ينبغي الحديث اليوم عن طور جديد في مسار العولمة وليس عن العولمة كظاهرة جديدة.

3
) شكل العولمة
ولأن العولمة ظاهرة إجتماعية ونتاج تفاعل البشر في مجالات نشاطهم المختلفة, الفردية والمشتركة, ونتيجة تحضرهم المستمر, بمعنى أنهم لا يعملون ولا ينشطون في بيئات مجردة وظروف إجتماعية راكدة بل يتفاعلون في تشكيلات إجتماعية وظروف إجتماعية تتطور من الأشكال الدنيا
(العبودية والإقطاعية) الى الأشكال العليا (الرأسمالية والإشتراكية) فإن العولمة, كما وكل الظواهر الإجتماعية الأخرى, تنطبع بطابع التشكيلة الإجتماعية المحدد, تتأثر بقوانينها وبأهدافها وبالقوى الإجتماعية المحركة لها والمسيطرة فيها. لذلك كانت حدود التعولم وسقفه تتعلق بما تسمح به امكانيات النظام الإجتماعي والقوى المنتجة المتوفرة والطاقات والحاجات. خلاصة القول أن شكل الظاهرة يختلف بإختلاف التشكيلات الإجتماعية. ولذلك فأن الشكل المعاصر للعولمة الراهنة يتحدد بالنظام (التشكيلة) الإقتصادي الإجتماعي السائد, أي النظام الرأسمالي في مرحلته الإحتكارية. لذا فان العولمة اليوم هي عولمة رأسمالية احتكارية يحلو للبعض وصفها بالليبرالية, انها عولمة يقودها الرأسمال المعولم الذي تعود ملكيته الى الشركات العابرة للقوميات. ويسعى هذا الرأسمال للحصول على الربح ما فوق الاحتكاري, واخضاع كل البشرية ومجتمعاتها والفضاء الخارجي واعماق المحيطات وكل منجزات البشرية لتحقيق هذا الهدف, بمختلف الوسائل القسرية والحبّية, بمعزل عما يمكن ان يرافق ذلك من نتائج مدمرة على الانسان والطبيعة. ولذلك يمكن القول بأن ما نشهده اليوم ليس عملية تقارب بل تقريب, وليس انفتاحاً بل فتحاً, وليس اندماجاً بل دمجاً وليس ترابطاً بل ربطاً وليس تفاعلاً بل فعلاً بين الشعوب والبلدان والإقتصاديات والأسواق والتجمعات والمؤسسات, يقوم بها الرأسمال المعولم بمؤسساته وأدواته وما يفرضه من اتفاقات. ان ما يجري هو عملية توحيد وتنميط للسلوك وللسلع وللإستهلاك وللتفكير واستخدام وقت الفراغ بأشكال تؤمن تحقيق الأهداف المرسومة من الشركات العابرة للقوميات.
واذا ما فهمنا العولمة بهذه المنهجية لا يبقى حاجة للتفريق الذي يضعه البعض بين العولمة والعالمية, باعتبار الأولى انتشار طبيعي ـ قسري أو قسري فقط بينما الثانية انتشار طبيعي يعمّ العالم كله, بوصفها سمة ملازمة للرأسمالية القائمة عضوياً على التوسع
(2), ومع ان العولمة تطال مختلف جوانب حياة المجتمع العالمي ومكوّناته السياسية والثقافية والإجتماعية والبيئية والأقتصادية والديموغرافية والتكنولوجية, وتترك آثاراً على مصائر الشعوب والبشرية عموماً, إلا ان هذه العملية تقوم على نواة نشوئية تؤمن حركتها الصاعدة المستمرة وهي المجال الإقتصادي ـ التكنولوجي.

4
) الطور الجديد في العولمة ومحفزاته
في ضوء هذا الفهم للعولمة كمسار تاريخي طويل متعدد الأطوار يمكن الحديث اليوم عن طور جديد من العولمة يمتاز عن الأطوار السابقة لانتشار النشاط البشري خارج حدود تشكل الفعل وتجسده, ولمدى تقارب واندماج الشعوب والبلدان. ويمتاز هذا الطور بتفاوت هائل في تطور البلدان وتزايد الصراعات والتناقضات بينها والناجمة عن خصائص التطور في المجالات المختلفة.
فقد سمحت التطورات التكنولوجية للإنسان ان يوسع نشاطه الإقتصادي الى عمق البحار والمحيطات لاستغلالها, وكذلك الأمر بالنسبة الى الفضاء, وذلك بعد ان شارف التوسع في النشاط الإقتصادي على سطح اليابسة الى نهاياته والذي يهدد باستنزاف الموارد المتوفرة التي لا قدرة للبشرية على إعادة انتاجها. لقد تسنى للإنسان ان يخلق طبيعة ثانية تكنولوجية تقارب الطبيعة الحقيقية, وهي وسّعت قدراته وزادت من تفاوت القوى بين مختلف البلدان. كما ان التطور التكنولوجي والمعلوماتي وسع من قدرات الانسان في مجال النقل والاتصالات, مما سهّل بمقاييس كبيرة القدرة على التحرك والانتقال ونشر, ليس السلع والخدمات فحسب, بل الأفكار ايضاً.
وفي الجانب الإقتصادي اتّسع وتعمّق التقسيم الدولي للعمل والتعاون والتجميع داخل القطاع الواحد وما بين القطاعات على قاعدة تمركز وتركيز الرساميل وتشكل الملكية الدولية لوسائل الإنتاج عبر الشركات العابرة للقوميات واتحاداتها الضخمة, التي بات نشاطها يتجاوز حدود الدول القومية المتمركزة فيها, وباتت تخضع لإدارة وتنظيم ما فوق قومي بما يؤسس لتشكيل اقتصاد عالمي كجسم عضوي موحد.
وتنعكس هذه العمليات والتطورات في الحقل السياسي عبر تشكل الاتحادات السياسية ما بين الدول والاتفاقيات المختلفة بما يسمح بحرية تنقل السلع والخدمات والرساميل, وجزئياً اليد العاملة. ان العالم ينتقل الى أشكال جديدة من التكامل السياسي بعد ان كانت العلاقات السياسية الثنائية هي الغالبة.
وتحقيقاً لكل هذه الميول باشرت بعض الدول باقامة اتحادات سياسية ـ إقتصادية
(مثل الاتحاد الأوروبي), وعقد اتفاقيات جماعية (مثل اتفاق التجارة الحرة لشمال أميركا - ­النافتا), ولإقامة منظمة التجارة العالمية.
وتعتبر موجة الليبرالية الجديدة الحاضنة الفكرية ـ الإيديولوجية لمسار العولمة الليبرالية بما تضمنه من دعوات لتحرير النشاط الإقتصادي من تدخل الدولة في جميع المجالات, ومن الغاء كل اشكال تنظيم الحياة الإقتصادية والاسواق, وذلك عبر فرض آلية وحيدة لتنظيم الحياة الإقتصادية هي آلية السوق والمنافسة. وتعتبر الخصخصة ركناً اساسياً في النهج النيوليبرالي بما يعنيه ذلك من تحويل نهائي للمشاريع المملوكة من قطاع الدولة الى القطاع الخاص.كما أن مايسمى بتوافق واشنطن هو أكثر التعابير وضوحاً عن هذه الأيديولوجيا.
ومع ان معظم الباحثين يستند في تأسيس العولمة والبرهنة على وجودها الى معايير كمية كحجم التجارة الدولية, وحجم الرساميل الهائمة والمتداولة يومياً بين الاسواق المالية العالمية, وعلى تقارب اسعار السلع واسعار السندات واسعار الفائدة العالمية,
(هذه الأرقام تعبير حقيقي عن هذه الظاهرة), إلا ان الجديد هو المعايير النوعية التي تجلّت خلال القرن العشرين. فإذا كانت العلاقات الإقتصادية الدولية قد تطورت في السابق في إطار الامبراطوريات التي كانت قائمة ومن ثم بينها وبين مستعمراتها, فإنها في الوقت الراهن تقوم بين الدول المتقدمة صناعياً, وبينها وبين البلدان النامية. واذا كانت التجارة في السابق هي الشكل الرئيسي لتدويل الحياة الإقتصادية على شكل تبادل للسلع الجاهزة من الامبراطوريات لمستعمراتها, فان التجارة تتم اليوم بشكل رئيسي بين البلدان المتطورة على شكل آلات ومعدات وتقنيات متطورة. انها تجارة تتم بشكل رئيسي داخل القطاع وبين القطاعات. الى ذلك أصبح الاساس الرئيسي للعولمة اليوم تدويل الإنتاج وليس تدويل التبادل وهو ما تجسد في الشركات العابرة للقوميات. واذا ما تطورت التجارة اليوم فلأنها تحقق عمليات تخصص وتعاون وتكامل, إما في اطار شركة عابرة معينة او عدة شركات, أي انها تحقق صفقات وعمليات لها طابع الثبات, قائمة على ثبات واستمرار العلاقات الإنتاجية بين الاتحادات الإنتاجية الطويلة الأجل. ان تدويل الإنتاج يشكل الاساس المادي لتدويل جميع مجالات الحياة الإقتصادية. وأخيراً يتسم هذا الطور من العولمة بانها اصبحت عولمة استقطابية حسب تعبير سمير أمين, بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل النظام الرأسمالي, وحيث كانت الفوارق في التطور بين بلدان العالم بسيطة لا تتجاوز نسبة اثنين الى واحد ولم يكن هناك اي شيء يعرقل لحاق المناطق المتخلفة بالمناطق الاكثر تقدماً. اما اليوم فان الهوة بين مستويات تطور المراكز والأطراف تتسع وتتعمق الى درجة ان النسبة التي كانت 2 إلى واحد سنة ,1800 بلغت اليوم 60 إلى واحد. وهذا الاستقطاب هو ظاهرة مرعبة لا سابق لها في تاريخ الإنسانية(3).

5
) تعريف العولمة الإقتصادية
العولمة الاقتصادية, أو عولمة الحياة الاقتصادية, هي عملية نشوء وتعمق العلاقات بين الاقتصاديات الوطنية
(ووحداتها) في مختلف بلدان العالم, حيث يخرج العمل المنفرد قومياً عن اطر البلد المعني, ويتحول العالم الى حقل موحد للنشاط الاقتصادي في جميع مكوناته: الانتاج, التبادل, التوزيع, التمويل, الاستهلاك.
الا ان القاعدة المادية لهذه العملية تكمن في عولمة عملية الانتاج وتجديده, التي تكمن في اكساب القوى المنتجة طابعا عالميا, على قاعدة تعميق التقسيم الدولي للعمل, مما يفترض درجة عالية لتعميم
(جتمعة) الانتاج.
كل هذا يعني ان العلاقات الانتاجية التي تشكلت يوماً ما في اطار اقتصاد بلد معين في ظل النظام الرأسمالي, والتي طبعت انتاج هذا البلد بطابع اجتماعي
(انتاج على مستوى المجتمع) تكتسب في ظل العولمة طابعاً عالمياً, بحيث ان عملية الانتاج تتوزع الى حلقات مختلفة متموضعة في عدة بلدان وتشارك فيها قوة عمل متعددة القوميات, ويصرف المنتوج في اسواق العالم الواسعة, وتستفيد المشاريع من مصادر تمويل لا تحصى. وبهذا المعنى يصبح من الصعب تحديد الهوية القومية للمنتوج لأنه لم يعد حصرا من انتاج اليابان أو اميركا أو سنغافورة أو الصين او الهند, على الرغم من ان اجزاء معينة تشكل المنتوج المحدد قد تم انتاجها في هذه البلدان, بل انه منتوج لشركة سوني أو شركة هيونداي التي تتموضع فروعها ومصانعها في هذا العدد من البلدان.
وقد ذكرت مجلة وول ستريت في احد مقالاتها المعنونة
˜وهم إسمه صُنع في اميركاً ان ما يتبقى من ثمن سيارة البونتياك البالغ 10250 دولاراً هو 4000 دولاراً فقط, اما الباقي فيتوزع في الخارج

 لقاء الاجزاء المشتراة والخدمات لصنع السيارة. ومنها 3000 دولاراً لكوريا الجنوبية, 1850 دولاراً لليابان, 700 دولاراً لألمانيا, 400 دولاراً لكل من سنغافورة ولتايوان, 250 دولاراً لبريطانيا و50 دولاراً لايرلندا(4).
من هنا فان العولمة بالمنظار الاقتصادي­التكنولوجي هي عملية تاريخية طويلة لتشكل مراحلي لنظام اقتصادي كوني, انساني الطابع, على اساس دفعات دورية ناجمة عن التدويل المتواصل لعناصر السوق العالمية المختلفة, وتعاقب أشكال تصاعدية في تقدمها وصولا للعولمة الإنسانية الكاملة التي تضمن حلاً تاماً للمهمتين المصيريتين :استمرار الحياة البشرية و تحسين ظروف الحياة. وتنتشر هذه العولمةبطبعتها الليبرالية الراهنة وتأثيراتها عبر أقنية التبادل الدولي بالسلع والخدمات والرساميل والمعارف وتنظيم هذا التبادل, يحفزها إلى ذلك التقدم التقني وتعاقب اساليب الانتاج التكنولوجية, وتسهّلها التدابير الادارية والمؤسسية المزيلة للعوائق, والاتفاقات الدولية المتعددة الأطراف, وكذلك عمليات الاندماج والابتلاع بين الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات ونشر فروعها في مختلف بلدان العالم.

6
) اتجاهات العولمة الاقتصادية ومؤشرات التعولم
عندما يجري الحديث عن العولمة الاقتصادية يقصد بالدرجة الأولى تحويل عملية تجديد الانتاج من قضية محلية الى قضية يستحيل حلّها إلا في اطار عالمي لجهة تشكيل نسب الانتاج والتزود بعوامله وسياق تجديده. كما يجري الحديث عن امتلاء الأسواق العالمية بسلع وخدمات من بلدان وشركات عديدة, وعن مليارات الدولارات التي تتدفق من سوق مالية لأخرى بسرعة البرق. بكلام آخر يجري الحديث عن تكامل اقتصاديات العالم. ان خارطة العالم الاقتصادية تمتلئ بالحلقات التكاملية وبالاتحادات ما بين الدول. من هنا يمكن تحديد اتجاهات العولمة الاقتصادية على النحو التالي:
1-­ العولمة على مستوى الانتاج وتجديد الانتاج, حيث تصبح نسب الانتاج وتشكّلها على مستوى بلدان العالم مسألة مرتبطة بالعوامل الخارجية, إن لجهة حركة عوامل الانتاج: الرأسمال, العمل, التكنولوجيا, او لجهةالمنافسة من اجل جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة, مما يجعل التعاون الدولي بين المشاريع امراً لا مفر منه في تحقيق عملية تجديد الانتاج.
2-­ العولمة على مستوى التبادل السلعي والخدماتي, اي عولمة التجارة التي تشمل السلع والخدمات والتكنولوجيا والمعارف.
3-­ عولمة الاسواق المالية التي تعتبر حقلاً للتسليفات الحكومية والخاصة وللمتاجرة بالأوراق المالية المختلفة وبالمشتقات المتنوعة وللمتاجرة بالعملات.
4-­ الإتحادات التكاملية بين البلدان كطور من أطوار العولمة.
جدير بالذكر ان مستوى تعولم هذه المجالات ليس واحداً, لا على البلدان ولا على القطاعات. فتعولم اسواق المال يفوق كثيراً المجالات الأخرى خصوصاً لجهة المتاجرة بالعملات والأوراق المالية. وتليها عولمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة ثم المتاجرة بالسلع والخدمات. وتفوق هذه القطاعات بوتائر نموها, وتائر نمو القطاع الفعلي اي الناتج المحلي القائم من جراء ما يسميه
˜سمير امين بالتمييل اي السعي لتوسيع حقل التوظيفات المالية كبديل عن الاستثمارات الانتاجية التي لا تتسع للفائض المالي, مما يسمح للرأسمال بتجنب عملية تبخيس اكيدة له(5).
من هنا يمكن اقتراح مجموعة من المؤشرات حول مدى تعولم الحياة الاقتصادية العالمية, وهي مؤشرات تعبر عن الحقول الاقتصادية الثلاثة اي الانتاج والتبادل واسواق المال.
أ
) على مستوى الانتاج:
1-­ حجم الانتاج الدولي
( المدوّل) للسلع والخدمات ووتائر نموه بالمقارنة مع وتائر الناتج العالمي الاجمالي.
2-­ حجم ودينامية الاستثمارات الاجنبية المباشرة بالمقارنة مع حجم ودينامية الاستثمارات العالمية الاجمالية.
3-­ حجم ودينامية التمركز الدولي للرأسمال, على شكل اندماجات وابتلاعات بين الشركات, بالمقارنة مع المعطيات العامة عن تمركز الرأسمال.
4-­ حجم ودينامية المشاريع الاستثمارية الدولية الكبرى بالمقارنة مع حجم المشاريع الاستثمارية في العالم.
ب
) على مستوى التبادل
1­ حجم التجارة الدولية بالسلع والخدمات وتاثر نموها بالمقارنة مع الناتج الإجمالي العالمي.
2­ المتاجرة ببراءات الاختراع.
ج
) على مستوى الاسواق المالية
1-­ حجم ودينامية العمليات الدولية للمصارف ومؤسسات التسليف بالمقارنة مع حجم ودينامية العمليات الإجمالية لهذه المؤسسات.
2­ حجم ودينامية الاسواق المالية الدولية بالمقارنة مع حجم ودينامية كل الاسواق المالية في العالم
(المتاجرة بالسندات والاسهم والمشتقات).
3-­ حجم ودينامية اسواق العملات بالمقارنة مع الاسواق المالية عامة.
د
) على مستوى تشكل الإتحادات التكاملية
(عدد الإتحادات وعدد الدول الداخلة فيها وعمق التكامل وتاثيره على الإقتصاد العالمي).
مثل هذه المؤشرات يمكن أن يستخدم لقياس تعولم الإقتصاد العالمي ككل وتعولم كل اقتصاد وطني وتكامله أو انخراطه مع الإقتصاد العالمي. كما يمكن استخدامها لقياس تعولم القطاعات الكبرى بحد ذاتها. وقد دلت المؤشرات والمعطيات المتوفرة حتى الأن أن مدى تعولم الاقتصاديات قد بلغ مداه في البلدان الرأسمالية المتطورة: أميركا وكندا وأوستراليا, بلدان أوروبا الغربية, اليابان, ونسبياً البلدان المصنعة الجديدة في شرق وجنوب آسيا. اما البلدان النامية, فان غالبيتها العظمى ساحة فعل وتلقي فعل العولمة, لا شريكاً فاعلاً فيها كما البلدان المتطورة. وهذا ما يدفعنا لاستخلاص استنتاج مبكر مفاده ان العولمة الليبرالية مسار محدود يطال الإقتصاديات المتطورة ويعيق تكامل وانخراط الاقتصاديات النامية في الاقتصاد العالمي وذلك عبر الجدار التكنولوجي الذي حوّل الفارق في النمو بين العالمين المتطور والنامي هوّة يستحيل ردمها في المدى المنظور. واذا كانت الاقتصاديات النامية تتفاعل مع سياق العولمة عبر قطاع التصدير الذي يعتبر قطاعاً شبه منعزل عن الاقتصاد الوطني
(غير متكامل مع هذا الاقتصاد) فان الاقتصاديات المتطورة تمتاز بأن العولمة تتغلغل فيها الى كافة القطاعات والى عمق اساساتها التي تقوم عليها, مما يجعلها عرضة لمفاعيل مضاعفة إن من جانب تدفق الرساميل أو من جانب زيادة التدفقات السلعية الخارجية.
وعلى الرغم من تسارع ميول العولمة على الصعيد القطاعي وعلى صعيد البلدان فان الاقتصاد العالمي ما زال بعيداً عن التكامل التام, أي ما زلنا بعيدين عن اقتصاد عالمي متشكل عضوياً, وإن مسار التعولم لا يسير بخط صاعد بدون صعوبات بل انه يسير وسط حقل من التناقضات القديمة والمستجدة, وسيبقى كذلك, يعبر عن الصراع والمنافسة بين الاقطاب الأساسية وتشكل الاتحادات الإقليمية التكاملية, التي هي في الوقت عينه كابح مؤقت لمسار التعولم ومحطة ضرورية على طريق التعولم الكامل. ومع ذلك تبرز تساؤلات عديدة عن حدود العولمة الليبرالية في ظل العدد الكبير للبلدان المستقلة, وهل ان ما يجري الحديث عنه هو حقاً عولمة اذا ما قورن مع حقبات تاريخية سابقة كانت فيها المؤشرات المذكورة اعلاه لا تقل اهمية, اذا لم نقل أكثر أهمية, منها اليوم؟ وهل ان هذه العولمة ستصفي الفروقات بين البلدان؟. وهذه مسائل سنحاول تقديم بعض الأجوبة عنها.

7
) عولمة الإنتاج
سبق وذكرنا ان الميل لعولمة الإنتاج وتجديد الإنتاج أصبح القاعدة المادية لعولمة جميع جوانب الحياة الإقتصادية لما تضفيه من ثبات واستمرارية علىالعلاقات بين الوحدات الإقتصادية المختلفة داخل البلد وبين البلدان. وتبرز عولمة الإنتاج وتجديده على شكل عولمة للقوى المنتجة, أي في تحولها الى ملكية دولية تشغل من قبل ملايين العمال في ومن بلدان مختلفة. إن العولمة تتم على قاعدة تعميق التقسيم الدولي للعمل, على خروج العمل المنفرد عن حدود الدولة مما يفترض مستوى رفيعاً لجتمعة الإنتاج
(تعميمه), الذي يبلغ أبعاداً دولية, حيث يتخذ الإنتاج شكل انتاج دولي قائم على تنقل الرأسمال الإنتاجي دولياً, على شكل استثمارات مباشرة واستثمارات الحقيبة. ويتحقق ذلك عبر تشكيل الشركات العابرة للقوميات حيث يكتسب نشاطها الخارجي أهمية لا تقل عن اهمية نشاطها الداخلي في بلد التمركز.
أ
) الإنتاج الدولي:
يمكن تحديد الإنتاج الدولي على اساس الرأسمال الذي جرى تصديره الى الخارج وتوظيفه هناك. وقد أصبح هذا الإنتاج من المعايير الرئيسية للعولمة الإقتصادية كونه جزءاً عضوياً من البنية الاقتصادية العالمية. وتفيد بعض التقديرات ان نسبة هذا الإنتاج باتت تشكل 8.5
% عام 1991 من الناتج العالمي الاجمالي بعد أن كان 5% سنة 1980(6). اما المكوّن الدولي في انتاج الشركات العابرة فقد بلغ 4%.و تقدر اليد العاملة الموظفة في المشاريع الخارجية وفي بلدان التموضع للشركات العابرة ب 10% من اليد العاملة العالمية اذا ما استثنينا العمالة في الزراعة.
إن الإنتاج الدولي يستند الى تدويل الرأسمال الإنتاجي الذي يعتبر اساساً لتدويل كل دورة رأس المال
(الإنتاجي, السلعي, النقدي). ذلك ان الرأسمال الإنتاجي يمكن ان يبقى محصوراً في دائرته الوطنية (وقد كان كذلك) في ظل دوران الرأسمال النقدي والسلعي, مما يضفي على التدويل طابعاً محدوداً, اما عندما يتدول الرأسمال الإنتاجي فان دوران الرأسمال النقدي والسلعي يتدول هو ايضاًوتتدول بالتالي دورة الرأسمال كلها.
إن الإنتاج الدولي يرفع مستوى التعميم الدولي للعمل في المجال التقني, الإقتصادي والحقوقي. وهو يعزز الميل لتوحيد بعض مجالات السياسة الإقتصادية. فسياسة الحصول على الأرباح تبنى على الاستفادة من الفروقات في انظمة التنظيم الحكومي للبلدان. لذلك تسعى الدول من أجل تلطيف الفروقات في انظمة الضرائب والجمارك والتسليفات مما يوسع القاعدة للمبادلات التجارية.
ب
) الشركات العابرة للقوميات
ان الميل للعولمة الإقتصاية, وبشكل رئيسي لمجال الإنتاج, يترافق مع تحول الشركات المتعددة القومية الى شركات عابرة للقوميات بوصفها اللاعب الرئيسي في الاقتصاد العالمي. وهي تختلف عن الشركات المتعددة القوميات في ان الأخيرة تتمركز في بلد معين هو البلد الأم وتمارس نشاطها في داخل سوقه دون ان يلغي ذلك علاقاتها التجارية مع الخارج. اما الشركات العابرة والتي يتوقع البعض أن تصبح شركات بدون هوية قومية محددة وبإدارة عالمية, فهي تستقر في أي مكان من العالم وتغير مواقعها من اجل الحصول على أفضل العوائد. وهي سوف تخدم اسواقاً كونية عن طريق عمليات كونية. كما انها وخلافاً للشركات المتعددة القومية, لن يعود بالوسع ضبطها او حتى لجمها بفعل سياسات قومية محددة, إذ سوف تفلت من كل معايير الضبط, عدا المعايير العالمية المشتركة, اتفاقاً وتنفيذاً
(7). ويرى " ˜أوهمه " إن هذا النمط من الشركات سوف ينتهج استراتيجية التموضع الكوني في العالم من باب التجاوب مع اسواق اقليمية معينة وتحديد المواقع بفعالية تلبية لمختلف طلبات الجماعات المحلية من المستهلكين. جدير بالذكر ان العديد من الباحثين يستخدم المصطلحين بمعنى واحد, مع ميل لهيمنة تعبير الشركات العابرة للقوميات. وبكل الاحوال يتلازم الآن في مفهوم العولمة الليبرالية النشاط الإقتصادي العابر والشركات العابرة والإستثمارات الاجنبية المباشرة.
فالنشاط الإقتصادي العابر للقوميات الذي تقوم به هذه الشركات صاحبة الرأسمال العابر, هو تعبير عن جوهر العولمة النيوليبرالية. فخروج الرأسمال عن الحدود القومية للدول هو ميزة فطرية للرأسمال,حصلت على امكانيات تحقق كبيرة, وهي تتناسب مع التطلعات الستراتيجية لعملاء السوق, الذين يسترشدون عند القيام بالاستثمارات الاجنبية الخارجية بالأهداف التالي:
-­ الطموح الى الزعامة التكنولوجية التي تعتبر اليوم اساس المزايا التنافسية في السوق.
-­ تعظيم حجم الشركة والتوفير من حجم التنظيم التي لا تحقق في اطار الشركة الصغيرة وفي الحدود القومية الضيقة.
-­ الوصول الى الموارد الطبيعية الاجنبية من أجل التزويد المضمون للإنتاج بالموارد.
-­ الصراع من اجل اسواق تصريف جديدة وتذليل العراقيل في الاستيراد.
-­ تخفيض الكلفة ورفع القدرة التنافسية لكل المنتوج على حساب تركيبة الإنتاج وعقلنة بعض العمليات في عملية تجديد الإنتاج.
-­ ادخال نظام إدارة موحدة لمشاريع الشركة, وتنظيم للسوق الداخلية في الشركة وإقامة شبكة معلومات واعلان.
-­ إقامة رقابة قوية على اسواق الدول الاجنبية, ليس فقط عبر فروع الشركات الأم والمشاريع المختلفة, بل وعبر التحالف مع النخب السياسية أيضاً, التي يمارس عبرها التاثير المتنوع

الجوانب على الدول المتلقية للإستثمارات.
-­ عقلنة جباية الضرائب عبر إستخدام الجوانب الخاصة للأنظمة الضريبية التي تعمل ضمنها الشركة.
-­ إن تحقيق هذه الاهداف بتوليفات وبنسب مختلفة انتج العديد من إستراتيجيات واشكال الشركات العابرة للقوميات الراهنة.
-­ إمكانية نشر المشاريع في بلدان مختلفة بالتناسب مع احجام الأسواق المحلية وانماط النمو الإقتصادي والأجور والأسعار وتوفر البنية التحتية فيها.
-­ إمكانية الأستفادة من الإدخارات العالمية المتوفرة في بعض البلدان.
ومنذ ان ولدت هذه الشركات في نهاية القرن التاسع عشر مرت بعدة مراحل وتعرضت لتغيرات جدية. فقد كان نشاط الجيل الأول منها مرتبطاً بانتاج وتصنيع الخامات في المستعمرات مما أسبغ عليها طابع الشركات العابرة الإستعمارية ـ الخاماتية. كانت عبارة عن كارتلات وسنديكات وترستات. ثم نشأت الشركات العابرة المنتجة للمنتوجات التقنية ـ العسكرية في مرحلة ما بين الحربين العالميتين, مكوّنة الجيل الثاني من الشركات العابرة. إما الجيل الثالث فقد ظهر في الستينات وبدأ يستخدم نتائج الثورة العلمية والتقنية. واتخذت الشركات شكل الكونسرن والشركات المتنوعة. وما بين الستينات والثمانينات توحدت عناصر النشاط الإنتاجي القومي والأجنبي: تصريف السلع, إدارة وتنظيم عمل العمال والاعمال البحثية التطبيقية والتسويق والخدمة بعد البيع, وبدأ تحويل عناصر عملية تجديد الإنتاج باتجاه المعايير المتناسبة مع البلدان المضيفة. وقد ساعدت شركات الجيل الثالث على نشرمنجزات الثورة العلمية التكنولوجية حتى في بعض الأطراف الناشئة, وارست أسس الإنتاج الدولي ذي المدى السوقي والمعلوماتي الموحد والسوق المالية الدولية الموحدة. في مطلع الثمانينات ظهرت تدريجياً وتعززت الشركات العابرة من الجيل الرابع المتميزة بالرؤية الشمولية للأسواق وتحقيق المنافسة على المدى العالمي: إقتسام الاسواق العالمية في ما بينها فقط وتنسيق عمل فروعها على اساس تكنولوجيا المعلومات والتنظيم المرن لكل حلقة من حلقات الإنتاج, توحيد فروعها ومشاريعها ومصانعها عبر شبكة موحدة للإدارة, المتكاملة مع شبكات الشركات العابرة الأخرى, ممارسة التأثير السياسي والإقتصادي على الدول التي تعمل على أرضها.
وتسود اليوم شبكة عالمية من الشركات العابرة التي تسيطر على نصف الناتج الصناعي العالمي, و63
% من التجارة الخارجية 4/5 محليات التجارة ببراءات الإختراع والوكالات في مجال التقنية الجديدة وتكنولوجيا ˜اعرف كيف. وهي تسيطر على 90% من سوق القمح والقهوة والذرة ومشتقات الأخشاب والتبغ وخامات الحديد. وتتكون نواة النظام الإقتصادي العالمي من 50 شركة عابرة تحتكر سلطة إقتصادية لا محدودة. وحسب تقدير مجلة ˜الايكونوميست فان خمس شركات عابرة أميركية تتحكم بنصف انتاج السلع ذات الاستخدام الطويل والطائرات والمعدات الالكترونية والسيارات.
ويبلغ تمركز السيطرةأوجه في انتاج تكنولوجيا المعلومات اذ تسيطر شركتان او ثلاث على شبكة الاتصالات الدولية, وتعادل القدرة الإقتصادية لبعض الشركات العابرة الناتج المحلي لبعض الدول متوسطة الحجم.
وقد بلغ عدد هذه الشركات 45 الفاً عام 1977, ويدخل في دائرة نشاطها 280 الف فرع في الخارج, وهي تسيطر على ثلث الأصول الصناعية في العالم. والمعروف أن 37 الفاً من هذه الشركات تعود لـ 14 بلداً متطوراً من بلدان منظمة التعاون والتطور الإقتصادي, وان 90
% من مقرات هذه الشركات تقع في دول العالم المتقدم. كما أن أكبر مئة شركة تسيطر على ما يقارب خمس الاصول الأجنبية في العالم, وبلغت مبيعاتها 2 ترليون دولار وشغّلت ستة ملايين عامل في أواسط التسعينات. وقد تركز نشاط هذه الشركات بنسبة 60% في الصناعة التحويلية, و37% في الخدمات و3% في الصناعة الاستخراجية(8).غير أن نشاطها الرئيسي تمركز في بلد التموضع الذي تملك فيها ثلثي الأصول. فإذا اخذنا حجم مؤشر المبيعات بمقدار ملياري دولار في السنة لوجدنا ان 400 شركة تدخل في عداد هذه الكتلة الاساسية المسيطرة التي تزيد بناتجها المحلي عن الناتج المحلي للعديد من البلدان النامية. وتوظف هذه الشركات في بلدان مختلفة أصولها المادية وغير المادية (رأسمال, تكنولوجيا, أبحاث علمية, التجربة الإدارية والتنظيمية) من أجل رفع قدرتها التنافسية وفعاليتها التي تجد تعبيرها في ارتفاع الأرباح. كما ان نشاطها يعزز القاعدة الإنتاجية للبلد المضيف وقدرته التصديرية, وتساهم في إعادة بناء هيكلية إقتصادية حديثة وتحسين وضعه الإقتصادي. كما انها تمارس تاثيراً ايجابياً على اقتصاديات البلدان التي نشأت فيها. وقد بلغت الأصول الاجنبية للشركات العابرة للقوميات 8.3 ترليون دولار, وبلغ حجم مبيعات فروعها 6.4 ترليون دولار في سنة 1996(9) وأرتفعت الأصول الى 24.9 ترليون والمبيعات الى 18,5 ترليون في العام 2001 .
ومن حيث بنيتها التنظيمية, فالشركة العابرة هي مجمع متعدد القطاعات, على رأسه الشركة الأساس كغرفة عمليات للمجمع. وعلى قاعدة التخصص الواسع والتجميع تمارس سياسة اقتصادية وتقنية ورقابة على نشاط شركاتها وفروعها في الخارج .
يُرجع الباحثون نشوء هذا النوع من الشركات الى الأسباب التالية:
1-­ يرى ج. غولبريت أن نشوءها يعود لأسباب تكنولوجية محضة.
ذلك ان تكوّن هذا النوع من الشركات تمليه ضرورة تصريف المنتوجات و تأمين خدمتها التقنية بعد البيع, خصوصاً للسلع العصرية, وتشكيل فروع خاصة للشركة الام في الخارج يعزز من وضعها في الأسواق.

2-­ أما "˜ هيمر وكيند لبرغ " فيرجعان تشكيل هذا النوع من الشركات الى المزايا الإحتكارية التي تتمتع بها والتي تسمح لها بتجاوز المزايا التي تمتلكها الشركات القومية في البلدان المختلفة. فإدخال السلع النوعية والعصرية الى اسواق هذه البلدان من قبل تلك الشركات يتيح لها الإنتصار في نزال المنافسة مع الشركات المحلية العاجزة عن القيام بالمثل.
3-­ ويرى فرنون ان ما يسمى بالدورة الحياتية للمنتوج هي الاساس في تشكيل هذا النوع من الشركات. فكل منتوج يمر عبر مراحل أربعة في حياته هي: دخول السوق, نمو حجم المبيعات, إشباع السوق وتناقص حجم المبيعات. من هنا يرى بأن المخرج من المرحلة الرابعة تكمن في تنظيم الإنتاج في الخارج مما يطيل عمر الدورة الحياتية للمنتوج. جدير بالذكر ان التقدم التكنولوجي ساعد على تشكيل هذا النوع من الشركات وذلك عندما أمّن تعمق التقسيم الإجتماعي للعمل وإدخال التكنولوجيا المعاصرة إمكانية تقسيم وتوزيع بعض العمليات التكنولوجية, بينما ساعد ظهور وسائل نقل واتصال جديدة على تحقيق هذه الإمكانية, فأصبحت عملية الإنتاج, التي كانت محصورة في وحدة إنتاجية وطنية معينة, تجزّأ وتوزّع على عدة وحدات متموضعة في عدة بلدان, مما طوّر اللامركزية في الإنتاج وتمركز الرأسمال على مستوى عالمي.
إن كل الشركات العابرة تقوم بتوسيع نشاطها الإقتصادي الخارجي مستندة في تحقيق اهدافها الى سياسة الإنتاج والتصريف. وتنفذ هذه السياسة بواسطة شبكة واسعة من المشاريع المتمركزة في الخارج. وللدلالة على ذلك نذكر ان أكبر مئة شركة عابرة في العالم توظف 38
% من أصولها في الخارج, وهذا ما يقدّر بـ1,4 ترليون دولار عام 1995. بينما تبلغ مبيعاتها في الخارج ايضاً 2 ترليون دولار, أي 48% من مبيعاتها الإجمالية. وتزيد مبيعات الشركة السويسرية ˜نسلة في الخارج عن 98% بينما تصل مبيعات فيليبس الى 88%, براون بوفاريا 87%, وأكسون 79%, وبريتش بتروليوم إلى 75% من اجمالي المبيعات.ويتحقق ثلث التجارة الدولية عبر عمليات هذه الشركات في الخارج. وتترأس لائحة هذه الشركات منذ مطلع التسعينات ˜رويال داتش شل الشركة البريطانية ­الهولندية.
أما من حيث مؤشر العبور القومي الذي يتضمن توظيف الأصول والمبيعات والعاملين في الخارج, فإن الأولوية تعطى للشركة البريطانية ˜فيدافون. ومن حيث حصة الأصول الخارجية إلى الأصول العامة فإن ثلث الشركات المئة المذكورة هو اميركي. ومن حيث الدينامية في عملها فقد ارتفع عدد الشركات اليابانية من 11 عام 1990 الى 15 عام 2000. أما الشركات الأوروبية فهي ذات مواقع مهمة في القطاعات ذات كثافة الرأسمال العالية والقطاعات المرتبطة بالنفقات الكبيرة على الأبحاث والتصميمات مثل الصناعات. وأخيراً, ان ما يؤكد الطابع العولمي لنشاط هذه الشركات هو انها لا تكتفي بتحقيق ارباح وفعالية حلقاتها, بل انها تهتم بنتائج وارباح الشركة ككل.
(جدول رقم 1)
بعض المعطيات عن نشاط أكبر 11 شركة عابرة للقومية عام
(2000) بحجم الأصول في الخارج

الشركة قطاع الأنتاج الأصول المبيعات عدد العمال
في الخارج في الخارج في الخارج
(مليار $) (مليار $)
فودافون اتصالات 221,4 7.4 24000
جنرال الكتريك الكترونية 15
9,2 49,5 145000
أكسون موبيل طاقة 1
01,7 143 64000
فيفندي يونيفرسال متنوعة 9
3,2 19,4 210000
جنرال موتورز سيارات 7
5,1 48,2 165000
رويال دوتش شل طاقة 7
4,8 81 54337
بريتش بتروليوم طاقة 5
7,5 105,6 88300
تويوتا سيارات 55,97 62,24
تلفونيك اتصالات 55,96
12,9 71292
فيات سيارات 52,8 35,85 112224
آي­بي­أم كهربائية وإلكترونية 4
3,13 51,18 170000
World investment report 2002, U.N, .2002.p86

أما من حيث المؤشر الثلاثي المتوسط, أي مجموع متوسط نسبة الأصول الخارجية الى مجمل أصول الشركة, ونسبة المبيعات في الخارج الى المبيعات الإجمالية, ونسبة العمالة في الخارج الى إجمالي عدد عمال الشركة, فان الشركات البريطانية كانت في الطليعة.ويقدم الجدول التالي ترتيب اول عشر شركات في هذا المؤشر.

جدول رقم
(2)
أكبر 10 شركات بالمؤشر المتوسط الثلاثي سنة 2000

الشركة البلد القطاع المؤشر %
ريو تينتو بريطانيا مناجم 98,2
طومسون كندا اعلام 95,3
أب ب سويسرا آلات ومعدات 94,9
نستله سويسرا غذائية 94,7
بريتش اميركان توباكو بريطانيا سجائر 94,4
الكتروليكس السويد معدات كهربائية والكترونية 93,2
انتربرو بلجيكا غذائية 90,2
انغلو آميركان بريطانيا مناجم 88,4
آسترازينيسا بريطانيا أدوية 86,9
فيليبس ألكترونيكس هواندا معدات كهربائية وألكترونية 85,7

IBID P 97

 

الى ذلك انتشرت في الآونة الاخيرة تجربة إقامة التحالفات الستراتيجية بين الشركات الضخمة في العالم. وقد بلغ عدد هذه التحالفات في التسعينات عدة الاف. وتهدف هذه التحالفات الى التوحد في مجال الأبحاث العلمية والتعاون الإنتاجي وإقتسام المجازفة. فعلى سبيل المثال احتاج المجمّع الألكتروني الاميركي الضخم (اي . ب. ام) للتوحد مع شركات عابرة أخرى في مجال الأبحاث العلمية والتطبيقية لإنتاج منتوجات ذات كفاءة علمية عالية, ولإنتاج عناصر جزئية بما قيمته مليار دولار, جرى تجميع أكثر من مئتي اختصاصي في مختبر الشركة في مطلع التسعينات من أي. ب. أم ذاتها ومن شركات توشيبا اليابانية وطومسون الفرنسية وسميونس الإلمانية.
كذلك تستهدف هذه التحالفات تخفيض كلفة الإنتاج عبر اتفاقيات دولية في مجال التعاون الإنتاجي كما جرى بين الشركة الاميركية جنرال الكتريك وتوشيبا اليابانية في مجال الإنتاج والتسويق المشترك لأنابيب الغاز. وتستهدف تحالفات اخرى توسيع تنوع المنتوجات ودائرة المستهلكين وهو ما سعت اليه شركة نيسان بتحالفها مع الشركة الإلمانية دملر ـ بنس, حيث اتفقتا على تنظيم تعاون مشترك لإنتاج الشاحنات الصغيرة حتى وزن 10 طن لتزويد اسواق آسيا وأميركا الجنوبية والوسطى, مما زاد حصة الشركة الالمانية في الاسواق الاسيوية 20
%. وتتجاوز بعض التحالفات عملها لتصل الى الاندماج بين الشركات كما حصل بين شركة فورد الأميركية ومازدا اليابانية في مجال انتاج السيارة ˜أكسبورت. ولا تلغي هذه التحالفات المنافسة بين الأطراف المشاركة فيها, خصوصاً اذا كانت الغاية منها تحقيق اهداف جزئية.


ج
)الإستثمارات الأجنبية المباشرة

يحدد تقرير الامم المتحدة دور الاستثمارات الاجنبية المباشرة كعنصر رئيسي في العولمة كما يلي: تلعب الاستثمارات الأجنبية المباشرة للشركات العابرة دوراً مهماً الآن في توحيد الاقتصاديات القومية المختلفة وخلق نظام الإنتاج الدولي المتكامل ـ أي النواة الإنتاجية للإقتصاد العالمي المعولم(10). وفي أحد الأبحاث لمؤتمر ˜اليونكتاد المنشور سنة 1997 يجري الحديث عن ان الإستثمارات الأجنبية المباشرة تستمر قوة محركة لعملية العولمة. ان الفورة الراهنة في مجال الاستثمارات الاجنبية المباشرة تشهد على الدور المتزايد الذي تلعبه الشركات العابرة في البلدان المتطورة والنامية على السواء.
وبالفعل يلاحظ في السنوات الاخيرة نمو سريع للإستثمارات الاجنبية المباشرة, بحيث أن وتائر نموّها تجاوزت وتائر نمو التجارة الدولية التي كانت لوقت طويل الآلية الأساسية التي ربطت اقتصاديات بلدان العالم. ومع التغيرات الطارئة على المناخ الإقتصادي المتعولم يولى الاهتمام للعلاقة المتبادلة بين هذه الاستثمارات والتجارة, ولتأثير هذه العلاقات على النمو الإقتصادي والرفاهية لبلدان العالم ولا سيما النامية منها. وتكتسب هذه المسائل أهميتها من ناحية السياسة الوطنية في مجال الاستثمارات الاجنبية المباشرة والتجارة. كما تدرس وتناقش في اللقاءات الدولية آليات العمل في مجال الاستثمارات. وكانت المحاولة الجماعية الأولى في هذا المجال هي تلك المتعلقة بعقد اتفاقية متعددة الأطراف في مجال الاستثمارات
MAI.
لقد نمت التدفقات الاستثمارية بمقدار 40
% سنة 1995, وبلغت 317 مليار دولار. واستمر تناميها خلال النصف الثاني للتسعينات. وبلغت هذه التدفقات أوجها عام 2000 إذ صارت 1,5 ترليون دولار. أما في العام 2001 فقد تراجعت التدفقات بشكل حاد الى النصف وبلغت 736 مليارا. ويعود الجزء الرئيسي من هذه التدفقات الى البلدان المتطورة, اذ تصاعدت حصتها من 145 ملياراً بشكل متوسط خلال النصف الأول للتسعينات الى 1,227 ترليون عام 2000, وعادت لتتراجع الى 504 مليار دولار عام 2001, كما نما تدفق الاستثمارات الى البلدان النامية وبلغ 74 ملياراً دولار بشكل متوسط في النصف الأول من التسعينات, ليصل الى 237,9 مليارا عام 2000. وبلغ حجم التدفقات الاستثمارية الى بلدان شرق ووسط أوروبا 6 مليار دولار بشكل متوسط في النصف الأول للتسعينات ووصلت الى 26,5 مليار عام 2000 و27,2 مليار دولار في 2001. وفي العام 2000 بلغت حصة 10 دول من البلدان المتلقية 70% من الاستثمارات, بينما حصل 100 بلد على 1 % منها. كما بلغت حصة بعض البلدان (الولايات المتحدة, المانيا, بريطانيا وبلجيكا ) 60% من تدفق الاستثمارات في 2001.
وتلاحظ صورة التغير ذاتها في الصادرات من الإستثمارات المباشرة. فقد كان متوسط هذه الصادرات السنوي في النصف الأول للتسعينات 253,3 مليار دولار, ثم ارتفع الى 1,38 ترليون عام ,2000 وعاد لينخفض الى 620,7 مليار من عام 2001.
(الجدول رقم 3).
وبذلك يكون تدفق الإستثمارات الأجنبية المباشرة قد تراجع منذ 2001 بأكثر من 50
% كما تراجع تصديرها 55% وذلك في أعقاب أحداث 11 أيلول من ذلك العام, وهي حالة لم تشهدها منذ مطلع التسعينات. وكما يتوقع الخبراء من اليونكتاد فان بلداناً مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية قد تكون عرضة للميل ذاته في السنوات اللاحقة. ويقدم لنا الجدول(3) صورة عن نمو الناتج المحلي والإستثمارات الأجنبية والتجارة في العالم.

(جدول رقم 3)
الاستثمارات الأجنبية المباشرة والإنتاج الدولي

العناصر القيم بالأسعار الجارية معدل النمو السنوي %
1980 1990 2001 1986 1991 1996 2000 2001
أستيراد الإستثمارات الأجنبية
59 203 735 23,6 20 40,1 37,1 ­50,7
تصدير الإستثمارات الأجنبية
28 233 621 24,3 15,8 36,7 32,4 ­55,0
تراكم الإستثمارات في الداخل 734
1874 6846 15,6 9,1 17,9 22,2 9,4
تراكم الإستثمارات في الخارج 552
1721 6582 19,8 10,4 17,8 25,1 7,6
حجم الإندماجات والأحتواء
151 601 26,4 23 49 49,3 ­47
مبيعات الفروع الخارجية
2541 5479 18517 16,9 10,5 14,5 15,1 9,2
حجم انتاج الفروع الخارجية 594
1423 3495 18,8 6,7 12,9 33 8,3
الأصول الإجمالية للفروع الخارجية
1959 5957 24952 19,8 13,4 19 24,7 9,9
صادرات الفروع الخارجية 67
0 1169 2600 14,9 7,4 9,7 11,7 0,3
عمالة الفروع الخارجية
(بالآلاف) 17987 23860 53581 6,8 5,1 11,7 10,2 7,1
الناتج المحلي الإجمالي
10805 21672 31900 11,5 6,5 1,2 2,5 2
الرأسمال الأساسي المراكم
2285 4841 6680 13,9 5 1,3 3,3
المدفوعات لقاء براءات الإختراع
9 27 73 22,1 14,3 5,3 5,5
صادرات السلع والخدمات
2081 4375 7430 15,8 8,7 4,2 11,7 ­5,4

World investment report, 2001 U, N, N.Y. 2001

أما الجدولان 4 و5 فيقدمان لوحة عنالتغيرات في الإستثمارات الأجنبية المباشرة وحصص مجموعات البلدان في استيراد وتصدير هذه الإستثمارات.
جدول رقم
( 4)
تصدير واستيراد الإستثمارات المباشرة 1990ـ2001
(القيمة بملايين الدولارات)

السنة البلدان المتطورة البلدان النامية بلدان شرق ووسط اوروبا العالم
استيراد تصدير استيراد تصدير استيراد تصدير استيراد تصدير
1990­
2001 145 221 74,28 32 6 0,0275 225,3 253,3
1996 219.9 332,4 152,68 61,3 13,5 1,3 386,14 395
1997 267,9 395 191 74,8 19,1 4,2 478,08 474
1998 484.2 631,2 187,6 50,2 22,6 2,5 694,45 684
1999 837,76 966 225,14 73,6 25,36 2,5 1088 1042
2000 1227 1271 237,9 104,2 26,56 4 1491 1380
2001 504 580, 580,6 204,8 36,57 27,2 3,5 735,14 620,7

World investment report 2001 U.N., N.Y., 2001.p303-310.
Ibid 1997 .p.303

جدول رقم
(5)
توزع تدفقات الإستثمارات الأجنبية المباشرة على البلدان خلال1986­2001
(%)

المنطقة 1986­1990 1991­1992 1993­1998 1999­2000 2001
البلدان المتطورة 82,4 66,5 61,2 80 68,4
أوروبا الغربية 38,4 46 33,7 51,9 45,7
الإتحاد الأوروبي 36,2 45,3 32,1 50,2 43,9
اليابان 0,2 1,2 0,3 0,8 0,8
الولايات المتحدة 34,6 12,7 21,7 22,6 16.9
البلدان النامية 17,5 31,5 35,5 17,9 27,9
أفريقيا 1,8 2,2 1,8 0,8 2,3
أميركا اللاتينية 5 11,7 12,3 7,9 11,6
آسيا ومنطقة الهادئ 10,6 17,4 21,2 9,2 13,9
أوروبا الشرقية والوسطى 0,1 2,2 3,5 2 3,7
بلدان متطورة أخرى 0,4 1,1 0,6 0,4 0,5

World investment report, U, N. N.Y, 1996, p.4, .1997, p.4, 5,266

وإذا ما اخذنا بالإعتبار الإستثمارات الأجنبية المراكمة سنة بعد سنة خلال النصف الأول من التسعينات, لاتضح لنا الفارق الهائل بين ما راكمته البلدان المتطورة والبلدان النامية.

(جدول رقم6)
الإستثمارات الأجنبية المراكمة في النصف الأول للتسعينات
(سنويا مليار دولار)

السنة 1991 1992 1993 1994 1995 1996
الإجمالي 158.9 173.7 218 238.7 316.5 349.2
البلدان المتطورة 114.7 119.6 138.7 142.3 205.8 208.2
البلدان النامية 41.6 49.6 73 90.4 96.3 128.7
بما في ذلك الصين 4.3 11.1 27.5 33.7 35.8 42.3

World investment report 1997 U.N., N.Y., 1997 p. 303

( (جدول رقم 7)
نسبة الأستثمار الأجنبي المباشر الى الناتج المحلي 1980­2000

السنة 1980 1985 1990 1995 2000
العالم 4.6 6.5 8.3 10.1 20
الإقتصاديات المتطورة 4.8 6 8.3 9.1 17,1
بمافي ذلك :الإتحاد الأوروبي, 5.5 8.2 10.9 13.4 30,3
بريطانيا, 11.
7 14 22.3 28.5 30,5
ألمانيا, 4.5 6 7.4 6.9 24,1
الولايات المتحدة, 3.1 4.6 7.2 7.7 12,4
اليابان. 0.3 0.4 0.3 0.3 1,1
الإقتصاديات النامية: 4.2 8.1 7.7 15.4 30,9
­ أميركا اللاتينية 6.4 10.8 11.6 18.4 30,9
(البرازيل) 6.9 11.3 8.1 17.8 33,1
­ اسيا 3.5 7.3 7.3 14.2 31,6
­جنوب وشرق وجنوب شرق آسيا 3.8 6.5 8.7 15.1 31,6
وسط وشرق أوروبا ­ 0.1 1.3 4.9 18,9

المصدر كتاب ما العولمة, ص1
World investment report 2001 U, N. N, Y. 2001, p330-335

يؤكد الجدول رقم(7) الميل العام للتعولم في جميع مناطق العالم لكن الأرقام توضح الفارق الكبير في ما حققته المناطق والبلدان المختلفة في هذا المجال.
واذا ما اخذنا الإستثمارات الأجنبية المباشرة لعام 1996 لوجدنا انها تبلغ 3,1 ترليون دولار, منها 2.2 في البلدان الرأسمالية المتطورة و0.9 ترليون في البلدان النامية
(11). وقفزت الى6,5 ترليون عام 2001 وبقي توزعها على حاله تقريبا.

( جدول رقم8)
حجم الأستثمارات الأجنبيةلأعوام
(مليار دولار) 1980­2001

الإستثمارات في الخارج الإستثمارات الأجنبية في البلد
السنة
1980 1985 1995 2000 2001 1980 1985 1995 2000 2001
أميركا
220 251 699 1293 1381 83 185 535,5 1214 1321
كندا 23 36 11
8,2 227 245 52 59 123,2 201,6 201,
المانيا 43
60 258 470,5 513,8 37 37 193 449 481
بريطانيا
79 107 304 902 942,8 63 63 199,7 435,4 497
هولندا 4
0 50 309 309 320 20 25 116 243 284
فرنسا 1
4 19 258 432,66 515,4 16 20 191,4 257,8 310,4
ايطاليا
7 18 172,6 309,4 428,4 9 19 63,4 113 108
سويسرا 22 24 142,5 22
7,6 236,4 9 11 57 81,8 90
اليابان 20 44 3
8,5 278,4 300 3 5 33,5 50,3 50,3
البلدان النامية 22 3
5,4 271 751,6 776 245,8 344,4 485 2002 2181
العالم 52
1,4 692 2854 6086 6552 635,5 913 2911 6258 6845

World investment report 2001.U, N. N, Y, .2001p.310-317


 

جدول رقم9)
نسبة هذه الإستثمارات الى الناتج المحلي للبلدان 1980­2001

الإستثمارات في الخارج الإستثمارات الأجنبية في البلد
السنة 1980 1985 1995 2000 1980 1985 1995 2000
اميركا 7,9 5,7 9,5 13,2 1,6 2,1 9,5 4
كندا 8,9 12,3 20,3 32,4 20,4 18,4 21,1 28,8
ألمانيا 4,6 8,4 10,5 25,2 3,9 5,1 7,8 24,1
بريطانيا 15 22 26,5 63,2 11,8 14,1 17,6 30,5
هولندا 23,7 36,1 41,6 83,8 10,8 18,8 28 65,9
فرنسا 3,6 7,1 13,2 33,4 8,2 12,6 12,3 19,9
ايطاليا 1,6 3,9 8,8 16,8 2 4,5 5,8 10,5
سويسرا 20 26 46,4 95,1 7,9 10,4 18,6 34,2
اليابان 1,8 3,2 4,5 5,8 0,3 0,3 0,6 1,1
البلدان النامية 1,3 1,7 5,1 11,9 190,2 13,9 15,3 31
العالم 5,4 6,2 9,9 19,6 6,1 7,8 10 20

World investment report 2001.U, N. N, Y, .2001.p328-329


إن هذه المعطيات حول دينامية الإستثمارات الأجنبية المباشرة تفيد ان البلدان المتطورة هي الساحة الرئيسية لهذه الدينامية ان لجهة التصدير أو لجهة الإستيراد. وهذا يعني أنه كلما كان البلد متطورا
كلما كانت مساهمته في حركة الإستثمارات مرتفعة, وكلما كان البلد متأخرا إقتصاديا كلما تدنّت مساهمته فيها. ان المراكز الرأسمالية الثلاثة هي محور هذه الحركة. ففي سنة 1993 كانت الصورة على النحو التالي:


(جدول رقم 10)
بلد توظيف الرأسمال الأجنبي
(مليار دولار)

بلد منشأ الرأسمال أميركا الاتحاد الاوروبي اليابان المجموع
أميركا 232 31 263
الاتحاد الأوروبي 249
(339) 10 259
اليابان 96 25 122
المجموع 345 257 41

World investment report 1995.p.5.

من الواضح أن أميركا تستقبل اكثر مما تصدر من الإستثمارات وبالتالي لديها عجز في ميزان الإستثمارات الخارجية, بينما هذا التوازن قائم في اوروبا التي تبلغ استثماراتها المباشرة الإجمالية حوالي 400 مليار دولار. اما اليابان فإنها تمتاز بانغلاق نسبي في اقتصادها وبسياسة استثمارات توسعية في الخارج.
وامتازت التسعينات من القرن الماضي بنمو البلدان النامية على الإستثمارات الأجنبية المباشرة حيث بلغت حصتها 35
% و 44% سنة 1993 و1994 على التوالي ثم عادت وانخفضت الى22% في نهاية التسعينات وارتفعت الى 27,9% في 2001. لكن الكويت حصلت على نصف هذه المقادير تقريبا, وجاءت بعدها الصين. وعلى العموم كانت للبلدان النامية الاكثر نموا في الجانب الإقتصادي حصة الأسد خصوصا في جنوب وجنوب شرق آسيا (سنة 1996 بلغت حصتها 81 مليار دولار). اما حصة البلدان الأقل تطورا فكانت 11.6 مليار دولار.
إن نمو حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة يشهد على أن عددا
كبيرا من الشركات بما في ذلك في البلدان النامية توسع نشاطها في الاسواق الخارجية تحت تاثير بعض الحوافز وأهمها:
-­ الضغط التنافسي
-­ تحرير وفتح مجالات جديدة للتوظيف.
-­ تسهيل حركة السلع في الأسواق الخارجية.
-­ تطور التخصص الدولي
(التقسيم الدولي للعمل) والتعاون الإنتاجي.
-­ استخدام الطاقة التقنية ـالعلمية للبلدان الأخرى.
-­ استخدام اليد العاملة في البلدان الأجنبية.
-­ تامين استيراد الخامات والطاقة من الخارج.
-­ الإستخدام المربح للرأسمال الذي لا يستخدم بفعالية في بلد المنشأ.
-­ استخدام الإدخارات النقدية في البلدان الاخرى.
وتستخدم الشركات عمليات الإندماج والإستيعاب والشراء كنهج رئيسي لخلق الطاقات الإنتاجية في البلدان الاخرى من اجل الحفاظ على قدرتها التنافسية وتعزيزها. فقد نما حجم الصفقات في مجال الإندماج والشراء للشركات الضعيفة سنة 1995 وبلغ 230 مليار دولار, منها 135 ملياراً لشراء كتلة الأسهم الاساسية, وبلغت قيمة مثل هذه الصفقات 1,14 ترليون دولار سنة 2000 ثم انخفضت الى 594 مليارا في 2001, وفي الإتحاد الأوروبي وحده بلغت قيمة الإندماجات 66 مليار دولار و 50 ملياراً لشراء كتلة الاسهم الاساسية عام, 1995 ثم قفزت قيمة الإندماجات الى 586,5 مليارا في العام وتستخدم الشركات عمليات الإندماج والإستيعاب والشراء كنهج رئيسي لخلق الطاقات الإنتاجية في البلدان الاخرى من اجل الحفاظ على قدرتها التنافسية وتعزيزها. فقد نما حجم الصفقات في مجال الإندماج والشراء للشركات الضعيفة سنة 1995 وبلغ 230 مليار دولار, منها 135 ملياراً لشراء كتلة الأسهم الاساسية, وبلغت قيمة مثل هذه الصفقات 1,14 ترليون دولار سنة 2000 ثم انخفضت الى 594 مليارا في 2001, وفي الإتحاد الأوروبي وحده بلغت قيمة الإندماجات 66 مليار دولار و 50 ملياراً لشراء كتلة الاسهم الاساسية عام, 1995 ثم قفزت قيمة الإندماجات الى 586,5 مليارا في العام 2000 وتراجعت الى 213 مليارا في 2001.
وكان لظهور الإمكانات الإستثمارية الجديدة في مجال البنية التحتية من جراء تحرير هذا القطاع وطموح الحكومات للإستفادة من الشركات الأجنبية كمصدر للرساميل والتكنولوجيا, دور كبيرفي زيادة حجم الإستثمارات الاجنبية المباشرة. ففي التسعينات تم توظيف 7 مليارات دولار في قطاعات البنية التحتية ولا سيما الاتصالات.
لقد جرت تغيرات جوهرية خلال العقود الثلاثة المنصرمة في المناخ الإستثماري العالمي, واهمها ما يرتبط بتقليص العوائق التكنولوجية والسياسية تجاه انتقال السلع والخدمات والرأسمال والعمالة الماهرة. فالتقدم التكنولوجي سهّل حركة جميع هذه العوامل وبسّط حل مسائل تنظيم الشركات وإدارتها عن بعد. كما ان تحرير الحياة الإقتصادية يحفز تحقيق العديد من الإمكانيات الكامنة في التقدم التقني. كل هذا حوّل العديد من الشركات الى شركات عابرة ووسع حدود الانتاج الدولي. بل يمكن القول ان هذا الجانب في العولمة ولّد سباقا
محموما من اجل تقديم أفضل الشروط للإستثمارات الاجنبية لجهة التشريعات والبنية التحتية المتطورة وتخفيض الأجور والتقديمات الاجتماعية والحدّ من تدخل الدولة في الحياة الإقتصادية. من هنا فقد تبيّن ان ما يجذب الإستثمارات الاجنبية هو قدرة الإقتصاديات المختلفة على تحقيق اهداف هذه الاستثمارات, بكلام أخر, هو القدرة على توفير بيئة استثمارية جاذبة. ولذلك سوف يكون توزع هذه الاستثمارات متفاوتا كما تدل المعطيات المتوفرة, إن على صعيد المناطق العالمية او على صعيد البلدان داخل كل منطقة وهو ما تشهد عليه الجداول (5­ - 8­- 10)
في ضوء هذه المقاربة للإستثمارات الأجنبية المباشرة نستنتج بأن الشركات العابرة هي المصدر الرئيسي لهذه الإستثمارات وان وتائر نموها تجاوزت وتائر نمو التجارة والإنتاج الدوليين كما لاحظنا من الجدول رقم
(3) , وان البلدان المتطورة هي المحور الرئيسي لهذه الإستثمارات إن لجهة تصديرها أو لجهة تلقيهاحيث أصبحت هذه الإستثمارات تشكل نوعاً من الإقتصاد الثاني لهذه البلدان. ومع ذلك فإن جزءاً من هذه الإستثمارات يجد طريقه الى بعض البلدان النامية وخصوصاً الصناعية الناشئة, كما انها تخرج منها الى البلدان المتطورة. هذه المعطيات تؤشر الى تغيرات في ميول تطور الاقتصاد العالمي, نعتقد انها ستكون متواصلة ومتناقضة, دون ان يعني ذلك ان تحولاً, جذرياً قد جرى في بيئة الإنتاج العالمي. لكن تجاهل هذه الميول خاطئ هو ايضاً.

8
) عولمة التجارة
كانت المبادلات التجارية أول أشكال التفاعل بين الشعوب, حين حمل التجار سلعاً فريدة وجابوا بها البلدان طمعاً بالربح الزائد, وعادوا بسلع أخرى للغاية عينها. والتاريخ مليء بالأمثلة على نشؤ الرأسمال التجاري وتطور التجارة عبر العصور. لكن التجارة لم تحصل على بعدها العالمي الا مع سيادة النظام الرأسمالي. وهي اكتسبت بعداً عولمياً في مرحلتها الإحتكارية على أرضية عولمة حلقات الإنتاج المختلفة وأجزاء الرأسمال الوظيفية الأخرى من جهة, وبسبب الميل المتزايد نحو تخفيض العوائق التجارية من جهة أخرى.
قد نمت التجارة بالسلع في اواسط التسعينات بالمقارنة مع سنة 1950 حوالي 16 ضعفا
مقابل 5.5 اضعاف للناتج المحلي العالمي.
وخلال التسعينات وحدها نمت التجارة بخمسة أضعاف نمو الناتج العالمي. ونمت كذلك حصة الصادرات في الناتج العالمي من 7 الى 15
%. و يتضح ذلك من الجدول التالي:
قد نمت التجارة بالسلع في اواسط التسعينات بالمقارنة مع سنة 1950 حوالي 16 ضعفا
مقابل 5.5 اضعاف للناتج المحلي العالمي. وخلال التسعينات وحدها نمت التجارة بخمسة أضعاف نمو الناتج العالمي. ونمت كذلك حصة الصادرات في الناتج العالمي من 7 الى 15 %. و يتضح ذلك من الجدول التالي:

(جدول رقم 11)
تغير الناتج العالمي والتجارة
(%)

السنة 1994 1995 1996 1997 1998
الناتج المحلي لبلدان منظمة التعاون
والتطور الإقتصادي
(29 بلدا) 2,9 2,2 2,6 3 2,7
التجارة الدولية ­ 8,6 6,2 8,1 8
تجارة سلع الصناعة التحويلية ­ 9,9 6,5 8,5 8.3
صادرات بلدان المنظمة ­ 8,6 6,4 8,7 7.5

المصدر: المجمع الإقتصادي الخارجي في روسيا . موسكو 1997, ص 2,5

لقد ازداد دور التجارة كعامل مهم في النموالإقتصادي وفي خلق فرص العمل.لكن الإتجاه السائد في التجارة هو اتساعها بين البلدان المتطورة حيث نفقات الإنتاج متقاربة ونسبة السلع العالية التكنولوجيا تشكل الجزء الأساسي منها
(40%).
وترتبط التجارة الدولية حالياً بنشاط الشركات العابرة للقارات, حيث تلحظ نزعتان: الأولى هي نمو الإنتاج في فروع الشركات العابرة في الخارج بحيث يحل محل الصادرات الى البلدان التي تتمركز فيها هذه الفروع, والثانية هي ان هذه المشاريع تحفز التدفقات التجارية كنوع من العلاقات التجارية القطاعية بين الشركات وداخلها. الى ذلك يرتبط انتقال التجارة من بعدها الدولي الى بعدها العولمي بفقدان الشركات العابرة لأفضلية صلاتها بالسوق الوطنية وتوجهها الى تلبية المتطلبات العالمية. فالصناعة الالكترونية اليابانية والكورية الجنوبية مثلا
باتت تخضع أشكال السلع ومقاييسها ومواصفاتها لمتطلبات هذه السوق, مما يعطي فوائد جمة ناجمة عن أثر الحجم لهذه السوق, وهو امر بات التقدم التقني يسهّله.
وكما سنرى لاحقاً فإن الاقتصاد العالمي يعيش نزعتين: النزعة الى التعولم والنزعة الى الإقليمية أي تشكل المجمعات الإقتصادية الإقليمية بين الدول وأهمها اليوم الاتحاد الأوروبي وتجمع بلدان اتفاقية التجارة الحرة في شمالي أميركا­النافتا وبلدان منظمة التعاون الإقتصادي لشرق آسيا ومنطقة الهادئ.
إن هذه التجمعات الإقليمية هي نوع من الحلقات المتوسطة على الطريق الى العولمة الشاملة. وهي تمارس فعلها في هذا الاتجاه عبر كل مجالات النشاط الإقتصادي بما في ذلك عبر قناة التجارة الدولية. وتشير المعطيات الى ان حصة أوروبا الغربية من الصادرات العالمية قد ارتفعت من 33
% سنة 1950 الى 44% سنة 1980 والى 96% في مطلع التسعينات. وإذا ما اخذنا هذه المحطات التاريخية الثلاث فإن حصة أميركا الشمالية من الصادرات العالمية قد انخفضت من 22 % الى 16% بينما ارتفعت حصة شرق آسيا ومنطقة الهادئ من 17% الى 18% ومن ثم الى 25%, والمساهمة الإجمالية لهذه المناطق الثلاث ارتفعت من 73% سنة 1950 الى 86 % في مطلع التسعينات.و هو ما يوضحه الجدول رقم(10).

جدول رقم
(12)
التوزع الإقليمي للتجارة الدولية 1950­1991
(%)

السنة أوروبا أميركا منطقة المناطق بلدان
الغربية الشمالية آسيا الثلاثة العالم
والهادئ مجتمعة الأخرى
1950 33 22 17 73 27
1960 42 21 13 76 24
1970 45 19 13 78 22
1980 44 15 16 75 25
1990 46 16 23 85 15
1991 45 25 16 86 14

المصدر:
((UNCTAD handbook of international trade and development
statics
 N,Y,. 1992. S.241

لكن تجدر الإشارة الى ان نصف هذه المساهمة يتم داخل التجمعات الإقليمية, التي تطورت من 32
% سنة 1955 الى 48% في مطلع التسعينات(12). ولأن هذه المراكز تضم البلدان الصناعية, فان هذا الميل في التجارة العالمية ينطبق على التجارة بالسلع الصناعية, أي تركز التجارة بهذه السلع في التجمعات الإقليمية وفي ما بينها. وعليه فإن عولمة التجارة هي في الواقع اقل مما نتصور. وللتاكد من ذلك يفضل قياس هذه المؤثرات الى الناتج المحلي للمراكز المذكورة.
وتفيد المعطيات بأن نسبة صادرات السلع الى إجمالي الناتج المحلي لفرنسا بلغ في مطلع التسعينات, في المانيا 28
%, في اليابان9.1%, في بريطانيا 18%, وفي الولايات المتحدة 7.6%, اما في بعض البلدان النامية فإنها لم تتعد في الصين 1.7%, في الهند 7.4%, في اندونيسيا 17%, في كوريا الجنوبية 34.4%, في الأرجنتين 4.3%, في البرازيل 4.7%, في المكسيك 6,2, وفي العالم ككل بلغت نسبة الصادرات الى الناتج المحلي العالمي 13.5 %(13) .
اما ما يطال المبادلات التجارية بين البلدان المتطورة والبلدان النامية فقد بقيت متواضعة على الرغم من بعض النمو الذي شهدته في العقدين المنصرمين. فقد نمت واردات بلدان منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية
OECD ما بين 1970 و1992 من 6.4% الى 15.8% من مجموع ما تستورده بلدان هذه المنظمة من السلع المصنعة. وارتفعت حصة بلدان اوروبا في المنظمة من 2.7% الى 8.6% وارتفعت صادرات بلدان المنظمة الى هذه البلدان من 9.6 % الى 15.2% من اجمالي الصادرات الصناعية لبلدان المنظمة(14).

9
) العولمة المالية
إذا كانت الميول المتزايدة لعولمة الحياة الإقتصادية تترجم في اتساع الترابط والتشابك بين اقتصاديات العالم ووحداتها, والاعتماد المتبادل والتكامل, فإن هذه الميول تأخذ صورتها الواضحة أكثر من غيرها في العولمة المالية المتمثلة بعولمة الأسواق المالية, حيث يمكننا اليوم تتبع حركة البورصات العالمية والمتاجرة بمختلف أنواع الاوراق, والمنافسة المتزايدة بين المقرضين والمقترضين. ويصل البعض للقول ان العولمة المالية هي التي حولت العالم الى قرية كونية, على أرضية الإختراعات التكنولوجية في مجالات الإتصالات والمعلوماتية التي سهلت عمل هذه الاسواق, وعلى أرضية تحرير المجال المالي وإزالة العوائق القانونية امام حركة الرساميل. ويتجلى هذا الأمر في تداول مليارات الدولارات يومياً في البورصات العالمية التي تنقل بلحظات من مركز مالي الى مركز آخر مولدة الهزات والإنهيارات كما حدث في أواخر تسعينات القرن الماضي في شرق آسيا وروسيا والمكسيك. ويقدّر اليوم حجم الرساميل في البورصات بأكثر من 1.5 مليار دولار يوميا. ويخضع هذا الجانب من العولمة الإقتصادية كغيره من الجوانب الى كثير من المبالغة لجهة تعظيم مستوياته من جهة والتقليل من تأثيره من جهة اخرى. لكن المعطيات المتوفرة عن حركة الرساميل وعمل الاسواق المالية, الى جانب متطلبات عولمة الجوانب الاخرى في الحياة الإقتصادية, تشير الى أن العولمة المالية تكتسب ابعاداً متزايدة منذ منتصف القرن العشرين, محفزة عولمة الجوانب الأخرى ومتكاملة معها. فتطور القوى المنتجة على الصعيد العالمي يتطلّب تدفقات مالية متزايدة من مصادر وطنية وأجنبية. واذا كانت الشركات تعتمد حتى الآن في توسعها الانتاجي على التمويل الذاتي وعلى المصادر الوطنية فإن النقص في التمويل يعوض بخروج هذه الشركات الى اسواق المال العالمية. كما ان موجودات وموارد هذه المؤسسات والاسواق هي موارد وظفتها منظمات صناعية وتجارية ومؤسسات حكومية ومؤسسات استثمار وصناديق تقاعد وشركات مالية من مناطق مختلفة من العالم.

 

  عناوين أخرى

مهلاً للعولمة

1/4/2006  

الشأن الإداري

1/7/2011  

العلاقات الاستراتيجية الصينية - الروسية

1/4/2006  

إعلام غزة

1/7/2009  

التحصين بالأمن

1/10/2009  

للحرب طبل وللسّلام طبول

1/1/2010  

تطوير أداء الخدمات في لبنان - رؤية استراتيجية

1/7/2011  

لوحة الحدود

1/10/2011  

أصلح نفسك يصلح الكون

1/1/2012  

ثروة البرّ والبحر

1/4/2012  
Copyright © 1998 - 2013 جميع الحقوق محفوظة. الجيش اللبناني
تصميم قيادة الجيش اللبناني - مديرية التوجيه