- En
- Fr
- عربي
في المواجهة
في ظلّ تصاعد الأزمات الأمنية والإنسانية في لبنان، خصوصًا أزمة النزوح الواسعة الناتجة من العدوان الإسرائيلي، برزت هيئة إدارة مخاطر الكوارث والأزمات في الجيش اللبناني كإحدى الركائز الأساسية في تنظيم الاستجابة الوطنية لهذه الأزمة. ومن خلال متابعة عمل هذه الهيئة تتكشّف تفاصيل إدارة واحدة من أكثر العمليات الإنسانية والاجتماعية تعقيدًا، من الإيواء والإغاثة إلى الدعم الصحي والنفسي، والتنسيق مع مختلف الجهات الرسمية والدولية.
برز دور هيئة إدارة مخاطر الكوارث والأزمات باعتبارها الجهة العسكرية المتخصّصة المكلّفة التخطيط والتنسيق مع السلطات المدنية خلال مختلف مراحل الطوارئ الوطنية. أُنشئت هذه الهيئة بتاريخ 14 تموز 2022 وهي ترتبط مباشرة بقائد الجيش، ويمارس رئيسها صلاحيات قائد منطقة. وهي كانت في مرحلة البناء المؤسساتي التدريجي عندما وُضعت أمام اختبار ميداني واسع النطاق بعد تكليفها رسميًا، في الثالث من آذار 2026، بإدارة أزمة النزوح.
هذا التكليف لم يكن إجراءً تنظيميًا عاديًا، بل عَكَس إدراكًا واضحًا من قيادة الجيش بأنّ الأزمة تجاوزت قدرة آليات الاستجابة التقليدية، وبأنّ التعامل مع حركة نزوح بهذا الحجم يتطلّب جهازًا يمتلك مرونة تنظيمية، وقدرة على التنسيق بين الجهات الرسمية والعسكرية والمدنية، إضافة إلى سرعة في اتخاذ القرارات وإدارة الموارد. وهكذا تحوّلت الهيئة، خلال فترة قصيرة، من مشروع تنظيمي ناشئ إلى غرفة عمليات متكاملة تدير أزمة إنسانية معقّدة.
من التأسيس إلى توسّع الصلاحيات
منذ تأسيسها، أُنيطت بالهيئة مجموعة واسعة من المهام شملت تعزيز جهوزية الجيش في المراحل الثلاث لإدارة الكوارث، أي قبل الأزمة وفي أثنائها وبعدها، وتوحيد جهود القطع والوحدات العسكرية، إلى جانب تنسيق العمليات الميدانية، ووضع برامج تدريب متخصصة في إدارة الكوارث والأزمات، وتطوير آليات التعاون مع الوزارات والإدارات العامة والمنظمات المحلية والدولية.
كما تولّت الهيئة مهمة الحفاظ على قنوات اتصال تشغيلية مع مختلف أجهزة الاستجابة الوطنية والمنظّمات الإنسانية، والإشراف على تنفيذ خطط عمل سنوية تستند إلى تقييم مستمر للسيناريوهات المحتملة والموارد المتوافرة، فضلًا عن مراجعة خطط الاستجابة الوطنية وتحديثها بصورة دورية.
لكن ما كان مخططًا له كعملية بناء تدريجية تستمر حتى العام 2030، تحوّل بسرعة إلى عملية تشغيل كاملة تحت ضغط أزمة تتطلب استجابة سريعة وفاعلة. فمع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية واتّساع رقعة النزوح، اضطرت الهيئة إلى الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنفيذ الشامل خلال فترة زمنية قصيرة جدًا.
منصة رقمية لإدارة النزوح
يشرح رئيس الهيئة العميد المهندس طوني عبود أنّ التحدّي الأول مع بداية الأزمة، تمثّل في معرفة الحجم الحقيقي للنزوح وتحديد أماكن وجود العسكريين النازحين وعائلاتهم واحتياجاتهم الفعلية. ولذلك، عملت الهيئة على تطوير منصّة رقمية خاصة بأتمتة الإفادات الواردة من القطع والوحدات العسكرية. وقد أتاحت هذه المنصّة جمع البيانات بصورة يومية، وتدقيقها وتصحيح الأخطاء، ومتابعة حركة النزوح لحظة بلحظة، بما يوفّر صورة دقيقة عن حجم الأزمة وتطوّرها.
وبحسب المعطيات، بلغ عدد النازحين منذ اليوم الأول حوالى 5841 شخصًا من عسكريين وموظفين مدنيين، أي ما يعادل 1377 عائلة، قبل أن يرتفع تدريجيًا مع استمرار الاعتداءات ليصل إلى حوالى 55,804 نازحين، يمثلون نحو 14,490 عائلة. وقد فرض هذا الارتفاع السريع على الهيئة تحدّيات تنظيمية ولوجستية معقدة، خصوصًا أنّ حركة النزوح لم تكن ثابتة، بل اتّسمت بطابعٍ ديناميكي نتيجة انتقال العائلات المستمر بين مراكز الإيواء والمساكن الخاصة.
ولمعالجة هذه الإشكالية، أنشأت الهيئة نظام تحقُّق متعدد الطبقات يعتمد على تقارير الوحدات الميدانية، والتثبّت من الهوية، ومراكز الاتصال، إضافةً إلى التأكد من الحضور الفعلي داخل المراكز، بهدف الحفاظ على دقة البيانات وتفادي أي ازدواجية أو أخطاء في توزيع المساعدات والخدمات.
تنويع مراكز الإيواء
يؤكد العميد عبود أنّ الهيئة أدركت منذ الساعات الأولى أنّ الاعتماد على نوعٍ واحد من مراكز الإيواء لن يكون كافيًا لاستيعاب الأعداد المتزايدة من النازحين؛ لذلك، اعتمدت نظام إيواء مختلط يجمع بين المدارس الرسمية والمنشآت العسكرية والمساكن الخاصة. وبالتنسيق مع وحدة إدارة مخاطر الكوارث لدى رئاسة الحكومة ووزارة التربية والتعليم العالي، جرى تخصيص نحو 33 مدرسة رسمية في مختلف المناطق اللبنانية لاستقبال العسكريين وعائلاتهم.
كما أُعيد استخدام عدد من المنشآت العسكرية، من أندية وفنادق ومدارس ومراكز اجتماعية وترفيهية، كمراكز إيواء لعائلات العسكريين. وفي الوقت نفسه، لجأت فئة من العسكريين إلى استئجار مساكن خاصة أو الإقامة لدى الأقارب لأسباب اجتماعية أو عائلية أو مرتبطة بخصوصية السكن. ووفق توجيهات قيادة الجيش، مُنحت الأولوية في الإيواء للعسكريين في الخدمة الفعلية ولعائلاتهم وعلى العاتق. وقد بلغ عدد العائلات المقيمة داخل مراكز الإيواء العسكرية حوالى 739 عائلة تضم 3128 فردًا، إضافة إلى نحو 250 عائلة من عائلات الضباط.
من الإيواء إلى حماية الكرامة الإنسانية
وبحسب العميد عبود، سعت الهيئة إلى تحويل مراكز الإيواء إلى بيئات تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. ففي الأيام الأولى، وُضعت معايير تشغيلية دنيا تشمل تأمين السلامة الجسدية، والدفء، والغذاء، والنظافة، والخصوصية، ومنع التدهور الصحي والنفسي للنازحين. ورأت الهيئة أنّ الاستجابة الناجحة لا تقتصر على توفير «السقف والغطاء»، بل تقوم أيضًا على حماية الإنسان من الانهيار الاجتماعي والنفسي الناتج من ظروف النزوح الطويلة.
هذه المعايير شكّلت الأساس الذي بُنيت عليه لاحقًا برامج تحسين ظروف الإقامة داخل المراكز، خصوصًا المدارس الرسمية التي لم تكن مجهّزة أصلًا لاستقبال عائلاتٍ لفترات طويلة.
تحسين المدارس الرسمية وتحويلها إلى مراكز إيواء
مع تزايد أعداد المقيمين داخل المدارس الرسمية، بدأت الهيئة تنفيذ برنامج متكامل لتحسين الظروف المعيشية داخل هذه المراكز. وشمل البرنامج تركيب حمامات ومرافق صحية إضافية تتناسب مع أعداد المقيمين، وإنشاء وحدات غسيل، وتجهيز مطابخ جماعية، وتنظيم المساحات الداخلية بما يضمن الحد الأدنى من الخصوصية وحرية الحركة.
كما جرى تأمين الكهرباء والمولّدات والمحروقات اللازمة لتشغيلها، إضافة إلى أعمال صيانة وتجهيز هدفت إلى تحويل المدارس إلى مراكز قادرة على استيعاب الإقامة الطويلة نسبيًا. وقد أسهمت هذه الإجراءات في تحسين الظروف الصحية والنفسية للنازحين.
مركز شارل حلو: القلب اللوجستي للاستجابة
ويشير رئيس الهيئة إلى أنّه، في موازاة العمل على الإيواء، كان لا بد من إنشاء منظومة لوجستية قادرة على إدارة تدفّق المساعدات وتوزيعها بصورةٍ عادلة ومنظّمة. ولهذه الغاية، تم اعتماد محطة شارل حلو مركزًا لوجستيًا مركزيًا للتخزين تمرّ عبره جميع المساعدات الواردة قبل توزيعها ميدانيًا.
ويعمل المركز وفق ثلاث مراحل مترابطة: استقبال المساعدات وتسجيلها، ثم فرزها وتصنيفها وفحصها، وأخيرًا إعادة توزيعها استنادًا إلى بيانات دقيقة مرتبطة باحتياجات كل مركز وعدد المقيمين فيه. كما طوّرت الهيئة برنامجًا رقميًا خاصًا بإدارة المخزون وتتبّع عمليات التوزيع، ضمن سياسة وصفتها بـ «صفر تسرّب»، بحيث تُسجّل كل مادة تدخل المنظومة، وتُتابع إلكترونيًا حتى نقطة التسليم النهائية. وتهدف هذه السياسة إلى ضمان الشفافية الكاملة وحماية حقوق الجهات المانحة ومنع أي هدر أو ازدواجية في التوزيع.
توزيع المساعدات الأساسية
باشرت الهيئة منذ الأيام الأولى توزيع مواد الإغاثة الأساسية على جميع المراكز وفق معايير موحّدة، شملت هذه المواد الفرش والبطانيات والشراشف والوسائد. ورغم حجم الجهود المبذولة، كان العمل في أيار المنصرم مستمرًا لتأمين نحو 35 ألف وحدة إضافية من معدات النوم، خصوصًا للعائلات المقيمة خارج مراكز الإيواء الرسمية. كما وُزّعت مجموعات نظافة شخصية تحتوي على الصابون والشامبو ومعجون الأسنان والفوط الصحية وغيرها من المستلزمات الأساسية، إضافة إلى مواد تنظيف وتعقيم للمرافق المشتركة.
الغذاء والوجبات اليومية
على المستوى الغذائي، نسّقت الهيئة مع وزارة الشؤون الاجتماعية والجمعيات الأهلية والمنظّمات غير الحكومية لتأمين ثلاث وجبات يومية للنازحين داخل مراكز الإيواء من دون انقطاع منذ بداية الأزمة. كما جرى توزيع حصص غذائية دورية تحتوي على مواد أساسية لدعم العائلات وتخفيف الضغط المالي عنها. وفي ظل وجود حوالى 13 ألف عائلة نازحة في مساكن خاصة، بدأت الهيئة العمل على توسيع برنامج السلل الغذائية ليشمل هذه الفئة التي يصعب تغطيتها عبر النظام المركزي للوجبات.
برنامج تغذية الأطفال
ويلفت العميد المهندس طوني عبود إلى أنّ الهيئة أولت اهتمامًا خاصًا بالأطفال باعتبارهم الفئة الأكثر هشاشة في ظروف النزوح. ولهذا الغرض، أُطلق برنامج تغذية متخصّص موزّع على ثلاث فئات عمرية: من الولادة حتى ستة أشهر، ومن ستة إلى اثني عشر شهرًا، ومن سنة إلى ثلاث سنوات. ويشمل البرنامج الحليب الصناعي، وأغذية الفطام، والمكمّلات الغذائية، والمتابعة التغذوية، إضافة إلى الإرشاد الصحي والنفسي للأمهات. كما يتضمّن البرنامج نشاطات دعم نفسي اجتماعي وتحفيز مبكر للأطفال الصغار، بهدف الحد من الآثار النفسية الناتجة عن ظروف النزوح وعدم الاستقرار.
الاستجابة الصحية والطبية
بالتنسيق مع الطبابة العسكرية، أنشأت الهيئة نظام استجابة صحية متكاملًا يقوم على ثلاثة مستويات: الأول يعتمد على الفحوص الطبية الأسبوعية المنتظمة داخل جميع مراكز الإيواء للكشف المبكر عن الأمراض والمخاطر الصحية. أما المستوى الثاني، فيشمل التدخّل الميداني المباشر عبر مراقبة النظافة البيئية، ومكافحة الحشرات والقوارض، وتقديم العلاج للحالات البسيطة والمتوسطة داخل المراكز. في حين خُصّص المستوى الثالث للحالات التي تتطلّب رعاية متقدمة من خلال مسار إحالة منظّم إلى المستشفيات العسكرية. وقد سمح هذا النظام بضمان عدم ترك أيّ حالة صحية من دون متابعة أو علاج، مع الحفاظ على رقابة صحّية مستمرة داخل المراكز.
الدعم النفسي والاجتماعي
منذ البداية أدركت الهيئة أنّ آثار النزوح لا تقتصر على الجوانب المادية، بل تشمل أيضًا الضغوط النفسية والاجتماعية. لذلك، تعمل بالتعاون مع الطبابة العسكرية ومنظّمات دولية مثل المنظّمة الدولية للهجرة IOM ومركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن DCAF على تطوير برامج دعمٍ نفسي واجتماعي تشمل فحوص اضطراب ما بعد الصدمة PTSD، وجلسات دعم فردية وجماعية، إضافةً إلى برامج لتعزيز التماسك الاجتماعي والقدرة على التكيف. كما تخطط الهيئة لتوسيع هذه البرامج لتشمل العاملين في الاستجابة أنفسهم بعد انتهاء الأزمة، نظرًا إلى الضغوط النفسية والتشغيلية التي تحمّلوها خلال الأشهر الماضية.
تنسيق وطني متعدد الجهات
لم تعمل الهيئة بمعزل عن باقي مؤسسات الدولة، بل ضمن إطار تنسيقي وطني متكامل يقوم على توزيع الأدوار والتكامل بين الجهات الرسمية والعسكرية والمدنية.
فقد أدّت وزارة التربية والتعليم العالي دورًا أساسيًا عبر توفير المدارس الرسمية كمراكز إيواء. أما وزارة الشؤون الاجتماعية، فأسهمت في تنسيق البرامج الاجتماعية ومنع ازدواجية الخدمات، فيما شكّلت وحدة إدارة مخاطر الكوارث لدى رئاسة الحكومة DRMU حلقة الوصل بين الهيئة والمنظومة الوطنية لإدارة الكوارث، خصوصًا في ملفَي المحروقات والمياه.
المحروقات والمياه
في المرحلة الأولى من الأزمة، تولّى الجيش تأمين المحروقات اللازمة لتشغيل المولدات وأنظمة التدفئة من مخزونه الاحتياطي، إضافة إلى تأمين مياه الشرب والمياه الصحية عبر وسائله الذاتية. ومع انتقال الأزمة من مرحلة الطوارئ القصوى إلى مرحلة التشغيل المستدام، أُنشئت آلية تنسيق رسمية مع وزارة الطاقة والمياه عبر DRMU لتأمين هذه الاحتياجات بصورة ٍدورية ومنظّمة. ووفق الهيئة، لم يُسجّل أي انقطاع في المحروقات أو الكهرباء طوال فترة الاستجابة، سواء خلال مرحلة الاعتماد على الموارد الذاتية للجيش أو بعد الانتقال إلى التنسيق المؤسساتي.
التمويل ومصادر الدعم
اعتمد تمويل الاستجابة على مجموعة متكاملة من المصادر، كان أبرزها الموارد الذاتية للجيش التي شكّلت العمود الفقري للمرحلة الأولى. وشمل ذلك استخدام المنشآت العسكرية، وتأمين المحروقات والمياه، وتوظيف عدد كبير من العسكريين في مهام الإدارة والتوزيع والحماية والنقل واللوجستيات. كما صدرت قرارات بتقديم مساعدات مالية لمرة واحدة للعائلات المتضرّرة، إلى جانب مساهمات الوزارات والتبرّعات المحلية والدولية. وقد أُديرت جميع هذه المساعدات عبر المنظومة الرقمية الخاصة بالهيئة، التي تتيح تسجيل المساعدات وتتبّعها من المصدر حتى المستفيد النهائي.
الشفافية والمساءلة
حرصت الهيئة على اعتماد معايير مرتفعة من الشفافية والمساءلة، من خلال توثيق كل عمليات توزيع المخزون وتحديثه بصورة يومية. كما تحتفظ بسجلٍ مفصّل لجميع الجهات المانحة، تمهيدًا لإصدار تقرير علني بعد انتهاء الأزمة يتضمّن تفاصيل المساعدات وكيفية استخدامها. وترى الهيئة أنّ بناء الثقة مع المانحين يشكّل شرطًا أساسيًا لاستمرار الدعم وتوسيعه، خصوصًا في ظل الفجوة القائمة بين حجم الاحتياجات وحجم الاستجابة الفعلية.
تقييم الاستجابة والإنجازات المحقّقة
يعتبر العميد عبود أنّ الهيئة نجحت في استيعاب ما يقارب 56 ألف نازح ضمن منظومة إيواء منظمة، وتأمين الغذاء والخدمات الصحية والنفسية والمياه والكهرباء بشكلٍ متواصل. كما نجحت في إنشاء سلسلة إمداد مركزية خاضعة للرقابة، وبناء منظومات رقمية للرصد والشفافية والمساءلة خلال فترة زمنية قصيرة. وقد أطلقت الهيئة أيضًا برامج متخصصة لحماية الفئات الأكثر ضعفًا، من نساء وأطفال ومسنّين وذوي احتياجات خاصة.
أما على المستوى الأمني، فقد جرى تأمين الحماية العسكرية داخل مراكز الإيواء على مدار الساعة، مع متابعة ميدانية مستمرة عبر لجان إدارة الكوارث الموجودة في المناطق العسكرية.
التحديات والفجوات القائمة
رغم هذه الإنجازات، تعترف الهيئة بأنّ الأزمة تتجاوز قدرات أيّ جهة واحدة، وأنّ تحدّيات كبيرة تبقى قائمة؛ فحجم التمويل المتوافر ما زال محدودًا مقارنة بالاحتياجات، كما أنّ استجابة بعض الجهات المانحة تبقى دون المستوى المطلوب. كذلك، فإنّ تغطية النازحين المقيمين في مساكن خاصة بحاجةٍ إلى توسيع، سواء من خلال برامج الغذاء أو الدعم الصحي والنفسي أو مواد الإغاثة.
أما على المستوى التقني، فتشكّل المحافظة على دقة البيانات تحدّيًا دائمًا في ظل الحركة المستمرة للنازحين والتنقل بين المراكز والمساكن. وترى الهيئة أنّ نجاح إدارة الأزمات لا يعني غياب الفجوات، بل القدرة على تحديدها بشفافية ووضع خطط تدريجية لمعالجتها.
الاستعداد لتفاقم الأزمة
ويؤكد العميد عبود أنّ الهيئة تعمل، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي والأمني، وفق مبدأ استباق الأزمات لا انتظارها. ولهذا الغرض، تواصل إعداد سيناريوهات وخطط طوارئ للتعامل مع أي موجات نزوح إضافية، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع في القرى الحدودية وتراجع البنى التحتية الوطنية. وتشمل هذه السيناريوهات تقدير أعداد النازحين المحتملة، وتحديد مراكز إيواء إضافية، وحساب الاحتياجات اللوجستية لكل مرحلة، وتطوير مسارات تنسيق إضافية مع الشركاء المحليين والدوليين.
كما تستند الهيئة إلى إطار استراتيجي يحمل اسم PRSM يقوم على مراحل الاستعداد والاستجابة والاستقرار والتخفيف والتعافي، ما يمنحها مرونة في التعامل مع تطورات الأزمة.
ومع تحوّل الأزمة تدريجيًا من حالة طوارئ إلى أزمة مستدامة، بدأت الهيئة التفكير بحلولٍ سكنية طويلة الأمد للعائلات التي فقدت مساكنها الأساسية. ويقوم المشروع على تخصيص وحدة سكنية لكل عائلة لفترة زمنية محددة مرتبطة بخطط التعافي والعودة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من معايير السكن اللائق. وترى الهيئة أنّ استمرار الاعتماد على الإيواء الجماعي لفترات طويلة يفرض ضغوطًا اجتماعية ونفسية متزايدة، ما يجعل الانتقال إلى حلول أكثر استقرارًا ضرورة تشغيلية وإنسانية في آن واحد.
نحو نموذج وطني لإدارة الكوارث
تكشف تجربة هيئة إدارة مخاطر الكوارث والأزمات عن محاولةٍ لبناء نموذج استجابة وطنيٍّ قائم على التنظيم والرقابة والتنسيق بين المؤسسات العسكرية والمدنية؛ ففي وقت كانت فيه البلاد تواجه أزمة اقتصادية خانقة وتراجعًا في قدرات الدولة، استطاعت الهيئة خلال فترة قصيرة بناء منظومة تشغيلية لإدارة نزوح شمل عشرات الآلاف من الأشخاص، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لهم.
ومع أن الفجوات ما زالت قائمة، سواء على مستوى التمويل أو التغطية أو الموارد، إلا أنّ التجربة أظهرت قدرة المؤسسة العسكرية على الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى بناء آليات أكثر استدامة وتنظيمًا. كما أظهرت أنّ إدارة الكوارث لا تقتصر على تقديم المساعدات، بل تشمل أيضًا بناء الثقة، وحماية الكرامة الإنسانية، وتطوير أنظمةٍ شفافة قادرة على الاستمرار والتوسّع في مواجهة أزمات قد تكون أكثر تعقيدًا في المستقبل.











