معالم في بلادي

البيت اللبناني للصورة في عمشيت
إعداد: جان دارك أبي ياغي

الكاميرا تشارك في كتابة التاريخ

 

بين البيوتات التراثية القديمة، وبين شوارع عمشيت الضيّقة، يقع البيت اللبناني للصورة في قلب أقبية من الحضارات تعود لعائلة القاضي مخايل لحود، وعلى مرمى حجر من كنيسة السيدة حامية الحجر والبشر.
يصعب للوهلة الأولى اكتشاف مبنى البيت الذي يقودك اليه درج تجتازه نزولاً عبر بوابة من الحديد.
مجلة «الجيش» زارت البيت وغاصت في عالم الصورة والحضارات.

 

الصورة تاريخ
يهدف البيت اللبناني للصورة الى أرشفة الصورة اللبنانية على أنواعها تمهيداً لجمعها في كتب، وإفساحاً في المجال أمام الطلاب للاطلاع عليها والاستفادة منها في أبحاثهم ومشاريعهم، «محافظاً بذلك على مبدأ تاريخي، فالصورة لا تكذب، وهي تاريخ يمكن الاستناد اليه لرسم تاريخ لبنان والإنسان والأحداث... خصوصاً أنها تُعنى بمواضيع مختلفة»، كما قال الفنان بسام لحود. كما يسعى البيت اللبناني للصورة الى التعاون مع المؤسسات الإعلامية والفنية والمتاحف في هذا المجال من أجل تطوير فن الصورة ونشره. ويعمد الى جمع صور قديمة من أبناء الضيع بحيث يحتفظ ببعضها، وينسخ بعضها الآخر ليستردها أصحابها. أما رصيده الحالي من الصور فأرشيف يعود الى منتصف القرن التاسع عشر وما بعد.
يمكن لهواة التصوير الذين يرغبون ممارسة هوايتهم في أحضان البيت الفنية والحضارية أن يلجأوا الى هذا المكان في عملية تحدٍ بين الصورة والذات، ويستقبل البيت اللبناني أيضاً صوراً من أشخاص، محافظاً على حق ملكيتهم لها، ذاكراً أسماءهم ومصدر الصورة.

 

مداخل تحكي الإنسان والرسم والفن
أول خطوة لدخول عالم الفن والحضارات مدخل البيت الذي يشكّل لوحة زيتية توحي بالخلق والنحت والرسم. فأبوابه المصنوعة من الحديد المشغول (Fer Forgé)، مزينة برسوم للطبيعة والمدينة والبحر والشمس. أما بوابات مداخله الفرعية (المصنوعة أيضاً من الحديد المشغول)، فلوحات فنية تمثل «آدم وحواء»، «الخير والشر» للفنان بول سليمان.
خلف البوابات أقبية مظلمة جهّزت بإضاءة ملائمة تكشف جمال هندستها المعمارية، وأخرى مضاءة تجذبك بقوة نورها.

 

نفق الذكريات
يحتل البيت اللبناني للصورة قسماً مهماً من المركز الأثري المعروف بمحترف بيل (Atelier Bel) الذي تأسس العام 1988، وهو يمتد على مساحة 800 متر فيها نماذج من 13 حضارة تعاقبت بين القرن الثالث والقرن العشرين وتمثل الأديان السماوية الثلاثة.
المهندس وأستاذ مادة التصوير في الجامعة اللبنانية الأميركية بسام لحود الذي رافقنا في جولتنا، أوضح أن المركز ملك لعائلته، ومدرج على لائحة المديرية العامة للآثار. وقد ولدت فكرة إنشاء بيت الصورة فيه سنة 1998 خلال معرض أقيم فيه للفنان بول زغيب حضره رئيس البيت الأوروبي للصورة هنري شابييه، فكان هذا البيت تيمناً بالبيت الأوروبي للصورة.
وعن أهمية المكان بطابعه الأثري الذي يشكّل إطاراً فنياً للبيت اللبناني للصورة، قال لحود: «إن تعدد الحضارات في هذا المكان يقابله تعدد الحقبات التي مرّت بها الصورة الفوتوغرافية». وهذا بالفعل ما عبّر عنه أحد زوّار معرض «من الأب والابن» عندما قال: «أشعر وكأنني أتنقل في نفق الذكريات». وبما أن الصورة هي ذكرى لحظة معينة، فإن البناء الذي يضم البيت يمثل ذكرى حضارية معينة. من هنا، يتابع المهندس لحود: «عندما أتنقل في أرجاء هذا المكان، أجد نفسي أتنقل من حجر الى آخر كما من صورة الى أخرى وكأنني أبنيه من جديد بأرشيف من الصور».

 
الصورة والهندسة
عن علاقة الصورة بالهندسة المعمارية قال: «بدأت بترميم هذا المكان من حوالى عشرين سنة (ولم أزل)، وذلك بتمويل وجهد خاص بأغلبيته، وقد كان للمصور الفوتوغرافي تأثير قوي جداً على عمل المهندس المعماري. فالمصور في أثناء التقاطه للصورة «يبصبص» من خلال فتحات الكاميرا الصغيرة التي تنقلك الى عالم الخيال، هكذا هي فتحات هذا المكان العديدة تجعل الزائر «يبصبص» أيضاً بنظراته من دون أن يدري».
وأكملنا الجولة برفقة بسام لحود فتوقفنا أمام زاوية تجمع مجموعة من الفخار والزجاجيات والقطع الفنية القديمة وأواني الزيت وعدّة الفلاحة وغيرها... جمعها لحود من مختلف أنحاء العالم (مصر، أوستراليا، البرازيل وجزر الموريس)، فضلاً عن قطع لبنانية الصنع وجدها في المكان نفسه. وفي إحدى الزوايا المقابلة حفرة في الصخر كان يصلّي فيها المسيحيون في الحقبة الرومانية، ومكان آخر كان كنيساً لليهود الذين سكنوا عمشيت سنة 760 تقريباً، وفيه ايضاً مدافن لهم، إضافة الى وجود بئر تعود الى القرن الثامن تقريباً كانت تروي بلدة عمشيت. وفيه أيضاً، محترف للهندسة وآخر للتصوير يحوي العدّة الكاملة لتظهير الصور وتكبيرها.
يسعى لحود الى توفير التجهيزات الفنية والتقنية كي يكون البيت اللبناني للصورة جاهزاً لاستقبال الزوّار بشكل دائم، إذ تحصل الزيارات حالياً بناءً على موعد مسبق. يبقى أن نشير الى أن اللجنة المسؤولة تتألف من 14 عضواً يتعاملون مع عدد كبير من المؤسسات الثقافية والرسمية، وهم بحاجة الى دعم أكبر وموازنة أكبر لتحقيق المزيد، واللجنة بصدد تحضير كتاب صور عن حرب تموز 2006 وآخر لصور قديمة عن بلدة عمشيت، وكتاب «من الأب والابن» وفيه أرشيف صور التقطها الراحل القاضي ميخايل لحود وابنه بسام.

 

النور والصورة
قبل أن نغادر آخر محطة في البيت اللبناني للصورة يودعنا لحود متحدثاً عن العلاقة بين النور والصورة والفن المعماري، علاقة يراها شبيهة بسرد قصة «غياب الشمس» في شهري كانون الأول والثاني من وراء نافذة: «أنتظر غياب الشمس في هذه الفترة من السنة وهي تتحوّل في ساعاتها الأخيرة من اللون الأصفر الى البرتقالي فالأحمر لترتسم مدفأة طبيعية للحظات أبدية تدفئ القلب بنورها الوهّاج».


وقفات واستضافات
استضاف البيت اللبناني للصورة ثلاثة معارض فنية منها:
• معرض للفنان بول زغيب العام 1998 بمناسبة شهر الصورة.
• معرض لبسام لحود بمناسبة القمة الفرنكوفونية التي انعقدت في لبنان العام 2001، وضمّ 220 صورة للتراث اللبناني من أرشيفه الخاص والذي يعود الى 40 سنة خلت (ما بين 1961 و2001) وكان بعنوان «Instantanées» وقد ترجمها الشاعر هنري زغيب الى «هنيهات».
• معرض «من الأب والابن» العام 2004 لأرشيف القاضي الراحل ميخائيل لحود وابنه بسام لحود الذي استعمل آلات التصوير نفسها التي اعتمدها والده بين الثلاثينيات والسبعينيات، ومعظمها عن بلدة عمشيت وناسها لتسليط الضوء على علاقة التاريخ بالصورة.
يذكر أن لحود شارك في عدة معارض أقيمت في لبنان والخارج. منها:«لبنان 2000»، «بيروت روح مدينة»، «رحلة الى لبنان».


تصوير:راشيل تابت