قضايا إقليمية

العوامل النفسية في القرار السياسي للعدو الإسرائيلي
إعداد: إحسان مرتضى

يتساءل العديد من الباحثين والمراقبين المعنيين بشؤون الشرق الأوسط، عن مبررات «خوف إسرائيل من السلام» وفتور حماستها للتصالح مع الفلسطينيين بشكلٍ خاص وسائر العرب بشكلٍ عام، وترددها في الإقدام على مبادرة سلمية حقيقية، وتجاهلها لجميع عروض التسوية المقدمة إليها عربيًا، أو التي تضمنتها القرارات الدولية المعروفة المنبثقة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي منذ العام ١٩٤٨ وحتى الآن.


بعد التأمل والتمحيص يتبين أنّ هذا الموقف السلبي يعود إلى ما هو أبعد من الرؤية المبدئية السياسية ليصل إلى جذور الأمن النفسي الاستراتيجي المفقود في مجتمع استيطاني يبحث عن هويته العقيدية (من هو اليهودي؟) وهويته الجيوسياسية التي تعاني حالات اهتزاز قوية ومستمرة. وهذه الحالات هي نتيجة الفعل الاستيطاني الإسرائيلي المتواصل والأطماع التوسعية من ناحية، وردات الفعل عليه بالمقاومة والانتفاضة وتشكيل شبكات الوقاية السياسية والعسكرية والجغرافية لدى الطرف العربي المعتدى عليه من ناحية أخرى. ولقد وصفت الأمم المتحدة في أكثر من قرار لها إسرائيل بأنّها دولة عنصرية وغير محبة للسلام، الأمر الذي يتجلى في تحديها الدائم للإرادة الدولية والقانون الدولي، وفي إهدار كل فرص السلام التي أُتيحت لها، وفي عدم تبنّي أي تصور لأي شكل من أشكال العلاقة السليمة أو الودية مع الإنسان العربي في المنطقة، ما عدا علاقة الكراهية والإجلاء والابتزاز والاستعلاء والقتل. وهذه الحقيقة تنطبق على قوى اليمين واليسار والوسط في كيان العدو على حد سواء. والعربي الجيد في نظر هؤلاء هو فقط «العربي الميت».

 

مسلسل الخيبات
في هذا السياق يقول كارمي غيلون رئيس الشاباك (الأمن العام) الأسبق، الذي أقالته لجنة شمغار إثر اغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحق رابين (١٩٩٥)، في كتابه الشهير «الشاباك بين التمزقات»: «إن المرافقين من الوحدة الخاصة الذين ينبغي عليهم أن يحموا بأجسادهم وبحياتهم إذا دعت الحاجة رئيس الحكومة، قد تحولوا إلى أوغاد جبناء». واعتبر غيلون «أنّ الفشل الذي حصل كان فشلًا موضوعيًا وليس فشلًا في الأسلوب». وأضاف: «إنّ أحدًا من الحراس لم يشهر مسدسًا لقتل مطلق النار. لقد تدربوا سنوات لمواجهة هذه اللحظة، وعندما أزفت تجمدوا مكانهم وتمكن القاتل عمير من إطلاق ثلاث رصاصات متتالية، وبالتالي فعدم موت عمير هو بمثابة فشل تنفيذي لوحدة الحماية لا يقل خزيًا عن الفشل بمنع الاغتيال».
هذا المشهد وملابساته هو واحد من مسلسل طويل من مشاهد الخيبات والتهرب من أداء الواجب وطلب السلامة الشخصية الذي يجتاح هيكلية المجتمعَين العسكري والمدني الإسرائيليين. وقد استخلص الكاتب الإنكليزي باتريك سيل من ظاهرة الخوف وعدم الرغبة في القتال لدى الجنود الإسرائيليين نتيجة استراتيجية بالغة الأهمية مفادها أنّ أمن إسرائيل الاستراتيجي لم يعد يعتمد بالضرورة على احتلال الأراضي العربية بشكلٍ عام، وبخاصةٍ إذا كانت هذه الأراضي مأهولة بسكانٍ يرفضون الاستكانة للاحتلال وسلبياته، وبالتالي فضرورة التراجع والانسحاب الجغرافي أو التبادل الجغرافي هنا تصبح اضطرارًا أمنيًا لا ضرورة سلمية سياسية.
لقد كشفت عدة دراسات إسرائيلية في مجال التداعيات النفسية للحروب وتأثيراتها السياسية، نشرتها مجلات علمية متخصصة وأسهم فيها خبراء نفسيون أنّ ٢٥٪ من العسكريين الذين خدموا في حروب ضد لبنان وغزة قد أظهروا عوارض نفسية عُصابية مرضية وأُصيبوا بانهياراتٍ نفسية تسمى «عُصاب الحرب» S.T.P. وتبين أنّ هذه العوارض بدأت تظهر على قسم كبير منهم بعد إنهائهم الخدمة العسكرية بستة أشهر أو سنة. ومن هذه العوارض الاجترار الذهني للحدث الصادم أو الواقعة التي حصلت مع العسكري مع إمكان معايشتها خياليًا والشعور الوجداني بكل الاضطرابات الناجمة عنها (أعراض اجتماعية وعائلية وانعزال عن الأصدقاء وباقي أفراد العائلة)، فضلًا عن ظهور أمراض عضوية نفس - جسدية (قلب، ضغط، سكري...)، وأخيرًا عوارض وسواسية قهرية متكررة. وتدخل هذه العوارض إجمالًا في إطار تصنيف الحالة المرضية الناجمة عن صدمة الحرب، وقد نجم عنها زيادة موجات العنف والإجرام داخل المجتمع الإسرائيلي. واللافت أنّ الجنود الإسرائيليين بدوا أكثر هشاشة وتعرضًا لهذه العوارض من بقية الجنود في أوضاع مماثلة في بلدان أخرى.

 

صراع وتضارب
ومن أبرز ما أوردته تقارير الخبراء النفسيين الإسرائيليين بالنسبة إلى الوحدات القتالية الميدانية ما ذكر عن احتدام الصراع والتضارب في فكر هؤلاء ما بين أيديولوجيا الحرب ومتطلباتها، وأيديولوجيا السياسة ومتطلباتها. فالأولى تولّد في نفسية كل جندي ضرورة وشرعية الدفاع عن الحدود وعن الوجود في آن معًا مهما غلت التضحيات، والثانية مبنية على حسابات شخصية ومصالح سياسية وحزبية تصب في تعزيز سلطة أصحابها وتجعل من الجنود أكباش فداء أو أشبه بقطع شطرنج يمكن نقلها استنسابيًا أو اعتباطيًا حسبما تدعو حاجة القيادات. وقد أدى هذا التناقض ما بين أيديولوجيا الحرب ومتطلباتها وأطماع رجال السياسة واحتياجاتهم وطموحاتهم الشخصية إلى احتجاجات شعبية أجبرت بعض الحكومات الإسرائيلية على الانسحاب من قسم من لبنان ومن قطاع غزة تباعًا بعد تظاهرات ضخمة نظمتها حركات المجتمع المدني الإسرائيلي. وهذا يدل على أنّ عمل المقاومة لم يقتصر فقط على محاربة الجنود الإسرائيليين ميدانيًا بل إنّه تحول إلى رسالة موجهة لوجدان وروح هذا المجتمع الاستيطاني العدواني وصميم معنوياته، مما جعله يفقد العمق الاستراتيجي النفسي المتمثل في القدرة على الصبر والتحمل والإيثار وحب التضحية، كما جعلته يفهم عبر الخسائر الكبيرة والمتلاحقة عبثية العدوان وحتمية ضرورة الانسحاب والتنازل والحلول السياسية.
بتعبيرٍ آخر، إنّ إسرائيل من زاوية المناعة النفسية، كانت تستمد اطمئنانها وأمن مواطنيها من خلال تفجير فائض قدرتها على العدوان والفتك والتدمير ساعة تشاء، فتغطي عجزها الموضوعي بوحشيتها، وهذا ما يفسر هوس التسلح المجنون الذي لا ينتهي لديها، مثلما يفسر أيضًا عنادها وتكبرها وأخطاءها وخطاياها الاستراتيجية العسكرية والسياسية. وفي هذا المجال يقول إفرايم عنبار المدير الأسبق لمركز بيغن- السادات للدراسات الاستراتيجية «إنّ مشكلة إسرائيل الاستراتيجية في المرحلة الراهنة على خطّي السلم والحرب إنما تكمن في التحولات النفسية والمعنوية والثقافية العميقة التي تجتاح الأجيال الجديدة من الإسرائيليين الذين باتت همومهم الفردية وفي أحسن الأحوال مصالحهم القطاعية، في رأس اهتماماتهم»، وبخاصةٍ بعد أكثر من سبعة عقود من الاستنزاف وعدم الاستقرار وفقدان بوصلة الأمل. ويضيف : «في بعض حالات النزاع الطويل، يتعب المقاتلون من النزاع، وحصيلة الصراع لا يحددها فقط تفوق القوة العسكرية، ولكن أيضًا الدأب والمثابرة والقدرة على التحمّل».

 

ما الذي سنجنيه؟
على ضوء ما تقدم، بوسعنا أن نعتبر أنّ الطروحات والمناورات السلمية الإسرائيلية، التي يلوح بعض معالمها بصورةٍ استنسابية وتكتيكية بين حين وآخر، مع بعض الدول العربية هنا وهناك، لا تعبّر في الواقع عن رغبة إسرائيل في السلام، وإنما ترمي في الحقيقة إلى إيجاد حل لمعاناتها الذاتية من جراء إدراكها العميق لفقدانها العمق الاستراتيجي الجغرافي والنفسي والاجتماعي. ومن شأنها فقط أن تخفف من خطر التهديدات المصيرية القائمة التي قد تنشأ في المستقبل على أمنها ومصالحها. ومن أجل ذلك، عبّر رئيس حكومة العدو الأسبق إيهود باراك عن واقع المجتمع الإسرائيلي المنهك إذ قال: «سوف نهزم الفلسطينيين والسوريين. وسيقع لديهم عشرة أضعاف الضحايا الذين سيسقطون لدينا. لكن وقبل التدهور إلى هذا الوضع يجب أن نسأل: ما الذي سنجنيه من ذلك؟ لقد قلنا إنّنا لن نقضي على الفلسطينيين ولا على سوريا. فماذا سيحدث؟ سندفن قتلانا في نهاية الحرب وسيدفنون قتلاهم الذين يزيدون بعشرة أضعاف، وبعد ماذا سنفعل حينها؟ سوف نجلس على طاولة المفاوضات للتباحث. وحول ماذا سنتباحث؟ حول الأمور ذاتها التي نتباحث حولها الآن».