رسالة الإستقلال

رئيس الجمهورية من راشيا:أين نحن من الروح الميثاقية التأسيسية والولاء الكامل للوطن؟

دعا اللبنانيين إلى التزام الثوابت الوطنية ونهج الحوار والمنطق والاعتدال

 

علينا جميعًا مسؤولية البحث عن الأسباب التي تعوق عمل المؤسسات وتفقد الناس ثقتهم بالدولة وببعضهم البعض

 

دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان اللبنانيين إلى التزام الثوابت الوطنية الضامنة استقرار لبنان وعزته وازدهاره، وتحييد أنفسهم عن كل ما من شأنه أن يؤثر سلبًا على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.
وفي الكلمة التي وجهها من قلعة راشيا بمناسبة الذكرى الثامنة والستين للاستقلال، أكد الرئيس سليمان أن واقعنا الحالي يضع علينا جميعًا مسؤولية مضاعفة.
في ما يلي نص الكلمة.

 

«أيّها اللبنانيّات واللبنانيون
أخاطبكم هذا العام من راشيا، من قلعة الاستقلال، لنستذكر معًا الإرادة الوطنيّة الجامعة التي صنعته، والمبادئ الميثاقيّة التي لم يكن لينشأ هذا الاستقلال ويحيا بدونها.
من بين مراحل النضال المتعددة، منذ إعلان دولة لبنان الكبير العام 1920 وصولاً الى انتخاب الشيخ بشارة الخوري رئيسًا للجمهوريّة اللبنانيّة بتاريخ 23 أيلول 1943، وقيام مجلس النواب بتاريخ 8 تشرين الثاني من العام نفسه بإلغاء ما كان يتضمّنه الدستور من مواد مقيّدة، اعتبرت المرحلة الممتدة من الحادي عشر من تشرين الثاني 1943، يوم اعتقال رجال الاستقلال في سجن هذه القلعة بالذات، ولغاية الثاني والعشرين منه، يوم إطلاق سراحهم، مرحلة العبور إلى الاستقلال اللبناني بشكله النهائي والمعترف به، وأدّت لاعتماد الحكومة اللبنانيّة الثاني والعشرين من تشرين الثاني من كلّ عام، «عيدًا رسميًّا لذكرى الاستقلال».
وكانت قد تبلورت وسادت في حينه، سعيًا لقيام وطن لبنانيّ مستقلّ، معادلة جديدة قائمة على شعار «لا شرق ولا غرب»، «لا حماية ولا وحدة»؛ وهي معادلة جعلت معظم القوى السياسيّة تجنح نحو الاعتدال ومنطق الحوار السياسي الذي نادى به رجال الاستقلال.
والواقع أنّ الإضراب العام وموجة التظاهر والاحتجاج التي عمّت مختلف مناطق لبنان وطوائفه وفئاته، بعيد اعتقال رئيس الجمهوريّة بشارة الخوري ورئيس الوزراء رياض الصلح والوزراء كميل شمعون وعادل عسيران وسليم تقلا والنائب عبد الحميد كرامي، لم تكن مجرّد مظاهر تأييد للمعتقلين كأشخاص، بل جاءت لتعبّر عن تعلّق الشعب بخيارات هؤلاء القادة، ونهجهم، وبصيغة العيش المشترك التي آمنوا بها وعملوا من أجلها.
رجال الاستقلال قطعوا العهد على أنفسهم، بالمحافظة على «الميثاق الوطني»، بصفته دعامة رئيسة من دعائم هذا الاستقلال، وعنصرًا مكوّنًا للهويّة اللبنانيّة.
والرئيس فؤاد شهاب من بعدهم، عاد ليؤكّد في خطاب القسم الذي ألقاه أمام المجلس النيابي، بتاريخ 23 أيلول 1958، بعد نهوض لبنان من كبوته الأولى:
«إنّ الدعامة الكبرى لاستقلال لبنان تبقى في ميثاقنا الوطني، في وحدة صفوفنا، في اعتمادنا على أنفسنا، وفي ولائنا الكامل غير المشروط ولا المجتزأ لوطننا لبنان». فأين نحن اليوم من هذه الروح الميثاقيّة التأسيسيّة، ومن الولاء الكامل وغير المجتزأ للوطن، ومن مسيرة بناء دعائم الاستقلال؟

 

أيّها اللبنانيّات واللبنانيون
من أبرز شروط الاستقلال التحرّر من أيّ احتلال أو انتداب أو وصاية، وفرض السيادة الشاملة والحصريّة للدولة ومؤسساتها على كامل أراضيها، والتزام استقلاليّة القرار السياسي الوطني، بعيدًا من أيّ تدخّل أو ضغط خارجيّ، ونجاح الدولة في إدارة الشأن العام بقدراتها الذاتيّة، من خلال مؤسسات ونظام ديمقراطي يحفظ الأمن والحريات وحقوق الإنسان، ويقيم العدل، ويسمح بالتداول الدوري للسلطة كنتيجة حتمية للديموقراطية.
 ومن شروط الاستقلال كذلك، تحقيق العدالة الاجتماعيّة والنموّ الاقتصادي والتنمية البشريّة المستدامة، ومحاربة الفقر والعوز والمرض، وتوفير الحاجات الأساسيّة للمواطنين من ماء وكهرباء وطبابة واستشفاء وتعليم ونقل عام وبيئة نظيفة وغذاء سليم.
والواقع الحالي يشير إلى أنّها المرة الأولى منذ العام 1975 التي لم يشهد فيها لبنان، لأكثر من ثلاث سنوات متتالية، حالة اقتتال داخلي، أو حربًا عدوانيّة إسرائيليّة عليه، أو وجودًا لقوات عسكريّة عدوّة أو شقيقة على أراضيه، ما عدا الحاجة التي ما زالت قائمة الى وجود قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان، سعيًا إلى تنفيذ كامل مندرجات القرار 1701، بالتنسيق والتعاون مع الجيش اللبناني، الساهر على صيانة السلم الأهلي، ومحاربة الإرهاب، وحماية الديمقراطيّة، وهو المؤسسة التي تنعكس فيها الوحدة الوطنيّة بأبهى صورها.
خلال هذه الفترة أقمنا علاقات دبلوماسيّة ناجزة بين لبنان وسوريا طبعت تاريخ العلاقة بين البلدين؛ وتمّ احترام الاستحقاقات الدستوريّة من طريق إجراء انتخابات بلديّة ونيابيّة أتّسمت بالشفافية والهدوء.
وباشرت الحكومة منذ الآن بمناقشة مشروع قانون جديد للانتخاب يضمن صحّة التمثيل للشرائح كافة وللمرأة بصورة جوهرية، ويسمح بعمليّة انتخابيّة حرّة ونزيهة بعيدًا من أيّ ترغيب غير مشروع أو تهديد، ويعبّر بصورة أفضل عن الميثاقيّة الدستوريّة وينسجم مع روح الطائف.
كما باشرت مناقشة مشروع قانون استعادة الجنسيّة، وانطلقت مرحلة إيجاد الحلول لمشكلتي الكهرباء والمياه، وتمّ إقرار قانون النفط والغاز وتحديد المناطق البحريّة، تمهيدًا لإصدار المراسيم التطبيقيّة والمباشرة بعمليّات التنقيب.
كما تمّ إقرار مشروع قانون دستوري يمنع الجمع بين النيابة وتولّي الوزارة.
أعلم أيّها اللبنانيون أنّ كلّ ذلك لا يبدّد مخاوفكم وقلقكم على المستقبل والمصير.
أعلم أنّكم قلقون من عدم تمكّن الدولة والمؤسسات من الاضطلاع بكامل مسؤوليّاتها على مساحة الوطن، ومن مخاطر الفتنة والاحتكام إلى السلاح في ظرف من الظروف، ومن النوايا الإسرائيليّة المبيّتة، ومن صعوبة تنفيذ القانون وفرضه، في ظلّ تسلّط أصحاب النفوذ، واستشراء الفساد وطغيان منطق المحاصصة والمحسوبيّات، ومن التأخّر في تنفيذ المشاريع التي بشّرت بها البيانات الوزاريّة للحكومات المتعاقبة، خصوصًا وأنّ عمليّة تشكيل حكومات ثلاث، خلال السنوات الثلاث الماضية، استغرقت أكثر من اثني عشر شهرًا، وعطّلت التجاذبات السياسيّة العمل الحكومي لأشهر عديدة أخرى.
إلا أنّ هذا الواقع المرير يجب ألا يشكّل عامل إحباط أو يأس أو تسليم باستحالة الإصلاح والتقدّم؛ ونحن شعب عرف بشجاعته وبحيويته الفكريّة والسياسيّة؛
بل يضع علينا جميعًا مسؤوليّة مضاعفة، كحكومة ومجلس نيابيّ وقوى حيّة وقادة فكر ورأي، للبحث في الأسباب الحقيقيّة التي تعوق عمل المؤسسات وتفقد ثقة الناس بالدولة وببعضهم البعض، وهل هي بنيويّة تستوجب تعديلاً في النظام، أم ناتجة عن سوء ممارسة وأداء يستوجب التطوير والتحسين، او عن الاثنين معًا.
والإجابة عن هذه التساؤلات الجوهريّة تستلزم بحدّ ذاتها ورشة حوار شامل وعميق على مساحة الوطن، داخل المؤسسات، وضمن الأطر البحثيّة المناسبة؛ وذلك بقطع النظر عن الجدل الظرفيّ القائم حول الجدوى من إعادة تفعيل هيئة الحوار الوطني، التي ما زلت أرى فائدة جمّة في استئناف أعمالها في أقرب الآجال.
وبانتظار ذلك، حريّ بنا المضيّ قدمًا في عمليّة تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني في جميع بنودها، وصولاً، في ضوء التجربة، إلى الدولة المدنيّة الجامعة، دولة المواطنة التي تطمح إليها أجيالنا الطالعة، من ضمن الروح الميثاقيّة نفسها التي أوجدت الاستقلال.
كما يجدر بنا عدم التباطؤ في تنفيذ ما سبق لنا أن اتفقنا عليه في مؤتمر الحوار الوطني، وبخاصة ما يتعلّق منه بالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها، تدعيمًا للسيادة والاستقلال والاستقرار، إضافةً إلى واجب التزام قرارات الشرعيّة الدوليّة، بما فيها تلك المتعلّقة بالمحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان وذلك توخيًا للعدالة والحقيقة المجردة وحفاظًا على صدقيتنا وليس خشية من عقوبات يلوّح بها.
كذلك يفترض المنطق والحاجة الى تأمين حسن سير عمل المؤسسات، السعي بشكلٍ حثيث لتوضيح الإشكاليّات والثغرات الدستـوريّة، التي أظهرت التجربة مدى إعاقتها، لا بل تعطيلها لعمل الدولة على أكثر من صعيد.

 

أبناء بلادي الأعزّاء
لقد بدت راشيا العام 1943 وما زالت، رمزًا من رموز العيش الواحد الأبيّ الكريم؛ وهذا مثال يحتذى، ومدعاة اعتزاز وأمل.
أغتنمها مناسبة من هذا الموقع بالذات، كي أوجّه عناية المسؤولين المعنيين إلى أهميّة الإسراع بحسم خياراتهم بشأن مضامين مشروع القانون الخاص باللامركزيّة الإداريّة، الذي يعمل على إعداده بشكل حثيث، وذلك تمهيدًا لمناقشته وإقراره؛ وأنتم تعلمون أهميّة هذا المشروع لتحقيق التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة في المناطق، وخلق فرص عمل، وربط اللبنانيين وأبنائهم، بأرضهم وجذورهم، وأنا أتحسّس توق شاباتنا وشباننا إلى التقدّم، وأعرف طاقاتهم واستعدادهم للمشاركة والبذل والعطاء.

 

أيّها اللبنانيّات واللبنانيون
في الوقت الذي لا تزال فيه إسرائيل تحتلّ أجزاء من أراضينا في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من قرية الغجر، وتتمادى في خروقاتها وتهديداتها، فإنّ الجميع يعون أهميّة توحيد مجمل قدراتنا الوطنيّة المقاومة والرادعة، والاحتفاظ بحقّنا في تحرير هذه الأراضي أو استرجاعها بالطرق المتاحة والمشروعة، وهي قدرات تصونها وتحميها قبل كلّ شيء وحدتنا الوطنيّة وتماسك جبهتنا الداخليّة.
وإذ يظهر اللبنانيون مقدرة على مواكبة التطوّرات الإقليميّة المشوبة بالعنف، بكثير من الحكمة والوعي، حرصًا على أمنهم واستقرارهم، المحصّن بالدستور والميثاق الوطني وبآليّات وتوازنات نظامهم الديمقراطي، فإنّهم على التزامهم، كما دائمًا، كلّ إصلاح منفتح على الحريّة والديمقراطيّة والحداثة، وكلّ قضيّة عربية عادلة، وعلى رأسها قضيّة فلسطين، التي دافع عنها لبنان هذا العام، من موقع عضويته ورئاسته لمجلس الأمن الدولي، مؤكدًا دوره ومكانته الخاصة بين الأمم، كحاملِ رسالة تعايش وتضامن وإخاء.
وفي مواجهة التعنّت الإسرائيلي، والمعوقات التي ما زالت تحول دون تمكّن الدول العربيّة والشعب الفلسطيني من استعادة كامل حقوقهم وأراضيهم المحتلة، تبرز الحاجة إلى مضاعفة الجهد والعمل، على الصعيدين العربي والدولي، من أجل خلق الظروف الضاغطة اللازمة لتحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط، على قاعدة قرارات الشرعيّة الدوليّة ومرجعيّة مؤتمر مدريد والمبادرة العربيّة للسلام، بعيدًا من أيّ شكلٍ من أشكال التوطين الذي يرفضه لبنان ولن يقبل به تحت أيّ ظرف من الظروف.
لا يسعنا في هذه الذكرى الوطنيّة الغالية إلا أن نتوجه إلى اللبنانيين المنتشرين في جميع بلدان العالم وإلى المتحدّرين منهم، لتهنئتهم في عيد الوطن الأمّ، ولنطمئنهم بأنّ لبنان يحفظهم في قلبه ويحرص على إنجاز ما يرضي تطلعاتهم وأمنياتهم في الاتصال والوحدة والتمازج بين الثقافات، ولنعاهدهم على أننا لن نهمل قضاياهم، وأن نسهر على تحقيق مقاصدهم في الحريّة والتفاهم والانفتاح والسيادة وعلى إشراك الراغبين منهم في الحياة السياسيّة اللبنانيّة، ونشجعهم على الالتفات دائمًا ناحية وطن الآباء والأجداد والمحافظة على هويتهم وتراثهم وعلى الاستثمار فيه.
وهم كانوا وما زالوا، حيث أقاموا، روّاد حوار ونهضة وعمران وروافد خير لإخوانهم المقيمين.

 

أيّها اللبنانيّات واللبنانيون
رسالتي إليكم، أن لا تحيدوا عن الثوابت الوطنيّة الضامنة لاستقرار لبنان وعزّته وازدهاره؛ وأن تحيدوا أنفسكم عن كلّ ما من شأنه أن يؤثّر سلبًا على الوحدة الوطنيّة والسلم الأهلي وأحلامكم المشروعة بغد هانئ وآمن وواعد؛ ملتزمين دومًا نهج الحوار والمنطق والاعتدال.
ولنهتف معًا في هذه الذكرى المجيدة:
نعم للاستقلال،
نعم للعيش المشترك،
نعم للحريّة والعدالة الاجتماعيّة،
نعم للعروبة المستنيرة المنفتحة على الديمقراطيّة والحداثة وحقوق الإنسان،
نعم للدولة الجامعة والعادلة والقادرة،
نعم للبنان.

عشتم عاش لبنان»