مواسم وخيرات

على المائدة وفي الأدوية ومستحضرات التجميل
إعداد: د. حسين حمود
الجامعة اللبنانية- كلية الزراعة

الصبّار: مواسم لبنان تفتك بها حشرة وتكاد تقضي على معظمها

 

حشرة المنّ القطني والمعروفة بـ«الحشرة القرمزية» أو «البطليموس»، مصدرها إسرائيل، هي تفتك بأشجار الصبّار منذ ثلاث سنوات، مسبّبة يباس حوالى 90% منها في بعض مناطق الجنوب.
وفي ظل لامبالاة وغياب كلّي للأجهزة المعنيّة، تبدو هذه النبتة التي لا تحصى فوائدها ولا تعدّ، مهدّدة بالزوال.

 

النبتة وخصائصها
يعيش الصبّار بمختلف أنواعه في البيئة الصحراوية (المناطق الحارة الجافة) وفي الغابات الإستوائية، ويضرب به المثل في تحمّل العطش والجفاف ولو استمر لسنوات عديدة. تتميّز أوراق الصبّار بأنها سميكة، عريضة، كثيفة ولحميّة، خضراء اللون وتغطّيها الأشواك. أمّا سيقان الصبّار فتكون قصيرة خلال السنوات الأولى من النمو لتعود وترتفع نحو متر أو أكثر بعد عدّة سنوات.


هناك أكثر من مئتي نوع من الصبّار تتباين من حيث الحجم والشكل، لكن معظمها يتميّز بالقدرة على الاحتفاظ بالماء، وبقشرة شمعية تمنع الماء من التبخّر. وللصبّار جذور طويلة جدًا تستطيع أن تمتصّ كميّات كبيرة من المياه بعد سقوط أمطار غزيرة.
وينتج الصبّار أزهارًا بيضاء أو صفراء أو حمراء اللون، تجذب بألوانها ورائحتها الزاهية الحشرات والطيور التي بتغذيتها تنقل حبوب اللقاح.

 

تركيبة الصبّار وأهميته الغذائية
تحتوي ثمار الصبّار على 90% من الماء وعلى 12.8% من السكّر وعلى أحماض التفّاح والبكتين والتانين، وفيه 1% من المواد البروتينيّة، إضافة إلى الفوسفور وفيتامينات  A  وC. تتميّز أشجاره بأهميّة بيئية بالغة، حيث يختبىء داخلها الكثير من الطيور والحيوانات.
كذلك تعدّ نباتات الصبّار مصدرًا لغذاء الإنسان، فإلى ثمارها اللذيذة يمكن طهو الأقراص والسيقان بعد نزع الأشواك عنها. ويتميّز نبات الصبّار عن النباتات الأخرى بأنه إقتصادي لا يحتاج إلى زراعة ولا ماء ولا رعاية خاصة وهو يؤمّن عائدًا إقتصاديًا هامًا من دون أي تكلفة تذكر. وما يزيد من أهميّته، تنوّع مجالات استخدامه في الطب والتجميل والزراعة والصناعة. ففي مجال الطب، يستخدم الصبّار لتسكين آلام المفاصل من خلال وضع عصارته مباشرةً على المناطق المصابة حيث يمتصّها الجلد بشكل فعّال. كذلك يستعمل للقضاء على التجاعيد بفضل غناه بعنصري الزنك وفيتامين C، وأيضًا لمعالجة أوجاع الصدر وأمراض المعدة، وتستخدم عصارة الصبّار لعلاج اللثّة الملتهبة وقروح الأنف والفم ولمعالجة حروق الجلد. كذلك يستخدم الصبّار في مستحضرات التجميل كمرطّب للجلد ومقوٍّ لبصيلات الشعر، ويدخل في تركيب المساحيق والصابون. أمّا في القطاع الزراعي فيستخدم الصبّار في التسميد مع الآزوت والفوسفور والبوتاسيوم، ويؤدي دورًا بيئيًا وإقتصاديًا هامًا في مكافحة التعرية والحد من التصحّر، كما يستخدم في صناعة الغذاء والنسيج.

 

الحشرة التي تفتك بالصبّار
للعام الثالث على التوالي تتعرّض أشجار الصبّار في معظم مناطق الجنوب اللبناني لهجمة من حشرة المن القطني من دون تحقيق أي تقدّم على صعيد السيطرة عليها أو الحدّ من انتشارها. ويوضح المهندس الزراعي محسن جفّال أن حشرة المن القطني (البطليموس أو الحشرة القرمزية) تنتشر بسرعة كبيرة في الجذوع والأقراص والثمار وتتسبّب بهلاك النبات إذا لم تتم السيطرة عليها في مرحلة مبكرة من انتشارها. تغرز هذه الحشرة خرطومها بسهولة في أقراص الصبّار وتمتص عصارته، ما يؤدي إلى جفاف الأقراص ومن ثمّ إلى تلف الشجرة بكاملها وموتها. أمّا بالنسبة الى مصدر هذه الحشرة، فمن المؤكّد تقريبًا أنه الأراضي المحتلّة في فلسطين.
قضت حشرة المن القطني على معظم أشجار الصبّار في الجنوب حتى خلت منه بعض القرى. وانتشر ما سمي بطاعون الصبّار بشكل خاص في قرى قضاء بنت جبيل حيث انقرضت أشجار الصبّار بعد يباسها.  ويؤكد ممثل وزارة الزراعة في بنت جبيل حسين السقا أن هذه الحشرة بدأت غزوها لأشجار قبل ثلاث سنوات في منطقة النبطية وانتقلت سريعًا إلى بنت جبيل ومرجعيون، يساعدها في ذلك عوامل التغيّر المناخي وبشكل خاص ارتفاع درجات الحرارة وعدم تساقط الثلوج وحدوث الصقيع الكفيل بالقضاء على هذه الآفة الخطيرة. من ناحية أخرى يرى المهندس سليم مراد أن انتشار العدوى بهذه السرعة يعود إلى انقراض العدو الطبيعي للحشرة القرمزية، وهو من عائلة الدبابير ولكن حجمه أصغر بكثير من الدبّور الذي نعرفه.

 

الأضرار الاقتصادية
تعتبر عبّا، عدشيت، جبشيت، كفررمّان وحاروف أكثر البلدات زراعة للصبّار، بيد أن المساحة تقلّصت في السنوات الماضية بنسبة 40%. ولفت مصدر في وزارة الزراعة إلى أن نسبة خسارة المواسم تجاوزت الـ40% وهي مرشّحة للتصاعد. بدوره يقول رئيس بلدية عبّا المهندس إبراهيم قاووق إن أكثر من 90% من أشجار الصبّار في منطقة النبطية يبست بفعل الحشرة القرمزية، علمًا أنّ الإنتاج السنوي للبلدة كان يقدر بمئات الأطنان. كذلك غزت حشرة المن القطني حاصبيا والعرقوب وبدأت تجتاح يومًا بعد يوم حقول الصبّار في جميع الأراضي اللبنانية.

 

مكافحة حشرة المن القطني
تعتمد وزارة الزراعة على مبيد الزيت المعدني للقضاء على هذه الحشرة، لكن المهندس سليم مراد يشير إلى وجود أكثر من مبيد لمكافحتها، شرط استخدامها على نحو متكرّر وفي أوقات محدّدة وعلى نطاق شامل وملزم لجميع المزارعين. ويؤكد المهندس غيث معلوف أنه يمكن مكافحة هذه الحشرة لكن المزارعين لم يعتادوا على رش الصبّار بالأدوية، وهذا الأمر يحتاج إلى برنامج توعية تتولاه مراكز وزارة الزراعة.

أمّا رئيس مصلحة الزراعة في النبطية المهندس هادي مكّي، فقد لفت إلى أن المصلحة وزّعت كمّيات من الزيت المعدني المقاوم لهذه الحشرة على البلديات، التي بدورها وزّعتها على مزارعي الصبّار. لكن الإصابة كبيرة وتتطلّب مكافحة شاملة، وفق ما يرى المهندس محمد علي أحمد. واستخدام الأدوية اللازمة مع الزيت المعدني الفعّال، لم يعط النتائج المطلوبة خلال الأعوام الثلاثة الماضية بسبب الأخطاء التي ارتكبها المزارعون، بحسب المهندس محمد الأخرس، إذ أنّه من المفترض البدء بمكافحة الحشرة القرمزية قبل نضوج ثمار الصبّار من خلال الرش المصحوب بضغط ماء قوي، وبعدها يعاد الرش بعد أسبوعين بطريقة التبخير.
إلى ذلك، هناك مجموعة من الأسباب التي ساهمت في إفشال مكافحة الحشرة، أهمّها:

- غياب أي دور لوزارة الزراعة أو الجمعيات المعنية باستثناء بعض البلديات التي ساعدت المزارعين في مكافحة  هذه الآفة، لكن من دون اعتماد الطرق العلمية الآيلة إلى القضاء عليها بشكل كلي.

- اعتماد المكافحة الفردية التي لا يمكن أن تعطي نتيجة فعّالة.

- الإعتماد على الأدوية الكيميائية التي لا تكفي لوحدها بل ينبغي العمل على استيراد الأعداء الطبيعيين للحشرة، وهذا قد يكون الحل الأمثل.