محطات

عودة الأب!
إعداد: العقيد دانيال الحداد
مديرية التوجيه

وأعود إلى صرح الرجولة والمعرفة من جديد، لكنْ هذه المرّة، ليس بداعي تنفيذ مهمة ما، أو بقصد زيارة عزيزٍ من رفاق السلاح، بل كأب مثل سائر الآباء، تعصف به مشاعر الأبوّة، ويتحرق شوقاً للقاء ولده الحبيب، الذي كان قد غادره قبل أسبوع للالتحاق بالمدرسة الحربية.
لا الزمن هو دافع الشوق لأنه قصير، ولا المكان لأنه داخل الوطن وقريب. فالسبب أبعد من ذلك وأعمق. هو أشبه بشعور «الطائر الأم»، حين يصلب عود صغارها، وتكتسي أجنحتها بالريش، فتبرح عشها الأبوي إلى الفضاء الطلق، خاضعة لسلطان التغيير، راضخة لمشيئة الحياة.
إنه شعور ينبع من تهيب المرء صراع مراحل العمر، الذي يعادل صفراً في مسيرة الزمن اللامتناهية، وأخيراً وليس آخراً، هو مزيجٌ من الأمل والعطاء والتضحية، المتجسد في تلبية الشجرة قوة الاستمرار، حين تبذل أوراقها لتجني الزهر، وتبذل الزهر لتجني الثمر، على الرغم من أنها ستؤول إلى النار في يومٍ من الأيام.
الآباء والأمهات والأخوة والأخوات، تقاطروا إلى المدرسة من مختلف مناطق الوطن وعائلاته، واحتشدوا عند المدخل الخارجي ينتظرون لحظة اللقاء، وفي حوزتهم زاد مما لذّ وطاب من الطعام، إكراماً لأحبائهم الذين سيهجرون مائدة المنزل لفترة طويلة، أمّا التلامذة فقد اجتمعوا صفوفاً متراصة في الجهة المقابلة، وأنظارهم تصول وتجول، علّها تلتقط وجه قريب بين الجموع.
ما هي إلاّ دقائق معدودات، حتى يدخل الجميع إلى فناء المدرسة، ويختلط الأحبة في مشهدٍ مؤثّر، يلفه العناق وتغمره الدموع، دموع الفرح والحزن في آن واحد.
تتوزع الجموع على الساحات، عائلات عائلات، ويجلسون في الأماكن التي هيأتها قيادة المدرسة بشكلٍ متقن ومدروس، بما يليق بالزائرين الضيوف.
 يبدأ مشوار الزيارة باطمئنان الأهل إلى صحة الأبناء وأمورهم، وفي المقابل يطمئّن الأبناء إلى أوضاع أفراد العائلة وأحوال الأصدقاء، ثم يتشعب الحديث ويطول... ولكم كانت دهشتي كبيرة حين بادرني ولدي بالتحية قائلاً «احترامي سيادة العقيد» ولم يتجرأ على عناقي إلاّ عندما اتخذت أولاً زمام المبادرة.
مبعث الدهشة، كان قدرة ولدي على التأقلم مع الحياة العسكرية خلال أسبوع واحد، وطي صفحات الماضي بكلّ ما فيها من الدلع والسطحية واللامبالاة، لكن سرعان ما يخبو هذا الإحساس، وأنا أرجع بالذاكرة إلى بداية مشواري العسكري، واستعرض مشاهد تلك الفترة، التي لا تزال راسخة في أعماق ذاتي.
بمنتهى الجدية والتركيز، يسترسل التلميذ الغرير في شرح تفاصيل حياته اليومية، هذا تلميذ متقدم عاقبه ليلة أمس ببزة ميدان استمرت ساعة كاملة، وذاك تلميذ طلب منه الغطس في بركة الماء، وتمريغ وجهه وثيابه بالوحل، وثالث أمره بالزحف وسير القرفصاء والتدحرج، مع تقدير أبعاد الملعب طولاً وعرضاً...
ينتقي التلميذ عباراته بدقة، محاولاً الحفاظ على رصانته ورباطة جأشه، وضبط تعابير وجهه وحركات يديه، خشية الظهور أمام الأهل بمظهر الضعيف المخيّب للآمال، فتراه يردد بين الفينة والأخرى: «لقد تعودت هكذا عقوبات، وبات بمقدوري جعل المدرب أو المتقدم يتعب ويمل، حتى يشعر وكأنه شريكي في تنفيذ العقوبة».
الوضع بالنسبة إليه، لم يكن مريحاً مئة بالمئة، فهو يريد التوفيق بين رضى الأهل من جهة، ورضى مدرب السنة وضباطها من جهة ثانية، إذ أن هؤلاء لا ينفكون عن التجوال بين الحشود، للتأكد من حسن سير الأمور، واستطلاع ردات فعل الجانبين، بغية الوقوف على مدى نجاح الزيارة، وتحقيق الغاية المرجوّة منها.
في غمرة اللقاء المفعم باللهفة والشوق، ساعات تمضي كأنها لحظات، وقبل أن يتسلم الموعد مفتاح الوداع بقليل، تصدح صفارات الرتباء من كلّ اتجاه، معلنة انتهاء الزيارة، فيهب الجميع من مقاعدهم محاولين اقتناص آخر الكلمات والقبل والنظرات، ومن ثم يتفرق الشمل في اتجاهين معاكسين.
في زحمة اختلاط المشاعر والأصداء والخيالات، غادرت وعائلتي المكان، ولسان حالي يقول:
حييتِ يا مدرسة الكرامة والعنفوان، فعلى بساطك الناصع، يطيب للنجوم أن تنهمر وللمجد أن يستريح.
حييتِ يا معجن رجال الغد، ويا قلعة شامخة في وجه الرياح، لا تجيد القراءة إلاّ في كتاب الوطن والعلم، فهل ينسى اللبنانيون أنك كنت العابرة للطوائف والمذاهب والمناطق في خضم الأحداث، وأنك أبيت إلاّ أن تكوني جسر تواصل في ما بينهم، يوم عزّ المعين والنصير؟
سلِمَ إرثك الذهبي وأبناؤك الميامين المخلصون، الذين دأبوا على حفظ العهد ونقل الشعلة من جيل إلى جيل.
بوركتم أيها التلامذة، لأنكم خميرة الوطن وملح الشباب، والسيوف المسلولة في وجه باعة الأرض والهوية، وفي وجه ناكري وصية الأجداد والآباء، وعابدي كنوز الذهب والفضة!
بوركتم، لأنه في غدٍ  آتٍ لا محالة، سوف يكون من بينكم أبطالٌ شجعان، يصنعون المآثر ويزرعون أغراس الإيمان بالوطن، وشهداء أبرار، يجسدون بالدم القاني معاني ألوان العلم، ويرصعون جبين لبنان بالعزة والفخار...
فيا زمن، صنْ طلتهم البهية، واحفظ شبابهم، وأشح عن وجوههم ضباب الأيام، وأنرْ لهم طريق المجد والعلى...
أمّا أنت أيها الجيش، فاشمخ بأبنائك الجدد، وزغرد للنجوم التي ستسطع في سماك بعد حين، لأنك الأصل والجذور وأبو الجميع، وللأب الصالح الكلمة الأولى والأخيرة...