تحقيق عسكري

فوج التدخل الرابع
إعداد: ندين البلعة خيرالله

من بيروت إلى الجرود... زحمة المهمّات لا تعيق النجاح

 

ليس وليد مصادفة أن يُنسَب شعار «في قلب المستحيل» إلى فوج التدخل الرابع... فهو لطالما واجه أصعب الظروف وأخطرها بشجاعة عسكرييه وعزمهم. هؤلاء وضعوا حدًّا للاشتباكات المسلّحة بين أطراف متنازعة في العديد من المناطق، وصدّوا إعتداءات إرهابية, وضبطوا متفجّرات فمنعوا خطرها... الاحتراف والأداء المتقن مصدرهما تدريب عالي المستوى في مهارات القوات الخاصة، يخضع له العسكريّون ولا يقلّ أهمية عن تنفيذ المهمات، كما يقول قائد الفوج العقيد الركن المغوار إيلي عقل.


قطاع مزدحم
منذ مطلع العام 2014، ينتشر فوج التدخل الرابع في قطاع، أقل ما يُقال فيه، إنه مزدحم، سكانيًا، واجتماعيًا وسياسيًا... إنّه قطاع الضاحية الجنوبية- طريق الجديدة حيث العديد من النقاط الحسّاسة، من سفارات وجامعات وملاعب رياضيّة... وحيث يعيش نحو ربع سكان لبنان، وحيث يعيش أيضًا الفقر بنسبة كبيرة في المخيمات والأحياء الشعبية.
في هذا القطاع، يؤدّي الفوج مهمّات متنوّعة، مستخدمًا كامل قواه المنتشرة على الأرض، ليحقّق الأمن والاستقرار ويمنع التعديات خصوصًا في ظل الظروف الدقيقة التي يمرّ بها الوطن.
من مهمات الفوج الأساسيّة، تأمين المسالك والطرقات التي تؤدّي إلى مطار بيروت. وهو يؤدّي دورًا بالغ الأهمية في الحؤول دون وقوع حوادث أمنيّة، ويعالج أي إشكال بسرعة وحزم مانعًا تطوّره، خصوصًا وأنّ القطاع حسّاس للغاية، في ظل وجود العديد من المخيّمات الفلسطينيّة (صبرا وشاتيلا، برج البراجنة ومار الياس) والتي تتداخل أحياؤها ومبانيها مع أحياء السكان اللبنانيين ومبانيهم، من دون حدود فاصلة ولا مداخل محدّدة.

 

في الجرود
لا تقتصر مهمّة الفوج على قطاعه الأساسي في بيروت، بل تتناوب وحداته (بالتتابع)، ووحدات فوج التدخل الثالث، على التمركز في جرود رأس بعلبك لرصد تحركات الإرهابيين والتصدّي لهم.
في هذا السياق، وعلى أثر الاعتداء الذي تعرّضت له قوى من فوج الحدود البرية الثاني وسقوط شهداء للجيش (26/ 2/2015)، هاجمت وحدات الفوج مرتفعَي صدر الجرش ورأس الجرش وسيطرت عليهما بعد تفكيك عبوات معدّة للتفجير وضبط أحزمة ناسفة وأسلحة وذخائر خلّفها الإرهابيون. بعد ذلك، باشر الفوج إقامة السواتر الترابيّة والتحصينات، بمساعدة آليات ثقيلة تابعة لفوج الأشغال المستقلّ، وتمّ إنشاء مركز ثابت على تلّة الجرش، ممّا أتاح للجيش رصد تحركات الإرهابيين وإعاقتها والرمي عليها لصدّها.

 

مواكبة حثيثة
يواكب قائد الفوج كل التدابير والمهمات التي تنفّذها الوحدات في أماكن تمركزها، وذلك من خلال جولاته الدائمة في هذه المراكز، ولقاءاته بالضباط واجتماعاته الدورية بهم، وأيضًا عبر الخريطة التفاعلية الموجودة في مكتبه. فهذه الخريطة الموصولة بجهاز GPS، تتيح معاينة النقاط الأساسية التي تتمركز فيها الوحدات، إضافة إلى أماكن تركيز الحواجز ونقاط المراقبة وتنقّل الدوريات، ومن خلالها يطّلع العقيد الركن عقل علـى الوضـع العملانـي بصـورة مستمـرّة.
في مقرّ قيادة الفوج، غرفة عمليات مجهّزة بأحدث التقنيات من Laptop وPower screen وغيرها من وسائل الاتصال والخرائط. وثمّة غرفة عمليات أخرى بديلة، مجهّزة ومحصّنة تجاه أي محاولة اعتداء أو رمايات غير مباشرة، في حال استهداف الغرفة الأساسيّة.
 

• كيف يتمّ التحضير لمهمّة ما؟
- نسعى دائمًا في الفوج، أسوةً بباقي وحدات الجيش وعملاً بتوجيهات القيادة، إلى التعلّم من أخطائنا. فهمّنا الأساسي هو حماية العسكريين وتنفيذ المهمّة من دون تكبّد أي خسائر، لذا وضعنا خططًا تستدرك وترتقب أي سيناريو محتمل لحادثة أو اعتداء قد يطاول النقاط الحسّاسة في القطاع. هذه الخطط مجرّبة ومصحّحة، وتمّ تدريب السرايا على تنفيذها.
في موازاة ذلك، لا ننفّذ أي مهمّة قبل تخصيص الوقت اللازم لاستطلاعها والتحضير لها في غرفة العمليات المتطوّرة الخاصة بالفوج، ومن ثم إعطاء أوامر التنفيذ، وذلك بالتنسيق مع مكتب أمن الضاحية ومخابرات منطقة بيروت. هذه الاستراتيجيّة أعطت مفعولاً إيجابيًا من حيث تنفيذ المهمّة بنجــاح من دون أخطــاء تُذكَــر.

 

برنامج متكامل
في 9/12/2015 أنشأ الفوج مركزًا للتدريب في محلّة الجناح- السمرلند، رافق ذلك تأسيس مجموعة تدريب قوامها فصيلة استطلاع تابعة لسرية الدعم، معزّزة بضباط وعسكريين مغاوير يملكون خبرات عالية، مهمّتها تدريب عسكريين من داخل الفوج ومن مختلف القطع والوحدات، وتشكّل احتياطًا جاهزًا للتدخل عند الضرورة.
تتدرّب السرايا بالتتابع وفق برنامج محدّد على الشكل الآتي: تنتقل كل سرية لتنفيذ مهمّتها في تلّة الجرش لمدّة شهر تقريبًا، حيث المراكز الدفاعية والمراقبة المشدّدة من دون أي إمكان للتدريب. تتبدّل هذه السرية، فتلتحق بمركز السمرلند حيث تخضع للتدريب لمدّة ثلاثة أسابيع، لاستعادة المهارات والتقنيات التي تتطلّبها المهمّة في القطاع الأساسي في بيروت (لياقة بدنية، قتال شوارع وأماكن آهلة، كيفيّة التصرّف على الحواجز، والتعامل مع المتظاهرين...). ثم تعود بعدها للانتشار وتسلّم المهمّة على الأرض من جديد.
هذا البرنامج المشحون الذي يُقسم بين مهمات وتدريب، يلقي على كاهل عسكريي الفوج ثقلاً وتعبًا وإرهاقًا. ولكنهم يتسلّحون بعزيمتهم وإصرارهم على تحمّل المشقّات، وبشعار الفوج «في قلب المستحيل».

 

مركز لتدريب النخبة
استطاع الفوج من خلال إمكاناته العضوية وسواعد ضبّاطه وعسكرييه ودعم المواطنين له، إنشاء مركز تدريب حديث في السمرلند، يضمّ كل مشاغل تدريب القوات الخاصة، وهذا ما أتاح تحقيق مستوًى متقدّمًا من التدريب، وبالتالي صقل مهارات العسكريين وجعلهم من النخبة.
يتألف المركز من: مشغل قتال شوارع ليلي يمكن التدريب فيه نهارًا، مجهّز بكاميرات حرارية Infrared تخوّل المدرّب مراقبة تحرّكات الأرهاط والحضائر المتنقّلة في هذا النوع من القتال، في كل مراحل التمرين من بدايته وصولاً إلى الأهداف الأخيرة، وذلك من خلال غرفة تحكّم Monitor room.
يُضاف إلى ذلك، مشغل آخر للقتال النهاري هو عبارة عن مجسّم شارع لتدريب السرية على ردّات الفعل عند التعرّض لإطلاق نار خلال انتقالها (كيفية الترجّل وتحديد مصادر النيران وتنظيف مبانٍ، إلى الانتقال بالملالات والـVAB وبالأرهاط من مبنًى إلى آخر...). وثمّة مشاغل أخرى تشمل كل أنواع الـRappel، وحلقة اشتباك وحراب، وجولة أرضية وهوائيّة.
منذ إنشاء هذا المركز وحتى اليوم، تمّ تخريج العديد من الدورات، أهمّها: تدخّل (عدد2)، استطلاع (عدد2)، تحضير لدورة تنشئة مغوار (عدد2)، وقتال في الأماكن الآهلة (عدد6)، إضافةً إلى خمس دورات لرفع المستوى القتالي للعسكريين وتطوير قدراتهم الجسدية ورفع جهوزيّتهم.
إلى جانب خبرات فريقه المتخصّص، يستفيد الفوج من خبرات فرق أجنبية تشرف على التدريب، وهي:
- فريق بريطاني: يشرف على التدريب في مجال حفظ الأمن والقتال في الأماكن المبنيّة، وهذا يشمل تقنيات الدوريات وتفتيش الأشخاص والآليات، مداهمة المنازل، والتصرّف حيال العبوات غير النظامية.
- فريق أميركي: يتبع هذا الفريق للقيادة الوسطى الأميركيّة، وهو يدرّب سرايا الفوج على قواعد اشتباك القوافل اللوجستية. وقد تمّ اختيار مركز السمرلند كمركز تدريب مع البحرية الأميركية لمختلف القطع والوحدات في الجيش.
- فريق فرنسي: يعمل هذا الفريق على التدريب حول: كيفية إقامة الحواجز الظرفية، وتجهيز الآلية وتمويهها للقتال، تفتيش الأشخاص والسيارات على الحواجز، التعامل مع المتفجرات والألغام، الرماية بالأسلحة المتوسطة، التعامل مع الطوافات، والاستطلاع.
يفتخر العقيد الركن عقل بأن الفوج استطاع تحقيق إنجاز بنجاح 23 من عسكريّيه في آخر دورة تنشئة مغوار أقيمت في مدرسة القوّات الخاصة، من أصل 80 تخرّجوا منها، وقد احتلّوا المراكز الأولى فيها، ما استحقّ تقدير قائد المدرسة وإشادته، وهذا خير دليل على التحضير المعنوي والجسدي الممتاز الذي يخضعون له في الفوج. أمّا «حافزهم فهو اندفاعهم وعزمهم على تطوير قدراتهم وسعيهم إلى التميّز»، يقول قائد الفوج.
 

مدنيّون ممتنّون
• كيف تقيّمون ردّة فعل السكان على التدابير المشدّدة التي فرضتموها في القطاع؟
- باختصار، إنّ المهمة التي ننفّذها في القطاع أكسبتنا محبّة الناس. فهم اختبروا أهمية هذه التدابير التي ضمنت حمايتهم وأنقذتهم عدّة مرات من اعتداءات إرهابية وتفجيرات ومحاولات تخريب.
لقد نفّذنا حملة دهم مكثّفة على كل المطلوبين الذين كانوا يتسبّبون بأعمال الشغب ويبثّون القلق ويرهبون الأهالي. داهمنا الأهداف الثمينة والخطيرة، وركّزنا الحواجز في النقاط الحسّاسة، فضبطنا المخالفات وإطلاق النار والشغب بنسبة 95%.
ويذكّر قائد الفوج بالحادثة التي حصلت في مخيم برج البراجنة منذ فترة وجيزة على خلفية خلافات شخصية، وانتقلت إلى خارج المخيّم. ويقول: في هذه المهمّة نزل الفوج بقوّة، بعسكريّيه وآليّاته، فارتدع المسلّحون مدركين أن لا مجال للمزاح أو التهاون في هذا المجال، ووضعنا حدًّا للنزاع بصورة سريعة.
ويضيف: تسهيلًا لتحركات أهالي المنطقة والمارّة، اعتمدنا نظام تفتيش سريع على الحواجز من دون أن يؤثّر ذلك على دقّة التنفيذ. كما أنّ تعامل العسكريين مع المواطنين باحترام يشعرهم بأنّ التدابير المشدّدة التي قد تسبّب زحمة سير وإزعاجًا لبعضهم، هي لمصلحتهم. وهذا الأمر أكسبنا محبة الناس وثقتهم التي يعبّرون عنها من خلال دعمهم الدائم (خصوصًا حين أنشأنا مركز التدريب).
ويختم العقيد الركن المغوار إيلي عقل حديثه قائلاً: إننا جاهزون لوجستيًا وعملانيًا ومعنويًا لتنفيذ المهمات التي توكلنا بها القيادة، فالمستحيل مهمّتنا، والتدريب قوتنا، وجهوزيّتنا ومعنويــات العسكريين المميّزيــن لدينــا تـذلّــل الصـعــاب وتـضمــن نجاحنـا.

 

على كامل أرض الوطن
نفّذ فوج التدخل الرابع مهمّات مختلفة على كامل أرض الوطن منذ تأسيسه وحتى اليوم، وأبرز هذه المهمات: التصدّي للاعتداءات الإسرائيليّة المتكرّرة ولا سيما عدوان تموز 2006، فرض الأمن والفصل بين الأطراف المتنازعة خلال العديد من الأحداث الأمنيّة، وانتشال حطام الطائرة الأثيوبية المنكوبة على شاطئ الناعمة (2010).
خلال العامين 2011 و2012، وعلى أثر الأحداث الأمنية والاشتباكات المسلّحة التي حصلت بين منطقتَي باب التبانة وجبل محسن في طرابلس، وخلال 21 جولة من المعارك، نفّذ الفوج خطّةً للفصل بين المتقاتلين لوقف الاشتباكات المسلّحة وأوقف عددًا من المسلّحين وشارك في عودة الأمن والاستقرار إلى المدينة.
كذلك، نفّذ الفوج تدابير مشدّدة على أثر التفجيرات الإرهابية الانتحارية التي وقعت في محلّة بئر حسن وفي منطقة طرابلس (2014)، ونفّذ عملية نوعية جريئة على جبل الجرش فطرد فلول الإرهابيين منها بمؤازرة سلاح المدفعية وطوافات القوات الجوية (2015).
إلى ذلك، شارك الفوج في حفظ أمن الانتخابات البلدية والاختياريّة في محافظتي بيروت وجبل لبنان (2016)، وساهم في تواريخ مختلفة في حفظ أمن مناطق بيروت، جبل لبنان، الشمال وإقليم التفاح. وهو يستمرّ في المساهمة في إطفاء الحرائق، كما يشارك في العديد من الأعمال الإنمائية والاجتماعية وحملات التشجير في مختلف المناطق.


إنشاء الفوج

أنشئ الفوج في 1/4/1994 وتمركز في ثكنة ريمون الحايك- صربا وأتبع إداريًا بمقرّ عام منطقة جبل لبنان. وفي 1/11/1994 استقلّ وبات يشكّل احتياطًا للقيادة للتدخل السريع، فكُلِّف بمهمات انتشار عملاني بهدف حفظ الأمن وبسط سلطة الدولة على مختلف الأراضي اللبنانية. أمّا قيادة الفوج فتتمركز منذ 13/1/2014 في ثكنة هنري شهاب في بيروت.