من الذاكرة الفنية

مسرحية فخر الدين
إعداد: هيام كيروز

التاريخ في صياغة إبداعية

 

إذا كان ثمّة فرق بين معايشة ورواية الحلم، فإنه يتبدّد في مسرحية "فخر الدين" التي عرضت في مهرجانات بعلبك الدولية سنة 1966، حيث استلهم الأخوان عاصي ومنصور الرحباني التاريخ، وحوّلاه إلى قصة شعبية، وطافا فيه شعراً ونثراً جميلاً، وألبساه رداءً عصريًا، وأسبغا عليه إيقاعًا ملحميًا ارتقى بشخصية الأمير فخر الدين إلى مستوى الميتولوجيا الحديثة.

 

المقدمة ومشهد العودة: خطة مضادّة لليأس
تفتتح المسرحية مقدمة موسيقية تتراقص نغماتها كأمواج البحر التي تحمل الأمير فخر الدين العائد من المنفى إلى الوطن. يجسّد الرحبانيان هذه العودة ميدانيًا في صورة الشعب المتجمهر للاستقبال، محمّلاً بالآمال. يحتفي الشعب بالأمير تهليلا ورقصًا:
«فخر الدين... يا رجعة السيف... يا رجعة الغار... يا سنين الكبر يا سنين»
«يا حراشنا حوربي
يا جبالنا غنّي
فرسان لبنان
ع خيول البحر جايين».
أصاب الرحبانيان حين اختارا بطلاً بقي في قلب الوهج الجماهيري. بدا من مشهد الاستقبال، أنهما، حين دفعا بعودة فخر الدين إلى الضوء، جعلا منها مفتاحًا أساسيًا في بناء المسرحية، ليعلنا خطّة مضادة لليأس. فإذا كان المنفى قد مزّق وجدان الجماعات، فإن إمكان تجاوز تأثيره يتعزز في أجواء العودة التي تحمل معها الثقة والسلام. نشيد الاستقبال يقابله وعد من الأمير بالبناء والازدهار والسعادة:
 «يوم الرجوع
يوم الوعد والقول
راجع أنا تـ قلكن
بدنا نعمّر سوا لبنان»
فخر الدين يتخطّى أثلام الألم التي حفرها المنفى في نفسه، ويتطلع إلى أيام سعيدة طالعة من رحـم انتظــار الشعــب.
تذهب المسرحية بعيدًا في لحظات الغنائية. الإحساس الشعري يرفد التاريخ بإيقاع رؤيوي موسيقي، يتألق مع «عطر الليل»(فيروز) التي تعلو في صوتها قامة فخر الدين النضالية الشامخة.
«قاطع متل العدل... محني متل التواضع... وبحدّو الفاصل بتخلّص لبنان».
وسط مدى وطني رحب، يتحول هتاف الاستقبال إلى كتلة لهب تشتعل، محبة شعب لقائد ترك العرض المغري الذي قدمه له ملك إسبانيا لحكم مقاطعات فيها، واختار العودة من إيطاليا، ليمضي في الالتزام الوطني حتى نهايته.

 

المسرح والتاريخ
تنطوي المسرحية على مرحلة من حقبة تاريخية موثقة تبدأ من سنة 1618، تاريخ عودة الأمير فخر الدين إلى لبنان بعد قضائه، قسرًا، منفيًا، فترة خمس سنوات في توسكانا – إيطاليا (1613-1618)، وتنتهي سنة 1633 تاريخ انكساره الأخير ولجوئه إلى مغارة صخرية قرب جزّين حيث استسلم للكجك أحمد.
تتطور المشاهد من العودة وأجواء الفرح التي واكبتها، إلى الإحاطة الدقيقة بالوقائع التي تلت: الدعوة إلى الاستقلال التي تشكل جوهر العمل، وهذا لا يتحقق إلا بقلب المعادلة السائدة: لا للتخاذل وهيّا إلى البناء:
«- بدكن الاستقلال؟»
- «بدنا الاستقلال».
- «خدوه بالقوة... بضربة السيف اللي بتضوّي»يقولها الأمير لعمداء الأسر وشيوخ المناطق والقادة والضّباط وكبار رجال الدولة أعضاء المجلس الأعلى، الذين يرى فيهم روّادًا للقيم الوطنية الأصيلة. إنّهم محرّكو التاريخ، وقوته الديناميكية:
«أنا ما عندي لكن غير السهر
غير التعب والسيف ودموع الحجر
جايي أنا تـ هزّكن
متل ما هالريح بتهزّ الشجر».

 

السيف والأغنية
ما الذي يستطيع أن يحققه الغناء لإرساء السلام؟
يصوّب الرحبانيان باتجاه الدور الذي يؤديه الغناء في شحن العواطف الوطنية، وفي تأجيج الطابع المقدس للدور العسكري في الاستقلال.
«أنا بسيفي بحرّر هالمناطق،
وبحقّق لبنان
«وإنتي بالغنيّة بتخلّيلو إسمو يزهّر وين ما كان».
وفي لعبة غزلية بين الوطنية والغناء، شديدة الدقّة في رمزيتها، تظهر فلسفة الرحبانيان الخصوصية جدًا في محاكاة الغناء للمادة التاريخية:
«روحي بها الطرقات فوتي عالبيوت
ضلّي عنّو غنّي وغيرك خلّيه يغنّي
ومتى الكل صارو يغنوه بيصيرو يحبوه ويريدوه
وبيصير هوّي الغنية
وإذا يا عطر الليل صار ما صار
وانكسر السيف بتكمّل الغنيّة».
تتأكد هذه الفلسفة وتتعمّق في القسم الذي تؤديه «عطر الليل»:
«وعدي إلك
وعد الصوت
غنيّلك
وخلّي الدني تغنيّلك... وندروني إلك، أنا إلو... للواقف بالزمان
بندر صوتي... حياتي وموتي
لمجد لبنان».

 

القلق والخوف من الخيانة
حدس «عطر الليل»يقودها إلى القلق والخوف من الخيانة أثناء لقاء فخر الدين بالكجك أحمد (وهو عثماني الأصل مقيم في لبنان في ضيافة آل معن، وكانت له علاقات سريّة مع العديد من الأسر المناهضة لفخر الدين).
هذا الحدس ينزع القناع عن وجه الكجك أحمد، ويرتقي إلى مستوى الضرورة الأساسية للوصول إلى الحبكة الرئيسة في المسرحية.
«يا مولانا المير... بيخوّفني هالرجّال... لفتاتو متل الخنجر».
اللقاء بين المتآمر الكجك أحمد وأميرة من آل سيفا، يبدو نسيجًا من الصواعق المعدّة للتفجير. الكلمات، كما النوايا، تتداخل، تتشعّب وتنذر بتصدّع السلام القائم. العبارات تلتفّ على ذاتها، تناور، تؤكد على تعرجات المصالح:
الأميرة: «راحو الناس اللي حوالينا... لحقو صوتو
كراسينا عم تتزعزع تحت منا.
كجك أحمد... ما في وقت نكابر على حالنا
خطر المير بطالكن إنتو أكتر ما بيطالنا
ع بكيّر لازم تتدبر القصة».
الكجك أحمد: «أنا عليي باسطنبول يومية تقرير وكلمة مسمّة خلف الكلمة... أفاعي بسلال الورد وإبر حرير... حتى تهبّ النار وينقلبو ع المير».
الحقد يحقّق تحالفًا مخيفًا بين المتآمرين، ويتوسّل الإشاعات والوشايات لزرع الخوف والقلق والتحريض على الأمير وزعزعة حكمه، فيما تشهد ساحات القرى على الازدهار الذي ينعم به السكان، وعلى الأمان الذي بسطه عهده.
 

 بيي راح مع العسكر
استخراج المخزون الجمالي من باطن التاريخ لا يتحقّق من دون عبقرية هي سمة من سمات الخصوصية الرحبانية. إذ عمل الرحبانيان على صهر البعد السياسي والاعتبارات الوطنية في ترابط حميم يضجّ بالبساطة، من خلال مطلع أغنية على «عطر الليل أن تدور في البلدات والقرى لتجمع بقية مقاطعها»:
عطر الليل: بييّ راح مع هالعسكر
حمل سلاح راح وبكّر
بييّ علاّ بيّي عمّر.
يتطوّر أفق تلك الحقبة في نصّ مسرحي جميل وعلى إيقاع موسيقي حماسي، يجسدان أقنية المعارك ومحاصرة الأمير ليوسف باشا في قلعة الحصن واستعادة ألوية لبنان وتوفير الازدهار للشعب لكن الخيانة تمغنط مرة جديدة أسلاك المسرحية: العدو ينتقل إلى الداخل، إلى المدى الأكثر خصوصية:
الأميرة: «وسّع خيالو... والحكي اللي قالو...
صار غناني البيادر وفراريع الحطّابين...
صار براجو الناس».
الكجك أحمد: «خليه يكبر... يعلا ويكبر... ومتى
علي ومجدو زهّر... بتصير كل يوم
تلفحو ريح جديدة... الغيرة... الحسد...
البغض... الحقد... والأبراج بالنهاية
بتهدّ اللي عمّرها... وبتخلص الرواية».
قلق الأميرة من اتساع نفوذ الأمير فخر الدين يضفي على المناخ العام حسًا بالخوف يتسارع على قدر ما يتناقص الزمان الذي يفصل عن معركة عنجر الحاسمة. هنا تبدو «عطر الليل»وكأنها النبض المرادف للوطنية. صوتها الذي يصدح بـ«يا قمر مشغرة»، و«خبطة قدمكن عالأرض هدّارة»، إلى «يا ساكن العالي «، و«بيّي راح مع العسكر» و«مراكبنا عالمينا»، يبرز التاريخ بكل رحابته، ذلك التاريخ الذي يتفرع ويتوسع في أطواره، تودعه «عطر الليل» صوتها، فيخلق من جديد، كما أحبه الرحبانيان، متجذّرًا في البطولة، مزنرًا بالمجد، ترصفه الخطى المتراصة مداميكًا، وتحمله الموسيقى بروقًا على الجباه.
الحسد شفّاف لا يكتم هبوبه، يطلق رشقات من السموم تضخّ في النفوس اختلاجات الأسى:
عطر الليل: «أنا خايفة... الإشيا الحلوة كترت...
والعين اللي بتصيب صارت عم تتطلّع... والخرزة الزرقا شو بدّا تحرس تـ تحرس... خايفة من صيبة عين».
الخيانة ليست ألسنة تتبارى في ترويج الشائعات فحسب، بل فضاء يوقد بالأرض حطبًا للأحقاد، وهواء أصفر ينحت الأيام سنابل لمناجل الموت. كالخفافيش تعمل الخيانة في الظلام لترصد ساحة الحرب، يشعر بها الأمير فيصرحّ للشيخ خاطر: «اللي بيخوف يا شيخ خاطر، الخيانة، الخيانة بتهدّ الرجال».
يكتسب حدس الأمير واقعية من غمغمة الكجك أحمد: «رايح عا اسطنبول... ما بتنتهي قصة المير إلا بحرب كبير».
ترتيب دؤوب للقضاء على الأمير، يقابله تحالف الدول المجاورة، وزعماء العائلات الإقطاعية المتضررين من مركزية سلطة فخر الدين، وبتأييد ودعم من السلطة العثمانية.

 

قصص الأبطال قناديل
نهاية الأمير تتحضّر وفق منحى تراكمي. وما هي النهاية ؟!
الأمير: «انا بعرف النهاية
وبدّو يكون في نهاية
بس النسر لازم يتقوّص قواص
مش لازم يختير ويموت بوكرو عالقش».
البطل لا يجيد سوى الاستشهاد ليخلد:
«بيخلصو الأبطال... وقصصهن ما بتخلص بتضلّ القنديل... اللي مضوّي بالبال».
في تصويرهما نهاية فخر الدين يرفع الرحبانيان الاستسلام إلى مرتبة الاستشهاد. مجيء العسكر العثماني بمئة ألف مقاتل بقيادة الكجك أحمد، وخيانة اليمنيين والسيفييّن والحرفوشيين الذين وقفوا إلى جانب الكجك في حملته ضدّ الأمير، وخيانة أحد جنود المعني الذي وقع في أيدي رجال الكجك وأخبرهم بأن الأمير في قلعة جزين، وخيانة زمّار القلعة الذي كان يتولى مراقبتهم، كل تلك العوامل مجتمعة لم تترك للأمير فرصة المواجهة.

 

صار بقدر روح
ارتجاج الخيانة يحجب المدى كما الغبار المتطاير في وقع حوافر الخيل. علامات النهاية تقف فوق العنق سيفًا قاطعًا حاسمًا المصير.
أرض المعركة تنفتح كجوف الحوت لتبتلع الضحايا. يذهب الأمير في التضحية إلى حدودها القصوى: إنكسار الذات.
يبرم عقدًا وفاقيًا مع الحياة: سوف يهادن، ويحني رأسه للعاصفة انقيادًا لضرورات السلام. يصوغ استشهادًا افتراضيًا، ويكشف سرّ القدرية التي تجعل الاستسلام والاستشهاد أفقًا واحدًا يمتدّ ليسند الوطن:
- انزرعت الأراضي؟
- إيه انزرعت.
- عليت الجسورا؟
- إيه عليت.
- تعمّر؟
- تعمّر وعم يتعمّر.
- فإذن صار بقدر روح، أنا شو بيهم... بقيت أو ما بقيت، هوّي بيبقى.
لم يتردّد الأمير في الاستسلام. يخرج من إحدى المغاور، وحوله رفاقه ووراءهم ثلة الحرس يحملون الأعلام التي تلوح في وجه الهراوة العثمانية.
لا يتوقف الرحبانيان طويلاً عند مشهد الاستسلام لئلا يتحول إلى رفيف منديل على شرفة وداع بين الدمع والنشيج البكائي، بل فجّرا ديناميكية تتنامى وفق وتيرة قلوب تحتفي بالبطل، وفي هتاف هو استنهاض للأمل، يواكب إيقاع الرحيل. كلمات شاءها الرحبانيان خاتمة تصل إلى الينابيع: المحبة التي تزعزع جبروت اليأس والإحباط، وتحدس بقيامة جديدة.

 

راجع بصوات البلابل
بيك صار برج مسوّر
صار القصة اللي بتتخبّر
غلب وبدّو يرجع يغلب
راح وبدّو يرجع أكبر
راجع بصوات البلابل
راجع بغناني الحصادين
طالل من كتب المدارس
وبدّو يخلق بكتب الولاد.
تطرح مسرحية «فخر الدين» إشكاليتين:
- الإبداع حيث المنحى الفني يحافظ على جدّيته التاريخية بشكل تتبلور معه خصائص الأحداث.
- استيعاب التراث الفكري – الجمالي وتجاوز معطياته باتجاه فعل إيمان بالمستقبل.
 الخشبة تبدو مساحة تتشكل في مداها أدوار تاريخية يؤديها ممثلون موهوبون ضمن حلقات متراصة تهتدي بالعبقرية، وتحلّق في تكاتف نغمي عذب، الأمر الذي يجعل الأشعار تتطاير على الشفاه أهازيج وجدانية ومواويل ذاكرة عاطفية.
نصّ يوالف بين الماضي والحاضر، ويشير إلى أنّ التاريخ ليس متحفًا جامدًا للآثار، بل هو إبداع، وليس انكفاء على جروح الماضي، بل صياغة تجربة حية.

 

هامش:

• مسرحية فخر الدين:
- تأليف الأخوين رحباني نصًا وغناءً وحوارًا وألحانًا.
- إخراج: صبري الشريف.
- تمثيل:
فيروز: عطر الليل.
نصري شمس الدين: فخر الدين.
جوزف ناصيف، إيلي الشويري، فيلمون وهبي، ملحم بركات، محمد مرعي، وليم حسواني، هدى حداد، روجيه عساف وغيرهم.
- عرضت ضمن مهرجانات بعلبك الدولية سنة 1966.

 

المراجع:
- جماليات الإبداع الرحباني: الدكتور مفيد مسوح الجزء الأول – 2006.
- الأخوان رحباني – حياة ومسرح، خصائص الكتابة الدرامية – الدكتور نبيل أبو مراد 1990 – دار أمجاد.