- En
- Fr
- عربي
العوافي يا وطن
تودّعون سنة أخرى من سنوات افترش التعب كل أيامها. بين إشراقة فجر وآخر، كانت الأيام مضمّخة بعطر حكايات عن رجال تسكن هموم الوطن شرايينهم. رجال، يفيض العزم في عروقهم أينما اقتضى الواجب عزمًا.
يوقّعون بدمائهم عهد الوفاء لقَسمٍ هدرت به حناجرهم يوم ارتدوا شجر الأرض وترابها، وبات شرفًا يعتمرونه ويصونونه بكل ما لديهم من عنفوان وشجاعة والتزام وثبات واندفاع للتضحية.
في الجنوب، في موطن الجراح والآمال والأخطار، تُشرق هاماتكم العالية، فيضيء الأمل أفق الدمار مطلقًا وعود الحياة رغم الخراب والوجع. هناك، حيث شقاء أجيال وحكايات صمود ووجع وقهر، حيث بركة مواسم الزيتون ومرارة مواسم التبغ، حفر رفاقكم أبهى سطور البطولة، وها أنتم اليوم تكتبون سطورًا مجيدة جديدة، في أخطر مرحلة عرفها لبنان خلال تاريخه الحديث. طوال عام يطوي آخر أيامه على أخطار لم تنحسر، واظبتم بصبرٍ مدهش وصمت حكيم على أداء واجبكم لبسط سيادة الدولة مفكّكين الألغام لغمًا تلو الآخر. والألغام هنا ليست مجرد ذخائر يتم التعامل معها تقنيًا، فثمة أخرى أشد فتكًا وخطرًا على الوطن، وأنتم تتعاملون معها بمنتهى الوعي الوطني المسؤول.
بسط سيادة الدولة لا يقتصر على الانتشار والتعامل مع الأسلحة والذخائر وسواها بالطبع، وإنما ينطوي على مهمة أخرى تقضي بوجود الدولة إلى جانب المواطنين في المحنة التي عاشوها وما زالوا بسبب العدوان، وقد قمتم بهذه المهمة بكل ما تزخر به هممكم من اندفاع.
تنفّذون خطة الانتشار جنوب الليطاني، وأنتم واعون لجميع المخاطر ملتزمون مواجهتها، تشهد لحرفيتكم ودقة التزامكم لجنة الميكانيزم كما قوات الأمم المتحدة، وكما كل حبة تراب رويتموها دمًا وعرقًا.
من الجنوب إلى مناطق أخرى حيث أثبتّم في مواجهة وتفكيك أخطر بؤر المخدرات والجرائم أنّ الجيش يَعِد ويفي وإن طالت الأيام. مَن ارتكبوا الجرائم الفظيعة في حق المواطنين والعسكريين سقطوا بضربات قاضية بفضل إصراركم ومثابرتكم على الترصّد والتعقّب. من «أبو سلة» إلى نوح زعيتر وسواهم، الحبل على الجرار، القصاص آتٍ وسيطال المجرمين وصولًا إلى القضاء على «إمارات الشر» التي بنوها وظنوا أنّها ستبقى إلى الأبد.
في كل أنحاء الوطن تنتشر حكايات تعبكم سهرًا على الأمن، في الأعياد والمناسبات وفي سائر الأيام والاستحقاقات. زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان كانت أبرز هذه الاستحقاقات، وكم تستحقون من النياشين على جهودكم خلالها!
على مدى أيام كنتم عيونًا ساهرة متيقظة في الجو والبحر وعلى الأرض. بصوت طوافاتكم ترافق موكب الزائر الكبير، وانتشاركم على الطرقات والسطوح والشرفات، ووجودكم وسط التجمّعات، وجهودكم الاستعلامية والتنظيمية… وفّرتم سياجًا من الثقة والأمان الكامل، فكان نجاحكم باهرًا، مدهشًا، ساطعًا كشمس بلادنا. لم نسمع عن أي إشكال، لم تحصل «ضربة كف»، بفضلكم ظلّل الفرح وطننا الذي اشتاق إلى الفرح الحقيقي، وانهمر الأمل شلالًا بفعل ما أظهره اللبنانيون بفئاتهم كافة من تفاعل والتقاء حول القيَم الأصيلة التي طالما ميّزت مجتمعنا.
قبل زيارة الحبر الأعظم بأيام كنا نحتفل بذكرى الاستقلال، ذكرى آلمنا أن نحتفل بها وسط كل ما يحيط بنا من أخطار وتهديدات. لكن ورغم كل ذلك، أثبتم بتضحياتكم اليوم كما بالأمس، أنّنا وطن لن يتعب أبناؤه من العمل لاستعادة استقلاله ناجزًا مهما اشتدت المحن وكَبُرت التضحيات.
يقتضي تحقيق استقلال وطن والحفاظ عليه جهود جميع أبنائه، من قمة الهرم إلى قاعدته، وفي جميع القطاعات، عسكرية كانت أم سياسية وعلمية واقتصادية وتربوية…
لكن في جميع الأحوال تبقون أنتم طليعة العاملين كل يوم من أجل الاستقلال. بوحدتكم، بوعيكم، وبتمسّككم بواجبكم، توفّرون الأرضية التي يحتاج إليها الوطن المستقل، القادر على احتضان أبنائه.
أنتم النموذج والمثال، وأنتم مَن يجيدون صناعة الأمل بتضحيات ساطعة كشمس بلادنا.
بوركت همم لا تتعب.
والعوافي يا جيشنا.
من كل بيت وشرفة وسماء، من كل ابتسامة طفل وصبية، ودمعة كهل وعجوز…
العوافي يا وطن.











