ذكرى الاستقلال

تستحق أن تحلّق فوق الغيم رايتنا
إعداد: د. إلهام نصر تابت

مرّت على لبنان سنوات ملؤها الأزمات والمحن على أكثر من صعيد، وكم من الصعب على شعب دفع غاليًا ثمن استقلاله وسيادته، أن تحلّ ذكرى أهم أعياده الوطنية، وهو مُحاصر بالقلق وبأسئلة لا تنتهي حول غده وما تخبئه الأيام لبلده.

قد يبدو مُحرجًـا لنا أن نسمع من أولادنا أسئلة عن معنى الاستقلال فيما هم يحزمون حقائب السفر باحثين عن ملاذ لمستقبلهم. ومن الصعب أن نخفف وطأة هواجس تسكن الوجدان فيما عشرات من قُرانا فريسة الدمار، وعشرات الألوف من مواطنينا لا يعلمون إن كان السقف الذي يستظلونه سيبقى قائمًا في الغد…

إنّها  مرحلة من أصعب المراحل التي عرفها لبنان في تاريخه، لكن ومع ذلك، ثمة الكثير مما يجب أن نتذكّره دائمًا وبخاصة في ذكرى الاستقلال، لكي لا تكون هذه المناسبة مثقلة بالإحباط بدل أن تكون محطة فخر واعتزاز وترسيخ لشعورنا بكرامتنا الوطنية.

أن نتذكّر يعني أن نحوّل أهم الدروس التي علّمنا إياها التاريخ إلى واقع حي يجسّده سلوكنا اليومي كلبنانيين يدركون معاني الاستقلال ويتحملون كلٌّ من موقعه مسؤولية الحفاظ عليه وترسيخ دعائمه. وعندما نقول كل من موقعه، فذلك يعني الجميع بالفعل: المسؤولون في الدولة، المؤسسات العامة والخاصة، أهل الفكر والعلم والاقتصاد والتربية، الجنود والفنانون والمزارعون والتجّار ومقدِّمو الخدمات على مختلف أنواعها، وبالطبع الأمهات والآباء وسواهم من اللبنانيين مقيمين كانوا أو مغتربين.

 

أول الدروس…

أول الدروس التي يعلّمنا إياها التاريخ هو أنّ الاستقلال ليس حدثًا يتحقق في مرحلة ما، ثم يستمر تلقائيًا. الاستقلال نتيجة مسار من العمل المستمر الذي يرسّخ دعائم الدولة ومؤسساتها، ويستطيع إرساء التوازن بين مقتضيات السيادة والواقع الإقليمي والدولي، وحتمية الانفتاح والتعاون بين الدول. فما من دولة مستقلة من دون مؤسسات تبني الاقتصاد وتدير الموارد المتاحة، تنشر التنمية وتشجّع الإبداع والابتكار والفكر، كما تتولى الرعاية الاجتماعية، وتفرض هيبة القانون لتعمّ العدالة والمساواة في البلاد. وبالطبع في عالمنا المعاصر ما من دولة مستقلّة تستطيع اتخاذ قراراتها كما لو أنّها جزيرة معزولة. العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى قائم على الانفتاح والتبادل والتعاون، والمسألة تكمن في مدى مقدرة كل دولة على تحقيق مصلحتها ضمن الواقع القائم.

إنّ تحقيق الاستقلال الناجز لدولة ما يتوقف على الإرادة الحرة والفاعلة لأبناء هذا البلد في تثبيت وجودهم ووحدتهم الوطنية، والمحافظة على تنمية مواردهم وبناء أنظمة الحكم الرشيد، وتربية المواطن على مبادئ المواطنة الصحيحة، وتنمية الوعي الديموقراطي والثقافة السياسية لأبنائه، مهما تعددت مكوناتهم الاجتماعية، إذ لا قيمة لبلد لا استقلال له، ولا معنى لاستقلال لا يُبنى على الإرادة الحرة الواحدة والواعية لأبنائه.

 

النضال الطويل

ناضل اللبنانيون من أجل استقلالهم ودفعوا أثمانًا باهظة دماءً وجوعًا وفقرًا. معركة 22 تشرين الثاني 1943 كات تتويجًا لنضال طويل خاضوه ولم يعرف اليأس طريقه إلى نفوسهم. في ظل الحكم العثماني عرفوا أقسى أنواع الظلم والقهر، عُلّقوا على المشانق، وظلوا على نزعتهم الاستقلالية مطالبين بحريتهم، وكان ذلك من أسباب تمتّع لبنان بوضعٍ خاص ضمن السلطنة العثمانية. تَمثّل هذا الوضع بالاعتراف بخصوصية كيان لبنان وبحكم ذاتي أو شبه استقلال بخلاف الولايات التي كانت تخضع مباشرة للسلطنة. استمرت هذه الخصوصية في جبل لبنان إبّان خضوعه لنظام المتصرفية بين 1861و1915، وقد تخللت هذه الفترة مواقف استقلالية أتيح لها أن تُثمر في ظل أوضاع دولية مؤاتية بعد الحرب العالمية الأولى، فكان إعلان دولة لبنان الكبير (1920) الذي أعاد إلى لبنان الأراضي التي سلخها عنه نظام المتصرفية وألحقها بالولايات العثمانية.

دفع الظلم أجدادنا إلى أقاصي الأرض، هناك عرفوا الشقاء، وظلت بلادهم حلمًا يسكن البال. في المهجر كوّنوا الروابط والجمعيات التي لم تتعب من العمل لاستقلال لبنان. الأدباء والشعراء والصحافيون شكلّوا طليعة النخب الاستقلالية التي كان لأفكارها ودعواتها صدى كبيرٌ بين الشباب فتطوّع الكثيرون منهم في فرقة الشرق بهدف التحرر من الاحتلال العثماني، وكانوا في ما بعد النواة التي شكّلت الجيش اللبناني. هؤلاء قاتلوا إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى بهدف تحقيق الاستقلال، وحملت قواربهم المؤن إلى شواطئ لبنان الذي كان أهله يموتون جوعًا بفعل الحصار والجراد، لكنّهم رفضوا في ما بعد القتال إلّا في سبيل لبنان.

بعد الحرب العالمية الأولى باتت بلادنا في عهدة الانتداب الفرنسي وماطلت السلطات المنتدبة في تحقيق وعدها باستقلال لبنان، وكان على اللبنانيين أن يخوضوا معركة جديدة، فخاضوها، لم يرفعوا راية اليأس رغم كل ما عانوه. والأهم أنّهم خاضوا معركتهم مُوحّدين متكاتفين فانتصروا عقب موقعة شهدت تضامنًا لم يسبق له مثيل في ما بينهم.

 

الإرث الثمين

أثمرت الإرادة اللبنانية الموّحدة استقلالًا ناجزًا للبنان في حين أنّ دولًا كثيرة عربية وأجنبية كانت ترزح تحت الوصاية. الهند مثلًا لم تنل استقلالها قبل 1947! ويشير مؤرخون إلى أنّ الموقعة الاستقلالية اللبنانية ألهمت الكثير من حركات التحرر لدى شعوب لم تكن قد نالت استقلالها بعد.

في تشرين الثاني 1943 تجلّت الإرادة اللبنانية الحرة والفاعلة في الساحات والشوارع كما في مقرات الدولة، وكانت هذه الإرادة العنصر الحاسم في تحقيق استقلال ناجز لا تشوبه قيود أو معاهدات كما حصل في بلدان أخرى. صحيح أنّ الظروف الدولية أدت دورها في ذلك الحين، لكنّ المهم أنّنا عرفنا كيف نستفيد من هذه الظروف في لحظة تاريخية حاسمة. ورغم أنّ نظرة اللبنانيين إلى كيان بلدهم لم تكن واحدة في المرحلة التي سبقت الاستقلال، فقد استطاعوا بلورة ميثاق وطني أفضى إلى ما أفضى إليه. فكانت وقفتهم الرائعة التي جمعت كل الفئات والشرائح والأعمار… بين 11 و22 تشرين الثاني 1943 هدرت الحناجر بهتافٍ واحد للبنان المستقل. واجه المتظاهرون الدبابات في الشوارع بصدورٍ عارية ملؤها العزم والعزة. سقط منهم شهداء، وبين الشهداء أطفال من المؤسف أنّ كتب التاريخ المدرسي لم تذكرهم ليكونوا جزءًا من ذاكرتنا الوطنية التي ينبغي أن تخلدهم كأيقونات للشهادة.

وفي بشامون حيث استقرت الحكومة المؤقتة نشأ حرس وطني دافع عن الحكومة وردّ عدة هجمات قام بها الجيش الفرنسي. ولا يقتصر الأمر على بطولات سطّرها الشباب والرجال، كان للنسوة دورهن في التظاهرات وفي تأمين حاجات الحكومة والمدافعين عنها من مؤن وغذاء… امرأة تحمل ما استطاعت إعداده من طعام، وأخرى تجود بدجاجتين لا تملك سواهما…

في معركة الاستقلال ونضال اللبنانيين من أجله، حكايات ينبغي أن نبحث عنها ونرويها لأبنائنا لكي نُسهم في تكوين وعي وطني ونحافظ على الإرث الثمين الذي صنعه أجدادنا.

 

لبنان المستقل

لبنان المستقل ما لبث أن شارك في إنشاء جامعة الدول العربية وإنشاء هيئة الأمم المتحدة ووضع ميثاقها، ومن ثم في صياغة شرعة حقوق الإنسان متبنيًا قيم الحرية والمساواة والعلم والعمل والانفتاح على حضارة العصر، فضلًا عن اعتماده نظامًا ديمقراطيًا يكفل الحريات الفكرية والسياسية والاقتصادية، ما شكّل مناخًا ملائمًا للتطور في مختلف المجالات. من جهة ثانية تسلّمت الدولة الفتية الوحدات العسكرية اللبنانية التي كانت بإمرة الفرنسيين وتم جلاء جميع الجيوش الأجنبية عن لبنان، وبدأ إرساء مقومات الدولة. وقد شهدت الفترة الممتدة بين 1952 و1964 ازدهارًا ونموًا جعلا لبنان «سويسرا الشرق»، وهو استحق هذه التسمية بالفعل.

أدت التطورات الإقليمية والدولية دورًا بارزًا في الأزمات التي بدأت تتواتر على الساحة اللبنانية منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، إلى أن جاءت الحرب…

عمر استقلالنا اليوم 82 عامًا عايشنا الحروب والأزمات خلال نحو نصف قرن منها!

 

ماذا بعد؟

ذقنا مرارة الانقسام والتشرذم، قُتلنا، هُجرنا، دُمرت بيوتنا وقرانا ومدننا. هاجر شبابنا فباتت الكثير من بيوتنا مسكونة بمرارة كهول وعجائز توزّع أبناؤهم في كل أنحاء المعمورة، وحُرموا جنى أعمارهم… لكن ماذا بعد؟

هل نرفع راية الاستسلام، هل يسرق اليأس أملنا بوطنٍ مستقل يستطيع حماية حدوده وسيادته واحتضان أبنائه ورعايتهم بكل ما تتسع له عبارتا الاحتضان والرعاية من معانٍ؟

كل ما مررنا به يُثبت أننا شعب لا يستسلم، وأنّ الصعوبات والأزمات مهما اشتدت لن تقوى علينا، دائمًا نجد سبيلًا للنهوض، وفي كل مرة يُطل الأمل مشرقًا من جديد ويعزز إيماننا بأنّ وطننا يستحق أن نناضل من أجله.

المهم أن نتمسك بوحدتنا فهي أهم مصادر قوتنا، والمهم أن نتعلم من التجارب ونستخلص الدروس من تاريخنا وحاضرنا لنصنع مستقبلنا، ولتظل فوق الغيم رايتنا.