تاريخ معاصر

دور الوحدات العسكرية اللبنانية في معركة الاستقلال
إعداد: د. ألكسندر أبي يونس – باحث وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية

 أدّت الوحدات العسكرية اللبنانية دورها الوطني في معركة استقلال لبنان رغم أنّها كانت في عهدة سلطات الانتداب. وكان لوحدات الجيش والدرك والشرطة مواقف مشرّفة بدأت بوادرها تظهر منذ ما قبل 1943 تاريخ المعركة التي أدت إلى الاستقلال بعد مخاض طويل. وإذا كانت وثيقة الشرف التي وقّعها الضباط اللبنانيون في تموز من العام 1941 أشهر وأهم الوثائق في هذا السياق، فثمة مواقف أخرى تستحق التّوقف عندها. فالانضباط الذي طبع الوحدات العسكرية اللبنانية في ظل قيادة فرنسية، لم يمنع الضباط والعسكريين من اتخاذ المواقف الوطنية التي تدعم تطلعات اللبنانيين للاستقلال ونضالهم من أجله.

في خضم معركة الاستقلال (تشرين الثاني 1943)، خاطب العقيد فؤاد شهاب الضباط الفرنسيين في النادي العسكري بكل جرأة، فحضّهم على إطلاق سراح الزعماء اللبنانيين الذين اعتُقلوا، قائلًا: «لن تُوفّقوا في هذه الخطوة لأنّ شعب لبنان سيهبّ للدفاع عن قادته الوطنيين، ولأنّ الإنكليز سيستفيدون من غلطتكم الكبرى».

ولطالما حرص فؤاد شهاب عند مخاطبته الضباط والجنود على تأكيد ضرورة تأييد رفاقهم العسكريين اللبنانيين في أي نزاع ينشب بينهم وبين عسكريين فرنسيين لدوافع يعدّها وطنية. ومن الأمثلة في هذا السياق موقفه في أيلول 1936 حين كان برتبة نقيب. آنذاك غضب النقيب شهاب بسبب تصرّف قام به الملازم أنطون سعد، وهو يسوّي شجارًا بالأيدي بين رقيب أول لبناني ورتيب فرنسي. فتهيّبًا من رد فعل الضباط الفرنسيين، أودع أنطون سعد الرتيب اللبناني في السجن ونقل الرتيب الفرنسي إلى المستشفى. أغضبت هذه المفاضلة النقيب شهاب الذي كان مساعد قائد فوج القناصة الأول، فقال وهو يحدّد موقفه من الانتداب الفرنسي: «الفرنسيون الذين علّموا بثورتهم الشعوب حرّيتها وكرامتها، لا يعرفون كيف يتعاملون مع هذه الشعوب. سينال اللبنانيون استقلالهم يومًا ما، ولا بدّ من أن يرحل الفرنسيون من هذا البلد. ولا بدّ من أن يتسلّم المسؤولية والحكم بعدهم رجال وطنيون أقوياء. هؤلاء الرجال لا يظهرون فجأة ويقفزون إلى مراكز المسؤولية، بل سيمرّون في مراحل صعبة».

 

الوحدات العسكرية اللبنانية وثكناتها عشية الاستقلال

خلال عهد الانتداب الفرنسي على لبنان (1920-1943) كانت القناصة اللبنانية التشكيل العسكري الأول الذي اتسم بالطابع الوطني والذي يتألف عديده من اللبنانيين حصرًا. ومع أنّ قيادته العليا كانت بيد الفرنسيين بالطبع، فإنّ غالبية ضباطه كانوا لبنانيين من خريجي المدرسة الحربية في دمشق. أما من حيث مراكزه فكانت على امتداد الحدود اللبنانية. واللافت هنا أنّ كتائب القناصة اللبنانية كانت تنسّق أعمالها في مناطق الحدود مع قوى الأمن الداخلي، ولهذا الأمر دلالاته الوطنية بالطبع. من هذا المنطلق سيشمل موضوعنا الحديث عن جميع الوحدات العسكرية اللبنانية التي لعبت دورًا في الاستقلال بخاصةٍ وأنّ ضباط «الجيش» هم من كانوا يتولّون قيادة الوحدات المختلفة لقوى الأمن.

بلغ عديد الوحدات العسكرية اللبنانية عشية الاستقلال 5000 رجل من ضباط ورتباء وأفراد، بينما العماد إميل البستاني يورد في مذكراته غير المنشورة، أنّ عديد الوحدات العسكرية في هذه المرحلة بلغ 3300 رجل موزّعين على الشكل التالي: 125 ضابطًا و503 رتباء و2672 فردًا.

عشية الاستقلال كانت العناصر اللبنانية موزّعة على ثلاثة أفواج (كتائب) قناصة وفوج (كتيبة) مدفعية، ونصف سرية الدبابات الخاصة، وكوكبة المصفحات رقم 3، وسرية الموقع وسرية مستودع الخيل، وسرية الإنشاءات الهندسية الخامسة، وسرية خدمة الطيران الأولى، وسرية الخيل، وسرية عملة الإدارة، وفصيل عملة المدفعية.

أما الثكنات التي تمركزت فيها الوحدات العسكرية اللبنانية، فكانت: مقر وزارة الدفاع الوطني، ثكنتا الطرابلسي والأمير بشير، مخازن مار مخايل الإدارية، وثكنات «كرانجه» و«لمبروان» و«غي»، وجميعها في بيروت. بالإضافة إلى معسكري الشياح وبعبدا، وثكنة الياس لاوون في طرابلس، وثكنة بنيامين تاجر في مرجعيون، وثكنة الخيام، وثكنة الخيّالة في المية ومية.

 

قبل تشرين الثاني 1943: نماذج في المواقف الوطنية

تعلن وثيقة 26 تموز 1941، أشهر وثيقة في التاريخ العسكري اللبناني، موقفًا صريحًا لمجموعة من ضباط الجيش اللبناني في قوات الشرق الخاصة. وقد جاءت غداة إعلان الجنرال كاترو، في 8 حزيران 1941، عزم فرنسا على إنهاء عهد الانتداب، ومنح لبنان استقلاله التام.

وقد كان للدور المهم، الذي أدّته سرايا القناصة اللبنانية، في معارك ما بين قوات فرنسا فيشي، وبين قوات الحلفاء على أرض لبنان في سنة 1941، أثر بارز في تقدير كفاءة سرايا القناصة القتالية. مما شجّع الفرنسيين، في ما بعد، على التفكير بتشكيل وحدة لبنانية، تحارب إلى جانبهم في أوروبا. ولكن أخذ العناصر اللبنانية إلى حرب، هم في غربة عن مراميها ومصالحها، لم يكن من السهولة بمكان. وهكذا، تنادى جمع من الضباط اللبنانيين، واجتمعوا في ذوق مكايل قرب جونيه في 26 تموز 1941، وأقسموا اليمين بعدم القبول بالخدمة، إلّا في سبيل لبنان وتحت رايته وبقيادة حكومته الوطنية، وصدر عنهم النص الآتي:

«نحن الموقعون بذيله ضباط القطع اللبنانية، نتعهد مقسمين بشرفنا، أننا لن نقبل الخدمة إلّا في سبيل لبنان وتحت رايته. على أن لا يكون لنا علاقة إلّا مع حكومته الوطنية. وأن نعمل لأجل تحقيق هذه الأمنية إلى ما شاء الله. وكل من لا يسلك هذه الطريق يعتبر خائنًا ويشهر به كذلك.

تحريرًا في السادس والعشرين من تموز 1941».

وقّع الوثيقة الضباط الذين تمكّنوا من حضور الاجتماع، وهم:

– برتبة كومندان: فؤاد شهاب، توفيق سالم، وقيصر زهران.

– برتبة كابيتن: جميل لحود، عادل شهاب، غطاس لبكي، وديع ناصيف، جان غازي، يوسف الخوري، جميل شهاب وسعدالله يحيى.

– برتبة ليوتنان: اسكندر غانم، ريمون حايك، منصور لحود، فؤاد لحود، سعدالله النجار، جميل الحسامي، جورج معلوف، ميشال نوفل، هنري غازي، جوزف حرب، عبد القادر شهاب، وجيه كرم، أنطوان روفايل، جورج درزي، نقولا سماحة، انترانيك عازار، فؤاد قديس، آرام سولكجيان، داود حماد، يوسف كسبار، ميشال فرح، إميل دوبين، انطوان عرقتي، إميل يزبك، ميخائيل أبو طقة، سعيد الخوري، كيغام موراديان، يوسف رستم، وفاتك زوين.

وقد صرّح العميد سعدالله يحيى، بأنّ «مجموعة الذوق»، عقدت عدة اجتماعات للتباحث في أمر العلاقة مع الانتداب، وليس فقط الاجتماع الذي تمّ فيه إصدار هذه الوثيقة.

لم تأتِ هذه الوثيقة بالطبع، من فراغٍ، بل أنّ جذورها تمتد حتى إلى الأشهر الأولى من تشكّل سرايا القناصة اللبنانية، وبالتحديد إلى معركة أكروم، التي جرت في 20 –21 أيار 1926. وهي كانت المعركة الأكثر دموية في مواجهات تلك المرحلة، ما بين قوات الانتداب والقوات المقاومة لها. ففي وقائع تلك المعركة، يمكن تسجيل مسألة حاسمة حصلت أثناءها وتتمثّل بانكفاء وتراجع مئتين من الخيالة، الذين كانوا مع القناصة اللبنانية واتفاقهم مع الثوار.

ومن دون تتبّع المواقف العسكرية ما بين 1926 و1945، نكتفي هنا، بوثيقة تأتي من آخر مرحلة الانتداب، تتحدث عن مواقف لضباط لبنانيين من القوات الخاصة اللبنانية، في قوات المشرق الخاصة. الوثيقة مرفوعة إلى القيادة العسكرية الفرنسية، وهي تُغني بقراءتها، عن أي تعليق أو تحليل لمواقف هؤلاء الضباط الوطنيين. وقد جاء فيها:

«اقتراح بمراقبة دقيقة لبعض من الضباط اللبنانيين بغاية الحصول على مستمسك إدانة يستوجب عقوبات صارمة لاحقة، ويقترح للبعض الآخر، تشكيلات جديدة إلى خارج وحداتهم. وكذلك عقوبات تأديبية بحق آخرين، تصل إلى حد الطرد من الجيش».

 

الإطار العام للاستقلال

يُعتبر لبنان الدولة الوحيدة في العالم التي أجرت انتخابات نيابية خلال الحرب العالمية الثانية في آب وأيلول 1943، وذلك بسبب إلحاح الإنكليز وضغطهم على الفرنسيين الأحرار. وفي 21 أيلول 1943، تمّ انتخاب صبري حماده رئيسًا لمجلس النواب، وفي اليوم نفسه تمّ انتخاب الشيخ بشارة الخوري رئيسًا للجمهورية من دون منافس. وفي 7 تشرين الأول 1943، نالت حكومة رياض الصلح ثقة النواب، وبدأت فورًا الاضطرابات السياسية مع الفرنسيين بسبب البيان الوزاري الاستقلالي، وقيام المجلس النيابي بتعديل الدستور (8 تشرين الثاني 1943) من دون إعطاء علم للفرنسيين الذين اعترضوا على هذا الإجراء. حضر الجلسة ممثّلون عن انكلترا، والولايات المتحدة الأميركية، ومصر، والعراق. وعلى الفور تُليَ مشروع القانون الدستوري المنوي تعديله وأُلغيت المواد المتّصلة بالانتداب.

بعد المناقشة القصيرة التي امتدّت ساعتين فقط، طُرح مشروع تعديل الدستور على التصويت من دون إحالته إلى لجنة خاصة لدرسه، فوافق عليه 48 نائبًا من أصل 55، وسارع رئيس الجمهورية إلى نشره في الجريدة الرسمية صباح 9 تشرين الثاني 1943 قبل وصول هلّلو إلى بيروت الذي وصلها بعد ظهر الثلاثاء في 9 تشرين الثاني 1943، وكان التعديل الدستوري قد نُشر.

 

ليلة الاعتقالات

أرسلت المندوبية الفرنسية فجر 11 تشرين الثاني 1943 وبالتوقيت نفسه وبطريقة فظّة، فرقًا عسكرية من العناصر السنغالية لاعتقال رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري، ورئيس الحكومة رياض الصلح، والوزراء: كميل شمعون، وسليم تقلا، وعادل عسيران، والنائب عبد الحميد كرامي وأودعتهم في قلعة راشيا بالحبس الانفرادي تحت حراسة فرنسية مشدّدة. وسيطرت القوات السنغالية على الشوارع الرئيسية في بيروت.

وعند الساعة 8,30 من صباح 11 تشرين الثاني، ألقى هلّلو خطابًا من راديو الشرق أعلن فيه التدابير التي اتّخذها والقرارات التي أصدرها، وهو القرار 464 الذي نصّ على عقد معاهدة اتّحاد ومودة فرنسية-لبنانية تكرّس نهائيًا استقلال البلاد، ولم يعترف بتعديل الدستور وأبقى على مواده كما هي، وحلّ مجلس النواب اللبناني، وأوقف تطبيق الدستور على أن يُعاد العمل به بعد إجراء انتخابات نيابية جديدة. والقرار 465 عيّن بموجبه إميل إدّه رئيسًا مؤقتًا للدولة وللحكومة إلى أن يُعاد تطبيق الدستور، مع تخويله السلطات المحدّدة في القرار 464. اشترط إميل إدّه الإفراج عن المعتقلين لكي يقبل بالتعيين المؤقّت، فوعده هلّلو بالإفراج عنهم لكنه لم يفعل. وكان هدف إميل إده التوقيع على معاهدة دفاعية مع فرنسا تحمي لبنان من الأطماع الصهيونية والسورية وتحافظ على استقلاله.

 

موقف فؤاد شهاب والجنود اللبنانيين

التزم الجنود اللبنانيون ثكناتهم ولم يكن في مقدورهم الانضمام إلى العصيان الوطني، لكن في تلك الفترة كان فؤاد شهاب يجمع الضباط في مكتبه تارة وفي منزله تارة أخرى، وينبّههم إلى دنوّ المواجهة مع سلطات الانتداب بقوله: «يجب أن نكون وطنيين مخلصين لبلدنا. وإذا لم نصطدم مباشرةً بالانتداب، علينا أن نُظهر للفرنسيين أننا مستعدون لخوض المعركة إلى جانب زعماء البلاد، حتى يحسبوا حساب الجيش اللبناني بشكلٍ آخر». وقد كان فؤاد شهاب يومها عقيدًا في شعبة جيوش الشرق الخاصة التابعة لأركان حرب القيادة العليا.

 

حكومة بشامون والحرس الوطني

أحاطت ردة الفعل الشعبية العنيفة، المعتقلين من رجالات الدولة، بحصانةٍ وشرعية جديدتين. وأحاطت كذلك، من لم يُعتقل من رجالاتها، بشرعية موازية. ومن دون الدخول في أشكال المواجهة الشعبية التي دارت يومها، انطلاقًا من الموقف الوطني المتماسك، الذي وقفته القيادات والأحزاب السياسية، فإنّ الحدث الأبرز من بين الأحداث التي تلاحقت تلك الأيام، كان تشكيل الحرس الوطني للدفاع عن الوطن والشرعية.

فقد أصدرت حكومة بشامون المؤلّفة ممَّن بقي حرًّا من وزارة الاستقلال (المير مجيد أرسلان والأستاذ حبيب أبو شهلا، إلى رئيس مجلس النواب صبري حماده)، قرارًا بتشكيل حرس وطني، وتولّى وزير الدفاع مجيد أرسلان تنفيذ القرار الذي تجاوب معه المواطنون بسرعةٍ. وقصدوا بشامون (قضاء عاليه) التي أصبحت في 14 تشرين الثاني 1943 تعج بعددٍ غير قليل من المقاتلين من مختلف الفئات المجتمعية، و«أضحت حاراتها بدورها أشبه بثكنات عسكرية، لا ترى فيها إلّا المسلحين، ولا تسمع إلا صلصلة البنادق». وكانت القيادة المباشرة، لمحامٍ من عين زحلتا (بلدة في الشوف) هو نعيم مغبغب، يعاونه منير تقي الدين (أصبح مدير عام وزارة الدفاع سنة 1947)، وأديب البعيني، أحد رجال الدرك الذي التحق بالثورة.

كان الحرس الوطني، بتأليفه السريع، وعناصره المندفعة على غير تدريب، على قدر المسؤولية والرهان، فقد استطاع أن يدفع بهجومين، شنتهما القوات الفرنسية – السنغالية باتجاه مركز حكومة بشامون. كان الهجوم الأول مساء 15 تشرين الثاني بواسطة سبع مصفّحات وشاحنات محمّلة بالجنود السنغاليين، فردّته وحدات الحرس الوطني. وعاود الفرنسيون الهجوم نهار 16 تشرين الثاني 1943 الساعة السابعة صباحًا، وبواسطة عشرة مصفّحات مجهّزة بالمدافع، ودارت بين الفريقين معركة على مشارف البلدة بشكل متقطّع، انتهت بانكفاء القوات الفرنسية، بعد أن فقدت بضعة جنود بين قتيل وجريح. فيما سقط شهيد من الحرس الوطني. وعلى أثر هذه المعركة، أصدر وزير الدفاع والقائد العام لقوات الحرس الوطني مجيد أرسلان بتاريخ 17/11/1943، البلاغ الحربي الوحيد تحت رقم 1 وهذا نصّه:

«هاجمت قوات فرنسية مسلّحة مركز الحكومة الشرعية في بشامون مساء الإثنين في 15 تشرين الثاني 1943، فردتها وحدات الحرس الوطني دون خسائر في النفس، وفي صباح اليوم التالي، شنّت القوات المصفّحة الفرنسية هجومًا عنيفًا على المركز المذكور فردت على أعقابها أربع مرات متوالية حتى الساعة الثالثة من بعد الظهر، وسقط بعض القتلى والجرحى من الجنود السنغاليين وفقدنا شهيدًا واحدًا يدعى سعيد فخر الدين من عين عنوب».

في الوقت الذي كان الحرس الوطني يدافع عن الشرعية في بشامون، وفي الوقت الذي رفضت الوحدات العسكرية اللبنانية تنفيذ أوامر السلطات الفرنسية، جرت واقعة بين أفراد الشرطة وحوالى ألف امرأة سِرْنَ في تظاهرة منظّمة في بيروت، وطالبن بعودة المعتقلين في قلعة راشيا. ولمّا علا صوت المفوض الصاخب آمرًا رجاله بالهجوم على المتظاهرات وتفريقهن بالقوة والسلاح لم يجد فيهم مجيبًا، بل وجدهم كلّهم مطرقين، فصفّقت عندئذٍ السيدات وهتفن. ولكنهن لم يكدن يصلن، حتى وصلت في أثرهن أربع سيارات كبيرة واثنتان صغيرتان مشحونة كلّها بالجنود السنغاليين، وعلى رأسهم ضباط فرنسيون، فنزلوا منها وسددوا بنادقهم ورشاشاتهم نحو المتظاهرات، فانفرط عقد المظاهرة.

توقفت المعارك في بشامون بفضل المقاومة التي أبدتها قوات الحرس الوطني من جهة، وعدم مواجهة الوحدات العسكرية اللبنانية لأبناء وطنهم من جهة أخرى. وكان الفرنسيون على استعداد لاستخدام العنف بمؤازرة الجنود السنغاليين إذا رفض اللبنانيون التعامل معهم. إلّا أن بريطانيا وجّهت إنذارًا إلى الفرنسيين، وطالبتهم بالإفراج عن المعتقلين في قلعة راشيا وإلاّ سترسل الجيش التاسع الإنكليزي كي يتدخّل عسكريًا لحماية الحكومة الشرعية وتثبيت الأمن والاستقرار. وبالفعل وصلت طلائع من هذا الجيش برًا من فلسطين، وبحرًا من مصر، إلى شواطئ بيروت.

في 18 تشرين الثاني عُقد اجتماع في مكان سرّي بين الجنرال كاترو والرئيس بشارة الخوري، وقد رفض خلاله الخوري جميع الإغراءات الفرنسية التي عرضها كاترو، وأصرّ على عودة جميع المعتقلين إلى مناصبهم والإبقاء على التعديلات الدستورية.

أفرجت فرنسا عن المعتقلين قبل ظهر 22 تشرين الثاني 1943، ورُفع العلم اللبناني الجديد على مبنى السراي ومركزي الشرطة والبلدية، كما رفع فوج القناصة اللبنانية الأول علم لبنان في ضهر البيدر. وبذلك أصبح 22 تشرين الثاني موعدًا للاحتفال بعيد استقلال لبنان وحلّ محلّ ذكرى العيد الوطني في الأول من أيلول (تاريخ إعلان دولة لبنان الكبير).

وقد تمّ الحصول على الاستقلال بفضل إرادة اللبنانيين، ودم الجرحى والشهداء الذين سقطوا خلال معركة الاستقلال وبينهم أطفال كانوا يشاركون في التظاهرات، وبفضل الظروف المؤاتية إقليميًا ودوليًّا.

 

المراجع

– قيادة الجيش اللبناني-مديرية التوجيه: تاريخ الجيش اللبناني، الجزء الأول (1920-1945)، اليرزة، ط.2، 2016.

– منير تقي الدين: لبنان!..ماذا دهاك؟، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1979.

– نقولا ناصيف: جمهورية فؤاد شهاب، دار النهار، بيروت، 2008.

– ألكسندر أبي يونس: إميل إده (1883-1949) قدّة الجمهورية اللبنانية، بيروت، 2019.

– CATROUX (Général): Dans la bataille de la Méditerranée; Egypte-Levant-Afrique du nord (1940-1944) témoignages et commentaires, Juillard, Paris, 1949.

– Edward SPEARS: Fulfillment of a mission; Syria and Lebanon 1941-1944, Leo-Cooper, London, 1977.