- En
- Fr
- عربي
سياحة في الوطن
في رحابة البقاع الغربي، تتربّع عمّيق كواحةٍ من السكون والعراقة، تحاكي في جمالها صفحاتٍ من التاريخ والطبيعة معًا. بلدة لبنانية صغيرة، لكنها تختزن إرثًا غنيًا بالذكريات القديمة والمشاهد الخلّابة التي تجمع بين السهول الخصبة والمياه العذبة ومشاهد الحياة الريفية الأصيلة. بين بيوتها المتناثرة ومحميّتها الشهيرة، تنبض حكايةٌ عن الأرض والناس، عن التجدّد بعد الدمار، وعن بلدةٍ أعادت رسم ملامحها بالحجر والسحر.
على بُعد حوالي ساعةٍ ونصف من بيروت، تمتدّ عمّيق في البقاع الغربي كلوحةٍ جذّابة نابضة بالحياة، تزدان بخصائصها الطبيعية الفريدة وسحرها الخاص. فهي البلدة التي تحتضن أكبر محميةٍ للمياه العذبة في لبنان، وتتميّز بتنوّع بيئيّ غنيّ وبمحيطٍ ريفيّ يفيض جمالًا وهدوءًا. تعدّ وجهةً مثالية لعشّاق السياحة البيئية الريفية، بما تجمعه من مذاقات القرى الأصيلة ونمط الحياة البسيط، إلى جانب دروب المشي بين الجبال والجرود الأخّاذة، والأنشطة المتّصلة بالمحميات والبحيرات.
عمّيق في التاريخ
ترقى عمّيق الحديثة في نشأتها إلى أكثر من نصف قرن، وفق دراسةٍ أعدتها الأستاذة آمال يوسف سميا، لنيل شهادة دبلوم في الدراسات المعمّقة في علم الاجتماع. وتشير الدراسة إلى أنّ موقعها قديمًا يختلف عن موقعها الحالي إذ تفصل بينهما مسافةٌ لا تتجاوز الكليومتر الواحد لجهة الجنوب الغربي من البلدة. وكانت بيوتها من الطين والحجارة، هجرها سكّانها على أثر زلزال العام 1956 بعد أن تصدّعت بالكامل. وقد قامت مصلحة التعمير آنذاك بإفراز مكان القرية الحالي على أرضٍ تخصّ النائب الراحل جوزيف سكاف، وشُيّد أوّل منزل فيها وفق شروط التنظيم المُدُني في العام 1963، وكان يخصّ السيّد يوسف جبّور. ومع حلول العام 1975، كان بناء عميق قد اكتمل تقريبًا.
الموقع والموارد الطبيعية
تقع عمّيق في قضاء البقاع الغربي على السفح الشرقي لجبل الباروك. يحدّها من الشمال منطقة الصفرا القريبة من بلدة قب الياس، ومن الجنوب قرية دير طحنيش، ومن الغرب جبل الباروك، ومن الشرق سهل البقاع. وتُعد من القرى الغنيّة بالمياه إذ تتدفَّق فيها عدّة ينابيع أهمّها: عين عابد وعين التينة وعين الصعلوك ونبع عمّيق الشهير، بالإضافة إلى المياه الجوفيّة المتوافرة بكثرة والآبار الارتوازية التي تروي سهولها. كما تشتهر بمستنقعاتها ومحميَّتها الطبيعية.
تُقسم عمّيق إداريًّا إلى ثلاث مناطق عقارية: عمّيق القرية وهي النواة السكنية الأساسية، منطقة الجرد التي تحيط بالبلدة وتكسوها أشجار الصنوبر، ومنطقة الشبرقيّة وهي منطقة زراعية تقع شرقي البلدة. وتتوزّع هذه المساحات ما بين أراضٍ زراعية وجبلية وبور وأحراج صنوبر ومستنقعات، يملك معظمها آل سكاف إذ تفوق ملكيتهم ثلثي أراضي القرية، في حين لا يملك غالبية الأهالي أي عقارات، حتى أنّ العديد من البيوت التي يَقطنونها ليست ملكًا لهم.
من فخر الدين المعني إلى آل سرسق فآل سكاف
شهدت بلدة عمّيق سلسلة من التحوّلات التاريخية في ملكيتها، بدأت منذ عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي جفّف مستنقعاتها ضمن إقطاعه، وكذلك فعل الأمير بشير الشهابي الكبير. في أواخر القرن الثامن عشر أصبحت ضمن إقطاع آل جنبلاط، ثم آلت ملكيتها إلى نعمان المعلوف ومن بعده أمين شكّور.
في أواخر القرن التاسع عشر، اشترى التاجر البيروتي يوسف سرسق أراضي عميق من صديقه أمين شكّور بعد أن خسرها إثر رهانٍ بينهما على سباق الخيل. وقد عمل سرسق على تجفيف المستنقعات وغرس الجبل بالنصوب. كما قسّم الأرض إلى قطع زراعيّة وحفر الخنادق ومجاري المياه، وجرّ مياه الشفة.
بعد وفاته، تقاسَم ولداه نجيب وألبير سرسق الملكية. في ذلك الوقت، كان لأهالي عمّيق مثل آل نعمة، أيوب، ناصيف، رزق، يعقوب وسواهم أملاك حصلوا عليها نتيجة صكوك الطابو التي أُعطيت لهم في أثناء مسح الأراضي في العام 1858. استغلّ نجيب سرسق نفوذه وعلاقاته بالحكّام لترهيب الأهالي، فدعا بعضهم، ومنهم المختار عيسى توما، إلى مأدبة في عين عابد، ورشاهم بالعباءات مقابل توقيعهم على صكّ يُثبت ملكيته للجبل ومشاع القرية، حتى شاعت مقولة: «إنَّ عمّيق بيعت بعباءة».
لاحقًا، استقدم لجنة عقارية استخدمها لتثبيت الملكية باسمه عبر تمثيلية صُورية جرت في منزل بشارة أبو سركيس، حيث زُوّرت إفادات البيع، فآلت أراضي عمّيق كلّها إليه. وعندما اكتشف الأهالي الحقيقة، قمعهم بالقوة فاضطر كثيرون إلى الهجرة، فيما سُجلت مساكن الطين البسيطة بأسماء أصحابها القاطنين فيها وشكّلت ما يُعرف اليوم بـ«عمّيق القديمة».
في العام 1918، قام نجيب سرسق بتوكيل إلياس طعمه سكاف لإدارة أملاكه في عمّيق، لكن الأخير ما لبث أن اشترى معظم الأراضي بعد أن غرق نجيب سرسق في الديون، بينما اشترى شخص ألماني يُدعى كوتلهف واكنر القسم الباقي.
في العام 1952، انتقلت ملكية حصّة سكاف إلى ولديه جوزيف وميشال، أما حصّة واكنر فباعتها عائلته إلى عائلات رزق وسابا والحاج شاهين وجان سكاف، خوفًا من أن تخسرها من جرّاء قرار فرنسا والحلفاء توزيع أملاك الألمان على من شاركوا في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الجيش الفرنسي.
مشاريع تحاكي المستقبل
يصف رئيس بلدية عمّيق، السيد هادي توما، بلدته بالساحرة لجمال مستنقعاتها وسهولها الخضراء، ما يجعلها المقصد الأول للسياحة البيئية الريفية خصوصًا لجهة التنزّه والمشي في مسارات الجبال والجرود الرائعة. من هنا، يولي المجلس البلدي أهميةً قصوى للحفاظ على طابع البلدة المميز، وقد وضع سلسلة خطط للتوسّع في النشاطات البيئية بهدف حماية الطيور المهاجرة والحيوانات البرية وتشجير الطرقات ومنع الصيد والحفاظ على مياه الشرب من التلوث، بالإضافة إلى معالجة مشكلة الفضلات الزراعية الناتجة عن الأسمدة التي تُلقى في مجاري المياه، وإغلاق الثغرات التي تهدّد التنوّع البيئي في المنطقة.
وفي إطار تعزيز الأمن المائي، تسعى البلدية إلى حفر بئر جديدة لمياه الشرب لتأمين حاجة البلدة كاملة، خصوصًا بعد تراجع منسوب نبعها الرئيسي، إلى جانب تشجيع المزارعين على اعتماد بدائل للمزروعات التي تتطلّب كميات كبيرة من المياه للريّ. أما في مجال الكهرباء، فتدرس البلدية مشروع إنارة الطرقات بالطاقة الشمسية في ظل الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، بعدما كانت عميق تتغذّى سابقًا بالكهرباء من سد القرعون على مدار الساعة قبل أن يشملها التقنين.
ويؤكد رئيس البلدية أنّ الخطوة الأهم هي السعي لخطة مستدامة تُبقي أهالي الضيعة متعلّقين بأرضهم إن من ناحية السكن أو العمل على مدار السنة: «ما بدنا الضيعة تفوِّل بالصيف وتفرغ من سكّانها بالشتي». فبرأيه، لا مانع من الاستقرار الدائم في عميق طالما أن مقوّمات الحياة الأساسية متوافرة، والهواء النقي يعبق في أرجائها، ما يجعلها قرية مثالية للعيش والعمل في آنٍ واحد.
موطن لتنوّع بيئي فريد
بغطاءٍ أخضر يمتد على مساحة 27 مليون قدم مربع، تعتبر محميّة عمّيق من أكبر الأراضي الرطبة الغنية بالمياه العذبة في لبنان، كما ببقايا المستنقعات والبحيرات الأكثر اتّساعًا التي كانت تُزيّن سهل البقاع في الماضي. أهمية هذه المحميّة، بحسب المدير العام لمصلحة سكاف – عمّيق ومدير المحمية المهندس عبدالله حنا، في كون ينابيعها تنبع من جوف أراضيها، ما يمنحها نظامًا بيئيًا فريدًا. كما أنّها تشكّل نقطة ارتكاز لحركة الطيور في الشرق الأوسط، وتُعتبر ثاني أهمّ خطّ لحركة الطيور في العالم بين أفريقيا وأوروبا الشرقية، وتُصنّف من بين أغنى المناطق اللبنانية بالتنوّع البيولوجي.
وقد أعاد المهندس حنا ضبط إيقاع المحمية واضعًا خطة بعيدة المدى تهدف إلى جعلها نموذجًا تفتخر به الأجيال القادمة. فشقّ القيّمون عليها مسارًا في داخلها للحفاظ على المياه والحياة البرية فيها، ليصبح أهم مسار للسير (hiking) في إطار السياحة البيئية، إذ يمكن للزوار مراقبة الطيور والحيوانات المتنوّعة والتمتّع بأبهى المناظر الطبيعية. وهو يؤكد ضرورة وضع ضوابط لمحبّي هواية الصيد كي تستطيع الطيور المهاجرة الاستراحة والتكاثر في أمان.
انطلاقًا من هذا النهج البيئي، بدأت مصلحة سكاف – عمّيق منذ العام 1990، بتنفيذ مشاريع تهدف إلى الحفاظ على البيئة واستدامة الزراعة في سهل البقاع، خصوصًا وأنّها تُعد من أبرز الجهات التي تسهم في حماية التنوّع الزراعي والبيئي في المنطقة، إذ تمتلك أكبر حيازة زراعية في لبنان. وتشمل أعمال المصلحة الزراعات الصيفية كالخضار والبطاطا، والشتوية كالقمح والشعير، إضافةً إلى الزراعات العلفية وأشجار الفاكهة وعنب النبيذ وعنب الطاولة. ويؤكد حنا أنّها «الجهة الوحيدة التي تعتمد دورة زراعية لعدم استهلاك الموارد الطبيعية الموجودة في الأرض مع دراسة الأثرين البيئي والاجتماعي لكل مشروع قبل تنفيذه».
أهم المناطق في الشرق الأوسط لعبور الطيور
برزت أهمية محمية عميق في العام 1994 حين صنّفتها «جمعية الطيور العالمية» كواحدة من أهم المناطق في الشرق الأوسط لعبور الطيور، إذ تأوي أكثر من 260 نوعًا من الطيور، من بينها أنواع نادرة ومهدّدة بالانقراض. كما أعلنتها اليونسكو «محمية محيط حيوي». وتضم المحمية أيضًا تنوعًا غنيًا من الحيوانات، والنباتات، والحشرات بما في ذلك أصناف نادرة تشكّل جزءًا من هذا التوازن البيئي الفريد.
وفي سياق مواكبة التغير المناخي والحفاظ على المياه ورطوبة الأرض، يوضح حنا أنّه «تمّ بناء سدّ بطول خمسة كيلومترات، وقد نجح في الحفاظ على نحو خمسة ملايين متر مكعب من المياه ما سمح لنا بالاستمرار حتى الآن». ونظرًا لأهميتها على الصعيد الإقليمي، أُدرجت المحمية ضمن اتفاقية رامسار الدولية المعنية بالأراضي الرطبة ذات الأهمية البيئية.
ويشير حنا إلى التعاون الوثيق بين إدارة المحمية وبلدية عمّيق، التي تمثّل السلطة التنفيذية في المنطقة، مؤكدًا أنّ هذا التنسيق أثمر نتائج ملموسة على الصعيدين المحلي والبيئي، إذ شهدت المنطقة خلال العقود الأخيرة تحوّلًا نوعيًا في السياحة البيئية وحماية الأنظمة الطبيعية، وقد ازدهر بشكلٍ خاص نشاط مراقبة الطيور، الذي يجذب عددًا متناميًا من الزوار.
نكهة التراث البقاعي
في موازاة الاهتمام البيئي، يحرص القيّمون على عمّيق على تعزيز مفهوم تنمية الريف عبر تجربة ضيافة ريفية في «طاولة عمّيق»، وهي المطعم البيئي الأول في لبنان الخالي من أيّ منتجات مستورَدة، والذي يعتمد كليًا على منتجات محلية من البقاع الغربي. فجميع المكونات والمأكولات والمعدات وحتى الكوادر العاملة، تنتمي إلى المنطقة، حيث تُعِدّ سيدات عمّيق أطباقًا بقاعية أصيلة تعكس غنى المطبخ التراثي.
وتتميّز «الطاولة» بإطلالتها الخلابة على الوادي الخصيب وجبل حرمون، وقد أصبحت من أبرز الوجهات التي يتداولها روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يقصدها الزوار من لبنان والخارج لتجربة المذاق الريفي الأصيل. كما أُنشئ مشروع «بيت عمّيق»، وهو بيت ضيافة، يتيح للزائر الإقامة في أجواء ريفية هادئة تعبق بعبير الأرض والبساطة.
مسارات تستحق الاستكشاف
تُعدّ بلدة عمّيق وجهة طبيعية استثنائية لعشّاق المشي والاستكشاف، حيث تتنوّع المسارات البيئية فيها بين السهلة والطويلة، وتقدّم للزائر تجربة غنية تجمع بين الرياضة والتأمل في أحضان الطبيعة.
المرشد البيئي وعضو المجلس البلدي في عميق نيكولا أبو سمرا يشير إلى وضع خطة شاملة لتطوير هذه المسارات التي تنطلق في أوائل الربيع، وتتنوّع بين مسارات سهلة (11 كلم) مناسبة للعائلات، ومسارات طويلة للمحترفين (14 كلم).
تبدأ الجولة غالبًا من مدخل المحمية حول مستنقعات الماء، مرورًا ببرج مراقبة الطيور الذي يُعدّ محطة مثالية للتصوير والاستراحة، ثم يصعد المسار إلى تلة ترتفع نحو 100 متر مطلة على سهل البقاع في مشهد بانورامي رائع. يتابع الزائر طريقه عبر غابة الصنوبر التي توفر الظل حتى في الأيام المشمسة، مرورًا بغابة الأرز وقصر سكاف التاريخي، وصولًا إلى قرية عمّيق القديمة أو أطلالها، لينتهي المسار عند «طاولة عمّيق».
ويمتاز هذا المسار بمروره عبر سهول القمح في موسم الحصاد، وحوش عمّيق، وهو مبنى أثري كان يُستخدم لإهراءات القمح، إلى جانب إسطبل الخيل ومزرعة الحيوانات.
أما المسار الأطول، فيشمل زيارة ينابيع متعددة مثل عين عابد، نبع الصعلوك، وعين التينة، إضافة إلى شجرة الستّ التي يُقدّر عمرها بنحو 1300 سنة، لتشكّل محطات تجمع بين الجمال الطبيعي والتاريخ العريق، وتُغني تجربة المشي في قلب الطبيعة البقاعية.
تجربة تُخلّد في الذاكرة
عمّيق هي جنة الله على الأرض إذ تجمع بين روعة الطبيعة وغنى التراث، لتقدّم لزائريها تجربة فريدة تمتد بين المستنقعات والجبال والغابات.
هي بلدة تنبض بالحياة في كل زاوية، حيث تتعانق فيها السياحة البيئية مع العمق التاريخي والديني، فتمنح الزائر متعة التنوع بين الهدوء والجمال والأصالة.
زيارة عمّيق ليست مجرّد رحلة… بل تجربة تُخلّد في الذاكرة. وإن زرتها في الخريف فستشعر أنك في حقول من ذهب!











