غياب

شاعر الربيع طليع حمدان ختم العمر في الخريف ومضى…
إعداد: نور كيروز

رحل في تشرين شاعرٌ حمل الربيع في قلبه، وغرس في الزجل عبق الورد وندى النسيم. أغمض طليع حمدان عينيه، تاركًا وراءه قوافي تنبض بالحياة، وصدى صوتٍ لن يُمحى من ذاكرة الفن الشعبي اللبناني.
الزجّالون صنّاع الفرح، يرصّعون الحياة بزهوٍ وحماسة، ميزتهم النباهة وسرعة البديهة، وسلاسة القوافي. يتّخذون من الزجل وسيلةً للتعبير، وتدوين الأحداث، ونقد الواقع، وبثّ العواطف.
مع مطلع القرن العشرين تبلورت مدارس الزجل اللبناني مع الشاعر رشيد نخلة الذي رفع مقام هذا اللون من الشعر الشعبي، ثم عرف الزجل نهضة تخطى بها حدود الوطن، وتعددت مدارسه، وظهر التحول في مسيرته، فانتقل من إطار البيت والباحة، والمناسبة، إلى المنبر، ليغدو فنًّا احترافيًا مرتكزًا على قواعد ثابتة مع «شحرور الوادي» (أسعد الخوري الفغالي) الذي أسس أول جوقة زجلية في العام 1928، لتتبعها بعد ذلك جوقات أخرى.
ومع مرور الوقت، أصبحت الحفلة الزجلية احترافًا، وصار لكل حفلة موضوع خاص تدور حوله المساجلة، وصار للحفلات مواعيد، وبطاقات للحضور في أماكن عامة. وبدءًا من العام 1933، تشكلت جوقات عديدة تُحيي المواسم والمناسبات المختلفة.

 

ولادة شاعر
من رحم هذا التراث الشعري العريق، وفي قرية عين عنوب المشهورة بعيون المياه، وُلد طليع نجيب حمدان في العام 1944، في كنف عائلة كبيرة مؤلفة من أحد عشر ولدًا، وسط بيئة غنية بجمال طبيعتها، اشتهرت بالشعراء أمثال الياس حرب وجميل وشفيق شجاع. وكانت جوقات الزجل تحيي الأعراس في عين عنوب، فتتردد فيها أصداء المنادب والمعنّى والشروقي، وتدور المناظرات الزجلية بين «الشحرور» والشاعر الزجلي علي الحاج.
وكان نجيب حمدان، والد طليع، يشارك بصوته الشجي في لقاءات «الندب» إلى جانب زغلول الدامور وزين شعيب. وفي إحدى زيارات الأخير لدار حمدان، أنشد الفتى طليع أمامه بضع رداتٍ على سجيته، نالت إعجاب شعيب ورسمت في نفس الفتى ملامح مستقبل، فصار يتخلّف عن المدرسة ليتابع حفلات جوقات الزجل، ومن بينها جوقة «شحرور الوادي» التي تضم الشاعر علي الحاج.
أخذ طليع يقصده في منزله في القماطية، يسير إليه على دروبٍ تفوح بشذى الأزهار البرية، فيُسمِعه ردّاته العفوية العابقة بصفاء القلب والطبيعة. وكان الشاعر الزجلي يثني على موهبته ويشجعه على المثابرة، الأمر الذي ترك أثرًا عميقًا في نفسه، ودفعه إلى المضي في تنمية موهبته وصقلها، مستعينًا بصورٍ جميلة متآلفة من خياله الخصب، وهكذا راحت موهبته تتبلور شيئًا فشيئًا، وتترسخ بالمراس والجهد والغربلة.

 

… وتتويجه ملكًا للشعر
يروي طليع حمدان عن تلك المرحلة وكان قد تزوج حديثًا، أنّه ذات ليلة، كان الشاعر علي الحاج في ضيافة والده، وفي أجواءٍ من الودّ والأنس، دار بينهما حديث عن الشعر والموهبة، فالتفت الحاج إلى طليع وقال أبياته التي خلّدت في ذاكرته:
يا طليع اللي بعرفك إبــن وصديـــــق
صدرك بيوسع كل ما بيتك يضيق­
مَنها عجيبة إن كترت عليك الضيوف
النحـــــل ما بيحــــــوم إلا ع الرحيـــــق

فتلقّف طليع الأبيات بروحه الشغوفة بالشعر، وردّ بعفويته المحبّبة:
يا شاعر اللي خالق من العتمة روحك
بـــتسكــــــــن بحـــــر خمرة معتــــقـــــة
لو مـــا الربيـــع توحـــد علـــى شيبتـــك
مــا لبســت تياب البيـــاض الزنبـقــة
ودارت بينهما مساجلة عابقة بالإعجاب المتبادل، ختمها الشاعر علي الحاج بالثناء على شعر حمدان قائلًا: «رح اشلحلك تاجي وإنت تلبسو».
انتظمت موهبة حمدان في إطارها المشتهى، لمّا دعاه الشاعر زين شعيب لمشاركته في حفلةٍ زجلية في كازينو خلدة في العام 1964، فكانت تلك باكورة الحفلات وانطلاقة الاسم الذي سيُصبح لاحقًا علامة فارقة في عالم الزجل: طليع حمدان. ومنذ تلك الأمسية، سطع نجمه وتألّق أكثر في العام 1965 إلى جانب زغلول الدامور الذي ضمّه إلى جوقته، فكان حمدان يضفي على الصور الزجلية محاصيل جديدة، تفيض أصالةً وتُنمّقها ردّاتٌ نمت في خميرة عين عنوب، حيث تفتّحت موهبته الأولى.
توالت الحفلات اليومية للجوقة في جميع المناطق اللبنانية، وجذبت الآلاف من محبّي الزجل الذين واكبوا تألُّقها حتى وصلت إلى العالمية، في الولايات المتحدة الأميركية، وأستراليا، والبرازيل والأرجنتين، وصولًا إلى البلدان العربية، حاملة إلى اللبنانيين في بقاع الأرض، الشوق والحنين إلى الوطن وإلى أصالته ورائحة ترابه وطيب تقاليد أهله. كانت آخر تلك الجولات في أوتاوا – كندا العام 1973، إذ توقفت بعدها إثر اندلاع الحرب اللبنانية.
في العام 1976، أنشأ طليع حمدان جوقته الخاصة وأطلق عليها اسم «جوقة الربيع»، فأحيت حفلات في مختلف المناطق اللبنانية، كما جابت دول أوروبا وأميركا والخليج العربي ناشرةً أصداء الزجل اللبناني الأصيل.

شاعر الربيع
عُرف حمدان بلقب «أبو شادي» ولُقّب بـ «شاعر المنبرين»، إلا أنّ أحبّ الألقاب إليه كان ما اختاره لنفسه: «شاعر الربيع، والزهور والنسيم». اعتُبر أحد أبرز شعراء المنابر الزجلية. غنّى بمواضيع مختلفة وصدح بزجلٍ رشيق منقّى، ردّات تنضح بالعفوية الجبلية. ماهرٌ في مسالك القوافي، ضليعٌ في سبك الصور، مخلصٌ لسياق النغم. وكان يفاخر بأنّه الشاعر الذي أبكى الناس في قصائد المراثي كما لم يفعل غيره.
وعن بداياته قال في حفلة مبارزة زجلية مع زغلول الدامور:
بلشت ع المنبر ابـن عشريــــن عــــام
والمجد علقني على صدرو وســــــام
وهلق معك بلشت كوكب مع ظلام
لكن فطوري عليك مش قد الصيام
كيف بدي إنتهــي بمســــك الختـــام
هلــق بقلك كيــف يا ريش النعـــــام
رح بنتهي وحـدي لِ هالمنبـــر إمــام
وإجبــر ألف زغلول يضربلـــي ســلام
حتـ­ى العـم يربّوا طيـــور بيشبهـــوك
حرّمــــــهن يـــربّوا زغاليـــــــل الحــــمام
ومن ردّاته اللطيفة في الغزل:
ليش عم تتعذبي كل يوم
وما في حدا بيشعر مع التاني
قالو بيرتاح الــورد بالنــوم
وإنتـــــي بعـــزّ النــوم تعبانــــــي
كانت وطنيته حاضرةً بقوّة في شعره، فافتخر بلبنان وجسّد في قصائده صورة الوطن الريفي الجميل، معزّزًا الانتماء إلى الأرض والهوية اللبنانية الأصيلة. ولم تقتصر قضاياه على الوطن فحسب، بل شملت الأمة العربية كلّها، إذ حمل هموم الشعب الفلسطيني وعبّر عنها بصدقٍ وإحساس.
بعد رحلةٍ زاخرة بالفن والعطاء، شقّ طريقها بين العيون والوديان، رحل طليع حمدان في 25 تشرين الأول 2025، تاركًا في أشعاره وقوافيه لوحات حية نابضة بالشعور، الجمال ومباهج الطبيعة. ألبس الكلمات معانيَ تضوع بالفرادة وبالعلوّ، وأغنى تراث لبنان الزجلي بزهور الخيال النادرة. وقبل أن يرحل كتب:
لـولا ملاك المــوت موتنـــي وهجـــر
موتي حياتي مش نهايتي ولا ضجــــر
جسمي وطن بصيـــــر تـــــرابو حـــــجر
وأزهار تشربنــي وشجـــر يحمــل بشـــر
واليوم يلّي بصيرو يقطفوني في الكلام
بكرا بصيـروا يقطفونـــي من الشـجــر
غاب طليع حمدان، وبغيابه، طوى الزجل صفحةً من أنضر صفحاته، إذ فقد أحد فرسان منبره، وركيزةً من ركائز الكلمة الجبلية الأصيلة.
أعمال حمدان
من مؤلفات ودواوين شعر:
براعم ورد 1990، جداول عطر 1995، ليل وقمر 1999، انطريني أنا جايي 2011 ، افتتاحيات طليع حمدان 2014.

جوائز
وسام الأرز من الرئيس إميل لحود العام 2001.
درع تقديري من الرئيس رفيق الحريري العام 2002.
درع من الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، أستراليا 2007.
ميدالية كمال جنبلاط تقدمة المكتبة الوطنية، بعقلين 2013.