- En
- Fr
- عربي
قطاعات إنتاجية
ومع تخطّي سعر الأوقية (الأونصة) الواحدة عتبة الأربعة آلاف دولار في منتصف شهر تشرين الأول الفائت، يُطرح تساؤل جوهري: كيف يمكن للبنان أن يستفيد من الأرباح التي حقّقها مصرف لبنان نتيجة هذا الارتفاع في حلّ أزمته المالية، لا سيما وأنّها بلغت في هذه الفترة 7.27 مليارات دولار وفق نشرة مصرف لبنان؟
بدايةً، لا بد من عودة سريعة إلى العوامل التي أدت إلى الارتفاع غير المسبوق في سعر الذهب. من هذه العوامل أزمة التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على معظم الدول الصناعية والكبرى في العالم، والتي أدت إلى حالة من الضبابية والتوترات التجارية، دفعت بالمستثمرين إلى الملاذ الآمن. إلى ذلك، أسهمت التوترات الجيوسياسية، ولا سيما في الشرق الأوسط، والسجال بين الرئيس الأميركي والاحتياطي الاتحادي بشأن السياسات النقدية، في تعزيز الشكوك بشأن استقلالية البنك المركزي الأميركي، وسط توقعات تراجع الاقتصاد الأميركي واحتمال دخوله في ركود تضخمي.
ويقول الدكتور شادي خنيزير، الأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية وجامعة الحكمة، والباحث الاقتصادي في مختبر PACTE في جامعة غرونوبل – فرنسا، أنّ ارتفاع أسعار الذهب في الوقت الراهن يعود إلى مجموعة من العوامل الجيوسياسية المعقدة، أبرزها تصاعد التوترات والحروب التجارية وزيادة المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي، ما دفع المستثمرين، أفرادًا ودولًا، إلى التحوّط عبر الذهب كملاذٍ آمن.
ويضيف أنّ الدول والحكومات وسّعت بدورها دائرة مشترياتها من المعدن الأصفر بشكلٍ غير مسبوق، ولا سيما بعد تجميد الأصول الروسية في العام 2022، مشيرًا إلى أنّ هذا التوجّه نحو زيادة احتياطات الذهب لدى البنوك المركزية، يعكس تغييرًا استراتيجيًا في طريقة إدارة الأصول حيث أصبحت هذه الاحتياطيات تلعب دورًا حيويًا في مواجهة العقوبات المالية والاضطرابات النقدية.
ويلفت الدكتور خنيزير إلى أنّ التاريخ يكرّر نفسه جزئيًا: فبين العامين 1980 و2011 بلغ الذهب قممًا تاريخية بسبب الأزمات الاقتصادية، إذ لجأ المستثمرون حينها إلى الملاذ الآمن. لكنّه ما لبث أن تراجع إلى نحو نصف قيمته، عندما رفع الاحتياطي الفدرالي الأميركي الفائدة، ما عزّز قوة الدولار ودفع بالمستثمرين إلى تحويل أموالهم نحو الأصول المُنتجة.
لكنّ المشهد اليوم مختلف، لأنّ الارتفاع الحالي مدفوع بمزيجٍ من الطلب الرسمي من الحكومات والسياسات النقدية المتقلبة، إلى جانب التوترات الجيوسياسية المستمرة، ما يجعل احتمالات التصحيح الحاد أقل بكثير مقارنة بالماضي. غير أنّه في حال وقوع اضطراب حاد في النظام المالي الدولي، أو فقدان الثقة بالدولار، نتيجة التراكم المفرط للديون الأميركية، أو تغيّر موازين القوى النقدية العالمية، فقد نشهد انهيارًا شبه كامل لاقتصادات العالم وتغييرًا جذريًا في النظام الاقتصادي العالمي بما يشبه، وربما يتجاوز، ما حصل خلال الكساد الكبير في العام 1936، مع ما يحمله ذلك من تهديد وجودي للنظام المالي المعتمد على الدولار كعملة احتياط دولية.
التضخم والخشية من انهيار مالي شامل
يؤكد الدكتور خنيزير أنّ الاقتصاد الأميركي يعيش مرحلة دقيقة من التوازن الهش. فالتضخم لا يزال أعلى من الهدف البالغ 2%، في حين تبقى الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبيًا، وهي سياسة الحذر التي يعتمدها رئيس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول، الذي تنتهي ولايته في أوائل العام 2026، رافضًا خفض الفائدة حاليًا، على الرغم من الضغوط السياسية والاقتصادية، خشية حصول ما يُعرف بـ Financial Reset أو انهيار مالي شامل، في ظل بلوغ الدين العام الأميركي أكثر من 40 تريليون دولار. فخَفْض الفائدة في هذا السياق قد يؤدي إلى تراجع حاد في قيمة الدولار، ما يهدّد استقرار النظام المالي العالمي.
ويشير الدكتور خنيزير في المقابل إلى الحديث المتزايد عن احتمال تسلّم بول أتكينز، المدعوم من الرئيس الأميركي، منصب رئاسة الاحتياطي الفدرالي لاحقًا، والمعروف أنّ سياسته تختلف جذريًا عن سلفه، إذ يدعم العملات الرقمية المشفّرة كجزءٍ من النظام المالي المستقبلي، الأمر الذي يثير مخاوف من انتقال التحويلات الرسمية إلى قنوات رقمية أقل خضوعًا للرقابة، ما يخلق تحدّيات في مجال الشفافية والسيادة النقدية.
ويعتبر أنّه في حال تحقّق هذا السيناريو، من المتوقع أن يشهد الذهب ارتفاعات قياسية وربما غير مسبوقة قد تتجاوز 10,000 دولار للأوقية (للأونصة) نتيجة فقدان الثقة بالنظام النقدي القائم، وتزايد الطلب على الأصول الحقيقية.
احتياطي الذهب اللبناني وإمكانات استثماره
وعن إمكان استفادة لبنان من ارتفاع قيمة احتياطي الذهب، يوضح الدكتور خنيزير أنّ لبنان يمتلك واحدًا من أكبر احتياطات الذهب في المنطقة، إذ يبلغ هذا الاحتياطي حوالى 286.83 طنًا، ما يشكّل ثروة استراتيجية يمكن استغلالها بعدة طرق لتعزيز الاقتصاد الوطني ومواجهة التحدّيات المالية الراهنة.
ويقترح في هذا الإطار عدّة خيارات، من أبرزها:
1- تأجير جزء من الذهب، عبر دخول لبنان في اتفاقيات تأجير مع دولٍ أو مع المصارف المركزية العالمية، ما يتيح له الحصول على عائد سنوي ثابت. هذا الخيار يحافظ على الملكية الوطنية للذهب ويضمن تدفقًا ماليًا يساعد في تحسين الوضع المالي للبلاد.
2- استخدام الذهب كضمانٍ للقروض، فمن خلال استخدام احتياطي الذهب كضمانٍ للحصول على قروضٍ ميسّرة من مؤسساتٍ مالية دولية، يمكن تأمين تمويلات إنتاجية تُسهم في تنشيط الاقتصاد. هذه الخطوة قد تشمل مشاريع في قطاعات حيوية مثل البنية التحتية والطاقة، ما يعزّز النمو الاقتصادي ويوفّر فرص عمل.
3- إصدار سندات مدعومة بالذهب، ما يعيد الثقة بالمالية العامة ويجذب الاستثمارات. تمنح هذه السندات للمستثمرين ضمانات قوية، إذ ترتبط قيمتها بقيمة الذهب، ما يجعلها خيارًا جذابًا لرؤوس الأموال الباحثة عن الأمان.
4- إنشاء صندوق سيادي للذهب، بهدف إدارة احتياطي الذهب بشكل مؤسسي، ويمكن لهذا الصندوق استثمار العائدات الناتجة عن تأجير الذهب أو استخدامه كضمان لقروض، ما يضمن تحقيق فوائد طويلة الأمد للاقتصاد.
5- تطوير شراكات دولية مع مؤسسات مالية دولية أو شركات خاصة لاستثمار جزء من احتياطي الذهب في مشاريع إنتاجية ذات مردود مرتفع. يمكن لهذه الشراكات الإسهام في تعزيز الابتكار وتحقيق التنمية المستدامة.
ويشدد خنيزير على أنّ هذه الخيارات تتطلّب مستوى عاليًا من الشفافية والإدارة المستقلة لمنع أي هدر أو سوء استخدام. كما أنّ أي استراتيجية شاملة لإدارة احتياطي الذهب، تستوجب إشرافًا دقيقًا من الجهات الرقابية الوطنية والدولية لضمان تحقيق أقصى قيمة ممكنة من هذا المورد الاستراتيجي. ويؤكد أنّ الاستفادة من احتياطي الذهب هي فرصة للبنان لتعزيز اقتصاده وتحقيق استقرار مالي أكبر في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها.
خيار محفوف بالمخاطر
عن لجوء لبنان إلى بيع جزءٍ من احتياطه من الذهب والمخاطر المحتملة، يرى الدكتور خنيزير أنّ بيع جزء محدود ومدروس من احتياط الذهب ممكن من حيث المبدأ، شرط أن يتمّ ذلك ضمن خطة وطنية شاملة، وليس كحلٍّ مؤقت. يمكن تخصيص جزءٍ من عائداته لإعادة قسمٍ من ودائع اللبنانيين في المصارف لا سيما وأنّ خسائر المودعين نتجت في جزء كبير منها عن ديون الدولة وسوء إدارة القطاع المالي.
أما المبالغ المتبقية فيُستحسن توجيهها نحو مشاريع إنتاجية وخدماتية تعزّز النمو المحلي وتدرّ إيرادات للدولة، ما يسمح بتسريع التعافي الاقتصادي وتحقيق توازن مستدام.
وهو يشير إلى خياراتٍ أخرى إلى جانب البيع المباشر مثل:
1- إنشاء صندوق سيادي للذهب لإدارة العائدات بشكل مؤسسي ومستقل.
2- مبادلات ذهب مقابل ديون (Gold for Debt Swaps) لتخفيض الدين العام.
3- شراكات مع مؤسسات دولية لاستثمار جزءٍ من الاحتياطي في قطاعات إنتاجية ذات مردود عالٍ.
لكنّ خنيزير يلفت إلى أنّ هذه الخيارات كلها تحمل مخاطر سياسية واقتصادية، أهمها فقدان جزءٍ من الغطاء الذهبي الذي يمثل رمزًا للثقة النقدية في لبنان. لذا، فإنّ أي خطوة يجب أن تمرّ عبر مجلس النواب وبإشراف مصرف لبنان والهيئات الرقابية الدولية، لضمان الشفافية والمصلحة العامة.
في الختام، يؤكّد الدكتور خنيزير أنّ الذهب اليوم لم يعد مجرد ملاذ آمن للمستثمرين فقط بل أصبح أداة استراتيجية للدول في مواجهة التحوّلات المالية العالمية المقبلة. وفي ظل الحديث عن تغيّر النظام النقدي وظهور العملات الرقمية السيادية، يبدو أنّ المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة رسم الخريطة المالية العالمية، وسيكون الذهب في قلب هذا التحول كمرجعٍ للثقة والاستقرار.











