- En
- Fr
- عربي
قضايا إقليمية
كان مستشار الرئاسة الأميركية زبغنيو بريجنسكي يقول: إنّ المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية محكومة بألّا تؤدي إلى شيء بسبب الخلل في موازين القوى، وأنّ المخرج الوحيد يكمن في أن تأخذ واشنطن المبادرة وتضع الشروط المناسبة ثم تدعو الجانبين للتوقيع عليها. وينطبق هذا على خطة الرئيس الأميركي ترامب الأخيرة، بعد عقود من التسويف والعذاب وبعد عامين ونيّف من حرب الإبادة والأوضاع الإنسانية المأساوية في قطاع غزّة، مما شكّل تحديًا للدعم الأميركي المطلق لدولة الاحتلال، إذ بات من الصعب الاستمرار في التماهي مع السردية الإسرائيلية الكاذبة والظالمة.
أتت الخطة بعد أن وصل الفلسطينيون إلى اليأس من الاحتلال والاستيطان الذي لا ينتهي في الضفة الغربية والحصار الخانق على قطاع غزة، وإلى اليقين بأنّ قضيتهم باتت على وشك الاختفاء من جدول الأعمال العربي والعالمي. كما أنّ نصوص الخطة الحالية منحت «إسرائيل» مساحة للطعن في أي خطوة عربية أو فلسطينية باعتبارها غير مكتملة أو غير مستوفية للمعايير، في حين لا تملك الدول العربية والإسلامية أي آليات لفرض التزامات متقابلة على تل أبيب، سواء في ما يخص الانسحاب أو الحدود أو الترتيبات الأمنية. والخطة لا تقدّم تصورًا لبناء سيادة فلسطينية، بل تُبقي القطاع في وضع «إدارة أمنية» متعددة الأطراف، بما يشبه الوصاية أو الانتداب الدولي، وهو ما يعزز الأمر الواقع ويكرسه بدلًا من تغييره. ومن منطلق هذا العنَت تحولت القضية الفلسطينية إلى قضية سياسية إنسانية داخلية في معظم دول العالم. وتصاعد الغضب الدولي إزاء جرائم «إسرائيل» المروّعة وتزايدت الدعوات للتعامل معها بوصفها دولة منبوذة ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، واعتبار قادتها مجرمين مطلوبين للعدالة الدولية. ومعلوم أنّه منذ بداية الحرب لم ينجح العالم بأسره، ولا الدول العربية، ولا الأمم المتحدة، ولا محكمة الجنايات الدولية، ولا المنظمات الحقوقية العالمية، بمنع أو حتى تخفيف حجم الإجرام الإسرائيلي والقتل والدمار والمعاناة التي لحقت بسكان قطاع غزة المستضعفين.
الهجوم على قطر
لا شك في أنّ الهجوم الإسرائيلي الفاشل على «الدوحة» كان له تأثير كبير في إحراج الرئيس ترامب، المعروف بأسلوبه غير التقليدي القائم على البراغماتية الخالصة، وعدم تصنيف الأنظمة أو محاسبتها على سجلاتها الحقوقية، وهو رأى كيف التفّت الدول العربية والإسلامية حول قطر، وأقرّ بالتالي بضرورة إنهاء الحرب وعدم السماح لنتنياهو بمزيدٍ من الصلف ومحاربة العالم كله والمماطلة وتعقيد الأمور. عندها، أُجبر الأخير على الموافقة على وقف إطلاق النار بعدما وصل لنتيجة مفادها أنّ إنهاء حماس عسكريًا بات مستحيلًا، والأسهل لاستعادة الرهائن هو التوصل لاتفاق، على الرغم مما يعنيه ذلك من نتائج واستخلاصات مثل فشل «إسرائيل» بتحقيق أهدافها الأيديولوجية والعقائدية من الحرب، وفي مقدّمتها تهجير سكان قطاع غزة، وإعادة احتلاله بالكامل، على طريقة سموترتش وبن غفير، وعودة الاستيطان فيه. لكن وعلى الرغم مما اعتبرته تل أبيب «إنجازات عسكرية» – كالقضاء على جزء كبير من القدرات العسكرية لحماس، واغتيال أبرز قياداتها السياسية والعسكرية، إلى جانب عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء – فإنّها لم تنجح بفرض إرادتها السياسية الكاملة ولا في تحقيق أهدافها المعلنة تجاه القطاع أو القضية الفلسطينية عمومًا، بخاصةٍ بعد أن نجحت المقاومة فعليًا في مواجهة الإبادة والضغط باتجاه وقف الحرب، بدعم من شعوب العالم التي أثبتت بأنّ إرادتها قادرة على أن تلتف حول قضية إنسانية وأخلاقية عميقة، وأن ترفض الظلم والدمار والقتل الجماعي. فلا يمكن تخيّل التحوّل في مواقف حكومات أوروبية مركزية مثل إسبانيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، من دون موجات الاحتجاج والمظاهرات التي عمّت شوارع مدن تلك البلدان، والتي أجبرت قادتها على إعادة النظر في مواقفهم وتخفيف حدّة تأييدهم لدولة الاحتلال.
حيثيات الخطة
في 4 شباط 2025، أعلن الرئيس الأميركي ترامب نيّته بفرض سيطرته الإدارية على قطاع غزة، وعرض رؤيته لتطوير القطاع وتحويله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط». وذلك من خلال تهجير قسري لما يقرب من مليونَي فلسطيني من أرضهم، إضافة إلى إزالة أكثر من 50 مليون طن من الحطام والذخائر غير المنفجرة. وعندما سُئل عن طريقة الاستحواذ على المنطقة، صرّح بأنّ الولايات المتحدة «ستأخذها»، هكذا. وقد واجه هذا المقترح انتقادات حادة من عدة دول ومنظمات، في حين نال دعمًا قويًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو. وفي 9 أيلول 2025، وفي حين كان الرئيس ترامب يعوّل على نيل جائزة نوبل للسلام، أعلن عن خطة تسوية من 20 بندًا تهدف إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة وانسحاب تدريجي لجيش الاحتلال وتحويل عزلة «إسرائيل» إلى عزلة لحماس. وتضمنت الخطة أيضًا وقفًا لإطلاق النار، وتبادل الأسرى، ونزع سلاح حركة حماس، واستبدال حكمها بإدارة فلسطينية تكنوقراطية تحت إشراف دولي، يقودها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير. وباختصار، اكتشفت «إسرائيل» حدود قوتها. فهي لا تستطيع التحوّل إلى «إسبرطة» عسكرية مكتفية بذاتها، في حين أنّ وجودها، وأمنها واقتصادها، ما زالت مرهونةً بقبول العالم لها وبعلاقاتها مع الغرب. ومع تصاعد المقاطعات الأكاديمية والثقافية، وتزايد الانتقادات الدولية، بدأت تدرك أنّ صورتها تتآكل، وأنّ استمرار الحرب يكلّفها غاليًا سياسيًا واقتصاديًا ومعنويًا. وفي حين تمثّل المرحلة الأولى الجزء الأقل تعقيدًا من الخطة، فهي تفتقر إلى استراتيجية شاملة وواضحة يمكن أن تؤدي إلى إنهاء الصراع وإيجاد حل دائم للقضية الفلسطينية.
اليوم التالي للاتفاق
لا يمكن لأي اتفاق أن يصمد في ظل استمرار المعاناة المعيشية للفلسطينيين. فالإعمار من دون حل سياسي يبقى هشًّا، كما أنّ الحلول السياسية من دون تحسين الواقع المعيشي سرعان ما تفقد معناها. وفي السياق سلّط موقع «واينت» الإسرائيلي الضوء على تصريحات القيادي في «حماس»، محمود مرداوي، الذي وصف الصفقة بأنّها «انتصار لغزة» تحقّق بفضل «صمود ووحدة» الشعب الفلسطيني، ولبّى الشروط الأساسية للمقاومة وهي: وقف الهجمات، عودة النازحين، انسحاب الاحتلال، تبادل الأسرى وإدخال المساعدات، وأنّ ما عجز الجيش الإسرائيلي عن فرضه بالقوة والحصار لم يستطِع تحقيقه على طاولة المفاوضات. وفي السياق رأت مراكز الأبحاث الإسرائيلية أنّ ما يُعرف بـ «لعنة غزة» ستظل تلاحق تل أبيب حتى بعد وقف الحرب، بوصفها معضلة أمنية وسياسية وإنسانية مزمنة بلا حل جذري. ومن هنا، استخلص أيتامار أيخنر في يديعوت أحرونوت أنّ «إسرائيل» فقدت مكانتها في الرأي العام والساحة الدوليين وهي ستحمل وصمة عار لفترة طويلة جدًا.
لقد جاء الاتفاق على خطة الرئيس ترامب كترتيبٍ مرحلي يهدف، إذا صدقت النوايا، إلى تهدئة الميدان، وفتح المجال أمام معالجة تدريجية طويلة الأمد للقضايا السياسية والأمنية والإنسانية الكبرى، وذلك بعد حرب الإبادة على غزة، وبعد أن بدأت صورة «إسرائيل» ومكانتها الدولية تتبدّل بعمق نحو الأسوأ. فهي خسرت العديد من روافع القوة الناعمة التي ساعدتها على تبرير سياساتها العدوانية في السابق، وأضعفت قدرتها على التأثير في الرأي العام العالمي. كما أنّها مع التيار اليميني الفاشي الحاكم، تجد نفسها أمام عودة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، كـقضيةٍ أخلاقية وإنسانية وسياسية سامية، وكمؤشرٍ للتحرر الوطني.











