مشاكل وحلول

الحقيبة المدرسية يا له من عبءٍ يومي على أكتاف الصغار!
إعداد: ليال صقر الفحل

مشهد يطالعنا يوميًا: التلامذة يتوجّهون إلى صفوفهم، حاملين على ظهورهم حقائب مختلفة الأحجام والألوان، يُفترض أن ترافقهم يوميًا لحفظ كتبهم وأغراضهم الخاصة. ورغم أنّ الحقيبة، تُعدّ حاجةً أساسية للتلامذة ورمزًا من رموز العلم، فإنّها باتت اليوم عبئًا حقيقيًا عليهم، إذ يؤدي تحميلها بشكلٍ زائد أو حملها بشكلٍ خاطئ إلى أضرارٍ جسدية صحية واضحة، أبرزها آلام الظهر والرقبة والكتفين، ومشاكل في العمود الفقري.
تشكّل الحقيبة المدرسية، بالنسبة للأطفال، عالمًا من الألوان المبهجة والشخصيات الكرتونية المفضلة، لكنها يجب أن تتوافق مع كثير من المعايير المتعلقة بالسلامة والأمان والجودة والحجم، كي لا تؤثّر سلبًا على صحتهم.
تشير طبيبة الأطفال الدكتورة لينا عيد إلى المشكلات الشائعة التي يواجهها الأطفال في المدارس جرّاء ثقل الحقيبة المدرسية، موضحةً أنّ الوزن الزائد للحقيبة لا يشكل ضغطًا على العمود الفقري فحسب، بل يسبّب آلامًا في العضلات وأسفل الظهر والرقبة والكتفين. فحين تكون الحقيبة ثقيلة على الظهر، يميل الجذع إلى الأمام ما يضغط على العمود الفقري، وبالتالي يدفع بالرأس إلى الأمام ويتجه النظر إلى الأسفل، فيضطر التلميذ إلى رفع رأسه، وتصبح الرقبة منحنية إلى الأمام بشكلٍ كبير ما يعرّضها لضغطٍ شديد، وهذا يؤدي إلى تشوّه المنحنى الطبيعي للعمود الفقري. ومع الوقت، يتقوّس الظهر ويتغير شكل الكتفين والحوض. كما تزيد مخاطر تعثّر الطفل وفقدانه التوازن عند حمل الحقيبة على كتفٍ واحدة، فيما يؤدي حملها لفتراتٍ طويلة إلى انزلاقات غضروفية وآلامٍ حادة في العنق مع شد عضلي. ومن المرجّح ظهور مشكلات في عضلات الساقَين والقدمَين، يرافقها صداع في بعض الأحيان.

 

أضرار طويلة الأمد
توضح الدكتورة عيد أنّها تعاين العديد من الحالات المتضرّرة من ثقل الحقيبة، وغالبًا ما تكون نسبة الفتيات أعلى نظرًا لضعف عضلاتهن وعظامهن مقارنة بالذكور. وتشدّد على أهمية الكشف المبكر عن المشكلة لتفادي تفاقمها. فإذا كان الطفل يعاني آلامًا في الظهر أو الرقبة أو الكتفين أو الساقين، أو إرهاقًا شديدًا، وإذا كان يجهد للأمام عند حمل حقيبة ظهره، يجب على الأهل حينها استشارة اختصاصي لتفادي الأضرار.
وتلفت عيد إلى أنّ الدراسات العالمية توصي بألّا يتجاوز وزن الحقيبة 10 إلى 15% من الوزن الإجمالي للتلميذ، وألّا يزيد وزنها فارغةً عن 500 غرام للأطفال وكيلوغرام واحد للبالغين. لذا، يتحتّم اختيار حقيبة تحترم المعايير الصحية المناسبة للطفل، كأن تكون ذات أذرعٍ عريضة مبطّنة وقابلة للتعديل وفق طول التلميذ، مع الحرص على أن تكون مزودة دعائم قطنية من الجهة المقابلة لظهر الطفل لدعم العمود الفقري.
كما تؤكد أهمية اختيار حجم الحقيبة المناسب لطول الطفل وعرضه، بحيث لا تتعدى الحافة العليا مستوى الكتفين، والحافة السفلى مستوى الخصر. كما يجب ألّا تتدلى حقيبة الظهر أسفل الخصر، لأنّ ذلك يسبّب ضغطًا مفرطًا على الكتفَين. وينبغي على الوالدَين أيضًا تعليم الطفل الطريقة الصحيحة لحمل حقيبة الظهر على كتفَيه في وضعية مستقيمة. مع تنظيم محتواها يوميًا وحمل ما هو ضروري فقط وفق الجدول الدراسي.

 

مراعاة وزن التلميذ
يلجأ الكثير من أولياء الأمور إلى شراء حقيبة ظهر كبيرة نسبيًا ومتينة لاستخدامها لأكثر من عامٍ دراسي، ولكن ينبغي الأخذ في عين الاعتبار أنّ الحجم غير المتوافق مع وزن الطفل وطوله قد يتسبب بآلامٍ في الظهر والرقبة.
وكلما زاد عدد الجيوب، كان ذلك أفضل، إذ يمكن فصل الكتب في أقسامٍ مختلفة لتوزيع الوزن وتفادي تركيز الحمل في جهةٍ واحدة. كما يُستحسن أن تحتوي الحقيبة على جيوبٍ جانبية لزجاجات المياه، بالإضافة إلى أحزمة كتف قابلة للتعديل وفق حجم التلميذ، ولا يُنصح إطلاقًا بحملها على كتف واحدة فقط.
أمّا في حال اختيار حقيبة ذات دواليب (trolley)، فيجب أن يكون مقبضها طويلًا كي لا يضطر الطفل إلى الانحناء في أثناء جرّها، مع ضرورة التبديل بين اليدين عند جرّها لمسافاتٍ طويلة.
إلى ذلك، يُفترض بالأهل والمعلمين إرشاد الطفل حول كيفية ترتيب حقيبته المدرسية لتقليل الضغط على العمود الفقري وتسهيل حركته في أثناء حملها، بالإضافة إلى تشجيعه على ترك الأغراض غير الضرورية في المنزل أو خزانة الصف. كما يُستحسن وضع الكتب الثقيلة في منتصف الحقيبة لضمان توازن الحمولة.

 

نحو حقيبة أكثر أمانًا
ترى السيدة ديب وهي مدرّسة لغة فرنسية في إحدى مدارس بيروت، أنّ حقائب الأطفال، خصوصًا في المرحلة الابتدائية، باتت ثقيلة جدًا، وتُعزى هذه المشكلة في جزء منها إلى الجدول الدراسي غير المنظم الذي تضعه بعض المدارس، وتقول: «نحاول التعاون مع التلامذة، للتحكم في وزن الحقيبة من خلال تنظيم العمل اليومي وتدريبهم على حمل الكتب المطلوبة فقط، وترك الباقي في الصندوق المخصص داخل الصف أو في المنزل».
وتشير ديب إلى أنّ بعض الكتب المدرسية تحتوي على أكثر من جزء، في حين أن التلامذة لا يدرسونها كاملة، لكنّهم يضطرون إلى حملها بشكلٍ يومي، ما يزيد الوزن من دون مبرّر. وهي تتفق بالرأي مع الكثير من المعلمين بشأن تقسيم الكتب إلى أجزاءٍ وفصول لتخفيف الحمل. كما تدعو إلى توفير خزائن شخصية للمتعلمين في المدارس، ما يسمح لهم بحفظ كتبهم ودفاترهم، وعدم حملها كلها بشكلٍ يومي.
في النهاية، تتكاثر المطالب والشكاوى لإيجاد حلول فعّالة تخفف عناء حمل الحقيبة على صغار التلامذة بشكلٍ خاص. ويتطلع الأهل والمعلمون إلى تعاونٍ جاد بين الجهات التربوية لإيجاد حلولٍ جذرية وبدائل عملية. فبعض الدول المتقدمة استبدلت الحقيبة التقليدية بأجهزة إلكترونية مثل الـ iPad، ما أتاح للتلامذة الاستغناء عن الوزن الزائد ومخاطره، وفتح الباب أمام بدائل أكثر أمانًا يمكن اعتمادها مستقبلًا لتجنّب العواقب الخطيرة للحقيبة المدرسية الثقيلة.