- En
- Fr
- عربي
العوافي يا وطن
كشف استطلاع أجراه معهد متخصص في أواخر تشرين الأول الماضي، أنّ نصف سكان إحدى الدول الأوروبية يشعرون بعدم الأمان في العديد من الأماكن العامة. وبيّن الاستطلاع أنّ 55% من النساء المشاركات فيه قلن أنّهن لا يشعرن بالأمان في أي من الأماكن العامة، مثل وسائل النقل العامة والمسابح والنوادي والحدائق والحانات والأماكن التي تُقام فيها المهرجانات… كما أفاد 49% من الرجال بأنّهم لا يشعرون بالأمان في أي من هذه الأماكن أيضًا. وإذ تشهد هذه الدولة جدلًا حول تداعيات الهجرة إليها وانعكاساتها على مدى الشعور بالأمان، يخطر في بالنا كلبنانيين أن نتساءل: إذا كان نصف سكان الدولة المعنيّة لا يشعرون بالأمان في العديد من الأماكن العامة، فما هو الواقع في بلد كلبنان؟
ربما يجدر بالمراكز المتخصصة أن تجيب عن هذا السؤال، خصوصًا وأنّ معايير الشعور بالأمان قد تختلف بين مجتمع وآخر. لكن من الممكن أن يقدّم الاستدلال إجابة أولية. وهذه الإجابة لا يمكنها أن تُغفل أنّ بلدنا المنهك بالحروب والأزمات على مدى عقود من الزمن، ما زال قادرًا على توفير الشعور بالأمان لمواطنيه وزواره وسواهم من المقيمين فيه بدرجةٍ عالية رغم كل تعقيدات الواقع. هذا ما تقوله المهرجانات التي تشهدها المدن والبلدات والقرى خلال الصيف بشكلٍ خاص. وهذا ما تظهره المناسبات والفعاليات والحفلات التي تشهد تجمعات كبيرة من الناس من دون حوادث تُذكر أو سلوكيات تُثير التوجّس أو الخوف.
لا شك في أنّ لبنان يشهد جرائم وحوادث وتعديات وتجاوزات ومخالفات وخلافات عميقة بين أهل الحل والربط… لسنا البلد الأكثر أمانًا في العالم، بل إنّنا من أكثر البلدان تعرضًا للمخاطر، لكننا ومع ذلك نسمع الكثيرين ممن عاشوا في الخارج وجابوا أكبر العواصم وأكثرها رقيًا وتنظيمًا وهم يقولون بصدقٍ وتأثر بالغ: «ما في بلد متل لبنان». روّاد أعمال، كتّاب، سائحون، مستكشفون… من أصول لبنانية أو أجانب، يتحدثون عما يعانيه بلدنا من مشكلات، لكنّهم يعودون ليختصروا مشاعرهم بجملةٍ بسيطة، مفادها أنّ في لبنان ما لا يجدونه في مكان آخر.
في قرى لبنان يستطيع أي عابر سبيل أن يطرق باب منزل ليسأل حاجة، فيجد في بيت بسيط بالكاد يحصّل أهله لقمة عيشهم، الترحاب والتأهيل ودعوة مُلحّة لتناول الغداء أو ارتشاف فنجان قهوة على الأقل… في مدن لبنان، بإمكان من يرغبون في السهر أن يسهروا «لطلوع الضو» ويعودوا إلى بيوتهم بأمان، رغم أنّ الكثير من الأحياء والأزقّة مُترَعة بالفقر والأوجاع. في أي منطقة وعلى أي طريق، يجد مَن يحتاج إلى مساعدة يدًا ممدودة لتقديمها… وفي أي موقف حرج قد تواجهه امرأة تعرضت لتعدٍّ أو سلوك منافٍ للأخلاق في مكان عام، سوف يكون إلى جانبها على الأقل رجل شهم تدفعه النخوة إلى الدفاع عنها، وإن كان غريبًا لا يعرفها.
ما ذكرناه نموذج لمؤشرات حول الشعور بالأمان بشكلٍ عام في المجتمع اللبناني، وذلك رغم افتقاره إلى العديد من مقومات الأمان، ومنها الأمان السياسي والاقتصادي والصحي… وهذا ما يعني أنّ مجتمعنا ما زال محافظًا على الكثير من القيم الأساسية التي تميّز بها وطبعته جيلًا بعد جيل، رغم التحولات العميقة التي شهدها. من هذه القيم: الشهامة والانفتاح والنخوة والتعاون وعزة النفس… وهي نفسها القيم التي تختزنها المؤسسة العسكرية وتزرعها في نفوس أبنائها.
بفضل هذه القيم يستمر المجتمع في الصمود رغم هَول التحديات والأزمات المزمنة، وبفضل القيم نفسها يندفع العسكريون للقيام بواجبهم رغم كل ما يعانونه، فيسهرون على الحدود ويحفظون الأمن. يبيتون الليالي على الطرقات ليسلكها العائدون من سهراتهم أو أعمالهم بأمان. يقيمون في رؤوس الجبال ويسبرون أعماق الوديان ليرفعوا الخطر عن مواطنيهم. وإن سألهم سائل عن تعب أو خطر فَهُم بصوتٍ واحد يجيبون: هذا وطننا وهؤلاء أهلنا، ونحن نقوم بواجبنا.
العوافي يا جيشنا.
العوافي يا وطن.











