- En
- Fr
- عربي
تاريخ معاصر
أتمّ الدستور اللبناني قرنًا كاملًا من عمره. مئة عام لم تكن مجرّد نصوص قانونية جافة، بل كانت مرآةً لولادة وطن، وانكسارات حروب، وتسويات كبرى. يُعتبر هذا الدستور، الذي أُقرّ في 23 أيار 1926، الدستور الأقدم في المنطقة العربية الذي ما زال ساريًا على الرغم من التعديلات الجذرية التي أُجريت عليه، وهو ”الوثيقة الأم“ التي حاولت التوفيق بين حداثة الدولة وبين فسيفساء الطوائف.
يُعتبر الدستور اللبناني الوثيقة المؤسسة لجمهورية لبنان المعاصرة، فهو أنشأ نظامًا سياسيًا بعد سنوات قليلة من عهد السلطنة العثمانية وإقامة دولة لبنان الكبير سنة 1920 تحت الانتداب الفرنسي. وخلال مئة عام من عمر الدستور (1926-2026)، عرف لبنان أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية حادة، ما أثار نقاشًا واسعًا حول مدى صلاحية الدستور الحالي لمواجهة تحدّيات العصر.
لم يكن الدستور اللبناني نتاج إرادة محليّة خالصة، بل كان مزيجًا من ضغوط عصبة الأمم ورؤية سلطات الانتداب الفرنسي التي كانت مُلزَمة بموجب صك الانتداب بوضع دستور للدول الواقعة تحت سلطتها. وقد جاءت النصوص متأثّرة بدستور الجمهورية الفرنسية الثالثة، مع إدخال «الخصوصية اللبنانية» عبر المادة 95 (المؤقتة حينها لكنها أخذت صفة الدائمة) التي كرّست التوزيع الطائفي في الوظائف العامة والحكومة كحلٍّ مرحلي لضمان مشاركة الجميع. ومع إقرار الدستور، تحوّل لبنان من الحكم العسكري الفرنسي المباشر (1920-1926) إلى دولة مؤسسات دستورية (رئاسة جمهورية، مجلس نواب، مجلس شيوخ ومجلس وزراء)، وشهد تعديلين أساسيين في العام 1943 خلال معركة الاستقلال، وفي العام 1990 مع «جمهورية الطائف»، إذ بعد 15 عامًا من الحرب الأهلية، جاء اتفاق الطائف ليعيد صياغة الدستور بشكلٍ جذري، ولينقل لبنان من «جمهورية الرأس» (صلاحيات الرئيس) إلى «جمهورية المجلس» (مجلس الوزراء مجتمعًا)، مع العلم أن الديموقراطية التوافقية هي الدستور الأساسي في لبنان. كيف تمّت صياغة الدستور اللبناني؟ وما هي أبرز محطّات تعديلاته وظروفها؟
هنري دو جوفنيل والتحضير لصياغة الدستور
بعد استدعاء المفوّض السامي العسكري موريس ساراي إلى باريس، وصل المفوض السامي الجديد المدني هنري دو جوفنيل إلى بيروت في كانون الأول 1925 مطلقًا شعاره الشهير: «الحرب لمن يريد الحرب والسلم لمن يريد السلم»، ثم زار الدويلات السورية (دولة حلب، دولة دمشق، جبل الدروز ودولة العلويين) حيث صرّح بما يأتي: «إنّني من هنا، من هذا المنبر أحيّي دول سوريا المتحدة». وصلت أصداء العبارة إلى بيروت، ما أدّى إلى استياء شديد لدى المسؤولين اللبنانيين الذين اعتبروا أنّ سياسة المفوض السامي الجديد، هي العمل على توحيد سوريا ولبنان. فاضطرّ دو جوفنيل إلى توضيح عبارته، والكشف عن مهمّته الأساسية، وهي الإشراف على وضع الدستور أو النظام الأساسي لكل من سوريا ولبنان بموجب المادة الأولى من صك الانتداب الذي صدّقت عليه عصبة الأمم في 24 تموز 1922، ولكن الصك لم يصبح ساري المفعول إلّا في 29 أيلول 1923 بعد أن سوّي الخلاف بين فرنسا وإيطاليا بشأن مصير الشرق الأدنى، لأنّ هذه الأخيرة كانت تعارض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان.
وقع خلاف بين السلطات الفرنسية والمجلس التمثيلي اللبناني، حول ما إذا كانت لهذا الأخير صلاحيات المشاركة في وضع الدستور، مع العلم أنّ المفوضية العليا كانت قد طلبت في شباط 1924 من كبار موظفيها في الدويلات الخاضعة للانتداب الفرنسي، أن يُبدوا رأيهم في عملية وضع الدستور، ولمن يجب أن يسمح بإبداء رأيه من المواطنين المحلّيين. وقد ردّ «بريفا-أوبوار»، المسؤول في المفوضية الفرنسية في لبنان الكبير، برسالةٍ تتضمّن مجموعة أسماء من الشخصيات اللبنانية. وكان ساراي من جهته قد أعدّ في شباط 1925، لائحةً بالشخصيات التي برأيه يجب أن تُستشار بشأن النظام الأساسي. لكن ساراي اصطدم آنذاك بوزير الخارجية Aristide Briand، فما كان من هذا الأخير إلّا أن رفع عنه مسؤولية إعداد القانون الأساسي وأوكل بهذه المهمة، في حزيران 1925، إلى لجنة من الاختصاصيين الفرنسيين، يرأسها النائب جوزف بول-بونكور (Joseph Paul-Boncour) الذي اقترح أن يوكَّل بإعداد القانون الأساسي في الدول التي ليس لديها مجالس تمثيلية، إلى الزعماء الطبيعيين للسكان أو شخصياتٍ منتخبة. أمّا الدول التي تملك مجالس منتخبة، ومنها لبنان، فيجب أن تنبثق اللجنة فيها عن هذا المجلس. وقد وافقت السلطات الفرنسية على هذا الاقتراح.
اجتمع المجلس التمثيلي اللبناني في 1 كانون الأول 1925، وانتخب لجنة لإعداد الدستور مؤلّفة من 12 عضوًا (شبل دموس، عمر الداعوق، فؤاد إرسلان، يوسف سالم، جورج زوين، بترو طراد، ميشال شيحا، روكز أبو ناضر، صبحي حيدر، عبود عبد الرزاق، جورج ثابت، يوسف الزين). وكان على هذه اللجنة أن تعمل تحت إشراف رئيس المجلس التمثيلي (موسى نمّور)، لذا عُرفت بلجنة الـ 13.
انكبّت اللجنة على العمل، وقرّرت إطلاق استشارات واسعة تشمل ممثّلي الجمعيات الاقتصادية، والمهن الحرة، ورؤساء الطوائف الدينية، والمسؤولين عن النقابات، وأعضاء المجالس التمثيلية السابقة. وعهدت إلى لجنة مصغّرة مؤلّفة من خمسة أعضاء، مهمة درس الصّيغة التي يجب اعتمادها في الاستشارات. أعدّت اللجنة لائحة بالشخصيات التي وجب أن تُستشار، وقرّرت أن توجّه إلى كل منها استمارة تتضمن اثني عشر سؤالًا، تتعلّق بنظام الحكم وصلاحيات السلطات وتوزيع المقاعد النيابية وقانون الانتخاب ومجلس الشيوخ.
رفض سنّة المدن الساحلية في لبنان الكبير المشاركة في إعداد الدستور، وطالبوا بالانضمام إلى سوريا. عندها، تخوّف الفرنسيون من انضمام أعضاء الطائفة الشيعية إلى التيار الوحدوي السوري وعدم مشاركتهم في إعداد الدستور، فاتّخذوا بعض الإجراءات التي تصبّ في مصلحة تلك الطائفة، ومنها الاعتراف بالمذهب الجعفري وإنشاء محكمة تمييز جعفرية في بيروت، بعد موافقة المجلس التمثيلي على ذلك. ومن الأسباب التي شجّعتهم على اتخاذ هذه الخطوات، عدم دعم الشيعة للثورة السورية بقيادة سلطان باشا الأطرش. كما أنّ بعض الشخصيات المسيحية لم تشارك في عملية إعداد الدستور لأسبابٍ سياسية، ومن هذه الشخصيات: إميل إدّه، وميشال زكور، ويوسف السودا، ووديع عقل، كونهم طالبوا بحلّ المجلس التمثيلي، وإجراء انتخابات جديدة لانتخاب مجلس تأسيسي، تكون مهمّته صياغة الدستور اللبناني. وعلى الرغم من اعتراضه، أدلى إميل إدّه بملاحظاته حول مشروع الدستور، مقترحًا بصورة خاصة المادة 50 منه التي تنصّ على صيغة القسم الذي يجب أن يتلوه رئيس الجمهورية أمام مجلس النواب بعد انتخابهم إيّاه رئيسًا.
كتب ميشال شيحا الدستور اللبناني باللغة الفرنسية، وترجمه شبل دموس إلى اللغة العربية. وقد تألّف النص الأساسي للدستور قبل تعديله من ستة أبواب:
الباب الأول: أحكام أساسية/ الفصل الأول: في الدولة وأراضيها (مواد 1-5) – الفصل الثاني: في اللبنانيين وحقوقهم وواجباتهم ( مواد 6-15).
الباب الثاني: السلطات/ الفصل الأول: أحكام عامة (مواد 16-21)، الفصل الثاني: السلطة المشترعة (مواد 22 – 25)، الفصل الثالث: أحكام عامة (مواد 26 – 48)، الفصل الرابع: السلطة الإجرائية (مواد 49 – 72).
الباب الثالث: أ- انتخاب رئيس الجمهورية (مواد 73 – 75)، ب- في تعديل الدستور (مادتا 76 و77)، ت- في أعمال مجلس النواب (مادتا 78 و79).
الباب الرابع: تدابير مختلفة: أ- المجلس الأعلى (مادة 80)، ب- في المالية (مواد 81 – 89).
الباب الخامس: أحكام تتعلّق بالدولة المنتدبة وبعصبة الأمم
(مواد 90 – 94).
الباب السادس: أحكام نهائية ومؤقتة (مواد 95 – 102).
أُعلن الدستور رسميًّا في 23 أيار 1926، وفي 25 منه، وطبقًا لما ورد في نص المواد 16 و22 و95 و96 و98، عيّن المفوض السامي أعضاء مجلس الشيوخ الستة عشر، وعُدّل اسم المجلس التمثيلي ليصبح مجلس النواب. وفي 26 أيار 1926 تمّ انتخاب شارل دباس أوّل رئيس لدولة لبنان الكبير. وفي 31 منه شُكّلت أول حكومة لبنانية برئاسة أوغست باشا أديب. وفي 25 حزيران 1926 نُشر الدستور في ملحق الجريدة الرسمية رقم 1984. وفي 1 أيلول 1926 سُمّيت دولة لبنان الكبير بالجمهورية اللبنانية.
التعديل الأول للدستور اللبناني في 17 تشرين الأول 1927
في العام 1927، عُدّل الدستور للمرة الأولى بعد خلافات عميقة بين مجلسَي النواب والشيوخ حول الصلاحيات، فتمّ دمج هذين المجلسَين ليؤلّفا معًا مجلسًا نيابيًا واحدًا من 46 عضوًا، 30 منهم منتخبون وهم نواب المجلس النيابي السابق، و16 منهم معيّنون وهم أعضاء مجلس الشيوخ المُلغى. والمواد التي عُدّلت كانت: في الأحكام العامة (16، 18، 19)، في السلطة المشترعة (22، 23، 24، 26، 27، 29، 30، 31، 32، 33، 34، 35، 37، 38، 39، 40، 41، 42، 43، 44، 45، 46، 47، 48)، في السلطة الإجرائية (49، 51، 52، 53، 55، 56، 57، 58، 59، 66، 67، 68)، في انتخاب رئيس الجمهورية (73، 74، 75)، في تعديل الدستور (76، 77)، في أعمال مجلس النواب (78، 79)، في المجلس الأعلى (80)، في المالية (84، 85، 86، 87).
التعديل الثاني للدستور اللبناني في 8 أيار 1929
عُدّل الدستور للمرة الثانية في 27 نيسان 1929 وقد صدر بتاريخ 8 أيار 1929. والمواد التي عدّلت هي 28، 37، 49 و55، كما أُلغيت المادة 69. والملاحظ أنّ ميشال شيحا الذي يُعد من أهم واضعي الدستور اللبناني لم يحضر يومًا مناقشة المجلس النيابي في تعديل الدستور سواء في العام 1927 أو في العام 1929، لينسحب بعد ذلك من الحياة النيابية باكرًا (1925-1929).
الأزمة الدستورية سنة 1932
قبل انتهاء ولاية شارل دباس الرئاسية في 27 أيار 1932، كان على المجلس النيابي أن يجتمع حكمًا في 16 أيار 1932 لانتخاب رئيس جديد للبلاد. فترشّح الشيخ محمد الجسر إلى سدّة الرئاسة الأولى مدعومًا من إميل إده، وصرّح بأنه لن ينسحب من سباق الرئاسة وبخاصةٍ لبشارة الخوري. وكونه رئيسًا للمجلس النيابي، أخّر دعوة النواب للانتخاب إلى اللحظة الأخيرة كي يرغم المفوضية على القبول به رئيسًا للبلاد. ونام الجسر ليلة الثامن من أيار رئيسًا للجمهورية، لكن في صباح اليوم التاسع من أيار 1932، أصدر المفوض السامي قرارًا رقمه 55/ ل.ر. نصّ على تعليق الدستور وحلّ المجلسَين النيابي والتنفيذي. وفي اليوم عينه، صدر القرار رقم 56/ ل.ر. الذي نصّ على تكليف شارل دباس، مع الاحتفاظ بلقبه كرئيس للجمهورية، والقيام بوظيفة رئيس الحكومة يعاونه مجلس من المديرين العامين بعد إلغاء وظيفة الوزارة. هكذا تعطّلت الحياة الدستورية والنيابية في لبنان وفق هذين القرارين. وعلى أثر تعليق الدستور، نشأت الكتلة الدستورية مع كميل شمعون ومن ثم بشارة الخوري والتي هدفت إلى إعادة العمل بالدستور اللبناني.
وفي 4 كانون الثاني 1937 أُعيد العمل بأحكام الدستور اللبناني بموجب القرار 1/ ل.ر.، وفي 6 تشرين الأول 1937 صدر القرار 133/ ل.ر. الذي حدّد مدّة ولاية رئيس الجمهورية اللبنانية في المادة 49 بست سنوات، وقضى بعدم جواز إعادة انتخابه إلّا بعد انقضاء ست سنوات. وعشية الحرب العالمية الثانية، أصدر المفوض السامي القرار رقم 246/ ل.ر. تاريخ 21/9/1939 أوقف بموجبه تطبيق الدستور اللبناني وحل مجلس النواب.
التعديل الثالث للدستور سنة 1943
أُعيد تطبيق الدستور اللبناني وتحوير بعض أحكامه في 18 آذار 1943 بموجب القرار 129. وفي اليوم نفسه، صدر القرار 130 الذي نظّم سير السلطتين التنفيذية والتشريعية بصورة مؤقتة حتى انتُخب الشيخ بشارة الخوري رئيسًا للجمهورية في 21 أيلول 1943.
افتتح المجلس النيابي العقد العادي الثاني بتاريخ 19 تشرين الأول 1943 وشرعت حكومة رياض الصلح بإنجاز الاستقلال، فقرّرت تعيين ممثّلين لها في بعض الدول بمعزلٍ عن استشارة المندوبية الفرنسية. كما أبدى الرئيس بشارة الخوري، ورياض الصلح، رغبتهما أمام المندوب السامي جان هلّلو بتعديل الدستور واستلام المصالح المشتركة وتحويل المندوبية الفرنسية إلى ممثليّة دبلوماسية. عندها دعاهما هلّلو إلى اجتماعٍ في شتورة بفندق مسابكي في حضور جميل مردم بك عن الجانب السوري، للتشاور بأمر المصالح المشتركة ومطالب الدولتين.
ذهب هلّلو إلى الجزائر من أجل التباحث مع مرجعيّته حول الردّ المناسب على مطلب الخوري والصلح، وطلب لذلك مهلة أسبوعين تقريبًا. في الجزائر استمعت إليه لجنة مصغّرة ضمّت الجنرال ديغول، والجنرال كاترو، ورينيه ماسيغلي، وحدّدت له الخطوط العامة التي يجب عليه أن يتصرّف بموجبها وهي استحالة التفكير بتسليم السلطات التي تمارسها فرنسا إلى الدولة اللبنانية طالما لم يحصل بين الدولتين تدبير تعاقدي، يحدّد بصورة عامة ونهائية العلاقات الفرنسية-اللبنانية، أي بمعنى آخر معاهدة صداقة وتحالف، كتلك التي طُرحت في العام 1936. كما أوصت اللجنة هلّلو بإبلاغ الدولة اللبنانية أنّه من حقّها ممارسة صلاحيات السيادة الفرنسية من دون أيّ نقاش. من هذا المنطلق، أنكرت فرنسا على السلطات اللبنانية طرح هذا الحق على بساط البحث، لأنّ ذلك يستتبع إعادة النظر بشرعية إعلان الاستقلال.
في المقابل، أعلن رياض الصلح في 28 تشرين الأول 1943 بأنّ الحكومة ستعمد منفردةً إلى تعديل الدستور، وهي قد بادرت إلى النظر فيه وستقدّمه إلى المجلس النيابي للتصويت عليه وذلك حفاظًا على السيادة الوطنية. ردّت فرنسا بسرعة بعد أن وصلتها أنباء عن إعلان رياض الصلح تعديل الدستور من طرف واحد. فأبرقت اللجنة الوطنية الفرنسية للتحرير إلى إيف شاتينيو، الذي حلّ بالوكالة محلّ هلّلو في بيروت، نصّ بلاغ بتاريخ 5 تشرين الثاني 1943 جاء فيه: «(…) درست لجنة التحرّر الوطني الفرنسية معرفة ما إذا كان يصحّ أن تتفرّد الحكومة اللبنانية ومجلس النواب اللبناني في تعديل الدستور اللبناني. وبما أنّه ليس من الممكن تحوير نصوصٍ ناجمة عن موجبات دولية تعهّدت بها فرنسا، وهي ما زالت نافذة إلّا بموافقة فرنسا، فقد توصّلت لجنة التحرّر الوطني الفرنسية إلى الاستنتاج بأنّ السلطات الفرنسية لا يمكنها الاعتراف بصحة أيّ تعديل يجري بدون هذه الموافقة (…)». كان هذا البيان نقطة انطلاق الأزمة بين السلطة اللبنانية وحكومة فرنسا الحرّة التي فاتها قطار التغيّرات الدولية.
أُبلغت الحكومة اللبنانية بالقرار ووُزّع على الصحف اللبنانية، فتسارعت الأحداث، وكانت ردّة الفعل اللبنانية بإصدار رئيس الجمهورية، الشيخ بشارة الخوري، مرسومًا حمل الرقم 92 تاريخ 5/11/1943، وجاء في مادته الأولى ما يلي: «يُعرض على مجلس النواب للمناقشة في دورته العادية الحالية، مشروع القانون الدستوري القاضي بتعديل الدستور اللبناني في بعض مواده». واجتمع مجلس الوزراء في اليوم ذاته عند الظهر، وقرّر إحالة مشروع تعديل الدستور فورًا إلى المجلس النيابي الذي دُعي إلى الانعقاد في 8 تشرين الثاني. وتمّ نشر المواد المُراد تعديلها وإلغاؤها من الدستور، والتي تتعلّق بالانتداب وتتعارض مع استقلال لبنان التامّ.
وقع الخلاف بين فرنسا الحرة والسلطة اللبنانية حول تفسير مادة قانونية تتعلّق بتعديل بعض مواد الدستور اللبناني. حاول الفرنسيون تعطيل النصاب في جلسة التعديل، لكنّهم لم ينجحوا في ذلك.
في 8 تشرين الثاني، وصل هلّلو إلى القاهرة ليتوجّه منها إلى بيروت على وجه السرعة. وعلم أنّ مشروع تعديل الدستور سوف يناقش بعد ظهر ذاك النهار، فأرسل مذكّرةً لرئيسَي الجمهورية والحكومة تقول: «إنّ السيد هلّلو سيكون هنا صباح بعد غد، إنّه يطلب إرجاء الجلسة إلى ما بعد قدومه لأنّه يحمل معه أخبارًا اتّفق بشأنها مع لجنة الجزائر، وهي تتناول اقتراحات مهمة. وهو يطلب أن لا يوضع عند مجيئه أمام الأمر الواقع، وإلّا سيضطرّ إلى الاحتفاظ بكامل حرّيته في تقدير الأمور والتصرّف. هذا لا يعني أنّ في الأمر تهديدًا، وإنّما تعبيرًا عن رغبة ممثل فرنسا في تحديد موقفه بصراحة».
رفض رياض الصلح أن يتبلّغ هذه الرسالة، وعقد مجلس الوزراء جلسة مستعجلة تباحث فيها بالموقف، فقرّر أن لا علاقة للمقترحات «السخية» التي يحملها السفير هلّلو بقضية تعديل الدستور، وأنّها قضية داخلية بحتة. وقرّر أيضًا عدم التدخّل لدى المجلس لتأجيل البتّ في مشروع قانون التعديل.
عُقدت الجلسة في تمام الساعة الثالثة من بعد الظهر يوم 8 تشرين الثاني، حضرها ممثّلون عن جميع البعثات، أبرزهم إنكلترا، والولايات المتحدة الأميركية، ومصر، والعراق.
وعلى الفور تُلي مشروع القانون الدستوري المنوي تعديله في المواد 1 (فصّل حدود لبنان، ألغى مرجعية الاعتراف الفرنسي بها واعتراف جمعية الأمم) و5 (المتعلّقة بالعلم، أرجأت الحكومة طرحها للتعديل إلى حين انتهاء اللجنة الفنية المؤلّفة لهذه الغاية من وضع اقتراحها)، و11 (حصر صفة اللغة الرسمية باللغة العربية) و52 (ألغى الإشارة إلى صك الانتداب في تحديد الصلاحية لعقد المعاهدات الدولية). كما تمّ إلغاء المواد 90 و91 و92 و93 و94 المتّصلة بالانتداب والناظمة للعلاقة بين الدولة اللبنانية والدولة المنتدبة في مجالات مختلفة، وتمّ تعديل المادة 95 (إلغاء الإشارة إلى صك الانتداب في موضوع التمثيل العادل للطوائف في الوظائف العامة وتشكيل الوزارة)، وعدّلت المادة 102 (أُلغي وضع الدستور في عهدة الدولة المنتدبة وباتت تنص هذه المادة على إلغاء كل الأحكام الاشتراعية المخالفة لهذا الدستور).
تطلّب تعديل 1927 عَقْد 5 جلسات متتالية، واقتضى تعديل 1929 مناقشات استمرت من 27 آذار إلى 8 أيار، أما تعديل 1943 فلم يستغرق سوى ساعتين فقط. طرح مشروع التعديل على التصويت، فوافق عليه 48 نائبًا من الذين كانوا حاضرين، وسارع رئيس الجمهورية إلى نشر التعديل الدستوري في الجريدة الرسمية صباح 9 تشرين الثاني 1943 قبل وصول هلّلو إلى بيروت بعد الظهر. في اليوم التالي، أصدر هلّلو القرار 464 الذي حلّ بموجبه مجلس النواب وأوقف تطبيق الدستور اللبناني. وبعد أن نال لبنان استقلاله في 22 تشرين الثاني 1943 صدر القرار 483 الذي ألغى المواد 2 و3 و4 و5 و6 من القرار 464، وعدّل نص المادة 5 من الدستور المتعلّق بالعلم اللبناني الجديد وكان ذلك في 7 كانون الأول 1943.
التعديل الرابع خلال 1947 و1948
في 21 كانون الثاني 1947 عُدّلت المواد: 24 و25 و27 و30 و41 و42 و44 و53 و60 و81 و85. في المقابل أُلغيت المادة 93 المتعلّقة بتسوية الخلافات من قبل الدولة المنتدبة، وأُلغيت المواد 96 و97 و98 و99 و100 المتعلّقة بمجلس الشيوخ. وفي 22 أيار 1948 عدّلت بشكل «مؤقت» المادتان 49 و73 الراميتان إلى إعادة انتخاب رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري مرّة ثانية.
أزمة الحرب وتعديل 1976
خلال الحرب التي اندلعت في لبنان في العام 1975 عُدّلت المادة 73 (بتاريخ 24/4/1976) الرامية إلى تقريب موعد انتخاب رئيس الجمهورية الياس سركيس، وقد انتهى العمل بهذا التعديل في 23/9/1976.
اتفاق الطائف 1989 وتعديل 1990
بعد 15 عامًا من الحرب في لبنان، أقرّ اللقاء النيابي اتفاق الطائف (22/10/1989) الذي صَدَّقه مجلس النواب في 5/11/1990. أدّى هذا الاتفاق إلى إعادة صياغة دستورية واسعة صدرت بقانون دستوري في 21/9/1990، وقد تمحورت التعديلات حول النقاط الآتية:
- إعادة توزيع الصلاحيات بين السلطات: نقل السلطة الإجرائية من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، وبعدها إلى رئيس مجلس النواب، أي انتقل رئيس الجمهورية من موقع الحاكم إلى موقع الحَكم.
- المُناصفة الدقيقة بين المسلمين والمسيحيين في البرلمان ووظائف الفئة الأولى.
- إضافة مواد جديدة تُبرز الهوية اللبنانية، والحقوق الأساسية، ومرجعيات دولية كعضوية لبنان في الجامعة العربية والأمم المتحدة.
- استحداث «المجلس الدستوري» لمراقبة دستورية القوانين.
نقل هذا التحوّل الدستوري لبنان إلى ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ«الجمهورية الثانية»، لأنّه نقل نظام الحكم من رئاسي قوي إلى نظام برلماني/ تنفيذي مركزي أكثر توازنًا.
كان اتفاق الطائف المخرج الوحيد من حالة الحرب، وكان اتفاق الضرورة بانتظار تغيير الظروف الديموغرافية والسياسية والاقتصادية والمستجدات الإقليمية. شأنه شأن ميثاق 1943، لم يَلقَ اتفاق الطائف إجماع جميع اللبنانيين، وحصلت الموافقة عليه بدافع الضرورة. فهو كان أفضل الممكن في ظلّ الظروف التي كانت سائدة، لكنّه ظلّ عرضة لتفسيرات متناقضة من قبل الفرقاء اللبنانيين. غير أنّ الإيجابية في هذا الاتفاق كانت التشديد على العيش المشترك بين مختلف الطوائف والمذاهب في لبنان. وهذا ما يجب أن يؤدّي إلى صياغة مفهوم واضح وجامع لهوية وطنية تتجاوز الهويات الطائفية التوافقية وتقترب من نظام ديموقراطي مضمونه الوطنية.
التعديلات الظرفية: خروقات الضرورة
شهدت العقود الأخيرة تعديلات أو تجاوزات لمرة واحدة، ارتبطت غالبًا بانتخابات رئاسة الجمهورية: ففي 19/10/1995 تمّ تعديل المادة 49 لتمديد ولاية الرئيس الياس الهراوي ثلاث سنوات.
وفي 13/10/1998 عدّلت المادة 49 لمرة واحدة وبصورة استثنائية للسماح للقضاة أو لموظفي الفئة الأولى، والمقصود كان آنذاك قائد الجيش العماد إميل لحود، بالترشح للرئاسة من دون الاستقالة من منصبه قبل مدّة زمنية محدّدة. وفي 4/9/2004 عدّلت المادة 49 لتمديد ولاية الرئيس إميل لحود ثلاث سنوات.
سؤال مطروح
يقول ميشال شيحا إنّ فلسفة الطائفية في لبنان هي «ضمان تمثيل سياسي واجتماعي عادل لأقليات طائفية مشاركة. والتوازن اللبناني القائم على قاعدة طائفية ليس توازنًا اعتباطيًا فهو مبدأ وجود لبنان». لكنْ على الدولة اللبنانية متعدّدة الطوائف أن تحقق تحوّلات ثقافية داخل المجتمع الطائفي تخلق وعيًا وطنيًا، لا يلغي الطوائف ولكنّه يتجاوزها من أجل الوصول إلى دولة مدنية تحمي الجميع وتوقّف اللعبة الديموغرافية.
على مدار مئة عام، ظلّ الدستور اللبناني وثيقة مركزية في عمر الدولة اللبنانية، لكنه لم يكن جامدًا. تعدّدت التعديلات الدستورية بما يعكس تحوّلات سياسية كبرى: الاستقلال، الحرب الأهلية، اتفاق الطائف… مع ذلك، يبقى السؤال الأكبر: هل الدستور الحالي قادر على تحمّل متطلّبات لبنان المعاصر؟ وهو سؤال يشكّل مركز النقاش الوطني اليوم مع حلول مئوية هذه الوثيقة المؤسساتية.
”يُعتبر الدستور اللبناني الوثيقة المؤسِسة لجمهورية لبنان المعاصرة، فهو أنشأ نظامًا سياسيًا بعد سنوات قليلة من عهد السلطنة العثمانية وإقامة دولة لبنان الكبير سنة 1920 تحت الانتداب الفرنسي. ومع إقراره، تحوّل لبنان من الحكم العسكري الفرنسي المباشر (1920-1926) إلى دولة مؤسسات دستورية. “
المراجع
- المجلة القضائية: الدستور اللبناني، المنشورات الحقوقية صادر، 5/11/2015.
- الدستور اللبناني الصادر في 23 أيار 1926 مع جميع التعديلات التي أقرّت في مجلس النواب.
- وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّها اللقاء النيابي في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية بتاريخ 22/10/1989.
- ألكسندر أبي يونس: إميل إده (1883-1949) قدّة الجمهورية اللبنانية، بيروت، 2019.
- إدمون رباط: التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري، منشورات الجامعة اللبنانية، جزءان، بيروت، 2002.
- أرشيف مجلة الجندي اللبناني.
- Antoine Hokayem: La genèse de la constitution libanaise de 1926, Beyrouth, 1996.











