وجهة نظر

2026 .. عام ”التحولات!“ منتجع ”مارالاغو“.. وأزمات الشرق الأوسط
إعداد: جورج علم
كاتب ومحلّل سياسي

يطلّ العام 2026 من منتجع مارالاغو على الشرق الأوسط حاملًا معه علامات استفهام كثيرة، حول مدى الانسجام بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وهل تفاهما فعلًا حول مواصفات ”اليوم التالي“ في كلّ من غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، وإيران؟
لم يتأخر الجواب. وبادرت ”الواشنطن بوست“ إلى الكشف عن جانب من التفاهمات: ”العام 2026 سيُكمل المسار السياسي للشرق الأوسط الجديد“.

وذهبت «نيويورك تايمز» نحو الأبعد. «بدا منتجع مارالاغو – أو ما يعرف بـ (مار – إيه – لاغو) – بدا حيويًا وهو يضم رئيس وزراء «إسرائيل» بنيامين نتنياهو بين نزلائه. إنّه منتجع، ومعلم تاريخي وطني، في بالم بيتش – فلوريدا. يضم 126 غرفة. ومساحته 5810 مترات مربعة، مبني على مساحة 17 فدانًا من الأرض، ويمتلكه الرئيس دونالد ترامب منذ العام 1985».

إنّه الاجتماع السادس بين ترامب ونتنياهو خلال ولاية الرئيس الأميركي الحالية. حمل إطراءات متبادلة. وصف ترامب نتنياهو «ببطل الحرب». بل بالغ، كما يرى أميركيون وإسرائيليون، حين قال إنّه «لولا نتنياهو لضاعت إسرائيل بعد السابع من أكتوبر 2023». ولم يتأخر نتنياهو بالرد، وأكد «أنّه لم يكن في البيت الأبيض صديق لإسرائيل أكثر من دونالد ترامب». وأعلن منحه جائزة «إسرائيل» يوم استقلالها القريب، عشية الانتخابات. وهذه أول مرّة تمنح هذه الجائزة لغير إسرائيلي.
ما يريده نتنياهو من ترامب، هو الاستمرار في الضغط على رئيس الدولة الإسرائيلية لإلغاء محاكمته. إلّا أنّ رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ نفى أن يكون العفو قادمًا كما قال الرئيس ترامب. وقال إنّ (ترامب) لم يتحدث معه في الموضوع.

هرتسوغ عاد إلى ما كان قد أعلنه سابقًا: «الجهات القانونية تبحث في الأمر. لا عفو بدون الاعتراف بالذنب». وجدد معارضته للجنة تحقيق سياسية حكومية في فشل السابع من تشرين الأول 2023. وأكّد أنّ المطلوب لجنة تحقيق رسمية تقررها المحكمة العليا في «إسرائيل».

لم تبرز نقاط خلافية قبل اجتماع فلوريدا، أو بعده. حتى أنّ نتنياهو ابتسم عندما قال ترامب إنّه يحترم الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان. وأضاف أنّ «نتنياهو أيضًا يحترمه». وهذا يبدو غريبًا نظرًا للعداوة العلنية بين الإثنين، ذلك أنّ «إسرائيل» ترى أنّ تركيا تشكل خطرًا فعليًا عليها.

أما تصريح ترامب حول صفقة بيع مقاتلات الشبح (أف – 35) لتركيا فيقلق المؤسسة الأمنية في «إسرائيل»، والتي توقعت من نتنياهو أن يعمل لإلغائها.

ماذا حول سوريا؟
لا خلافات حول سوريا. أعلن نتنياهو أنّه يريد حدودًا آمنة مع سوريا. يريد ضمان الاستمرار في المناطق التي يوجد فيها جيشه حاليًا. ويريد ضمان أمن بعض الأقليات في المجتمع السوري.
أما ترامب فيريد من نتنياهو أن يفتح باب الحوار. ويريد استمرار المفاوضات مع إدارة الرئيس أحمد الشرع. كما يريد توصّل الطرفين إلى اتفاق شامل. وهو أكد لنتنياهو بأنّه يؤمن ويثق بقيادة الشرع.
ولم يكتفِ كل طرف في إعلان ما يريده من الطرف الآخر، بل كان ترسيم لحدود الدور التركي، والروسي، والإيراني، فوق التراب السوري، ومدى قدرة النظام على إعادة توحيد الجغرافيا السورية من خلال العملية السياسية التي لم تُستكمل، ولم تَستوفِ كامل شروطها بعد.
وفي النهايـة، بقي الملف السوري مفتوحًـا أمام التنسـيـق الأمـيركي – الإسرائيلي شبه اليومي حول التطورات، والتعاطي مع كل مستجد وفق مقتضيات المصالح المشتركة.

ماذا عن لبنان؟
لا جديد. أكّد نتنياهو أنّه مستمر «في عمليته الجراحية، طالما أنّ حزب الله يصرّ على التمسك بسلاحه، وعلى إعادة بناء ترسانته»…
أما ترامب فأكّد على ضرورة حصر السلاح. لكنّ أجوبته لم تُعطِ أي دلالة واضحة حول ما يجب أن يكون. اكتفى بالقول: «سنرى ما سيكون؟!».
كواليس الطرفين أجمعت على نقاط ثلاث حسمت بين ترامب ونتنياهو حول لبنان.
الأولى: منح حكومة نواف سلام مهلة إضافية لإنجاز ما التزمت بإنجازه حول حصرية السلاح.
الثانية: إنّ العمليات الإسرائيلية ستستمر بوتيرتها المعروفة، وطبقًا لمستجدات الوضع ميدانيًا.
الثالثة: إنّ عملية جراحية كبرى غير مستبعدة. ويصبح لا بدّ منها إذا لم تتمكن الحكومة من تنفيذ ما وعدت به. أما التوقيت فطبقًا للظروف والمستجدات، وحتمًا قبل الانتخابات العامة في «إسرائيل»، والنصفية في الولايات المتحدة.

إيران
كان الرئيس ترامب حازمًا قبل الاجتماع. هدّد بضرب المنشآت النووية إذا عادت إيران لتشغيلها. وبشأن منظومة الصواريخ الباليستية قال: «سنضربها إذا طوّروها». لكن بعد الاجتماع، وبعد سماع معلومات نتنياهو قال ترامب: «سوف نفحص المعلومات ونقرر».
التسريبات كانت أكثر شفافية من التصريحات. حديث الكواليس كان يدور حول سلّة أهداف أميركية – إسرائيلية حول إيران.
أولًا: السعي إلى تجريدها من كامل الأوراق التي ما زالت تحتفظ بها في الإقليم كقوة ضغط، وذلك قبل الانتخابات الأميركية – الإسرائيلية.
ثانيًا: استنزاف الداخل، ودعم ما يجري من حالة غليان في الشارع نتيجة الأوضاع الاقتصادية – الاجتماعية – المعيشية الصعبة.
ثالثًا: العمل على إضعاف التحالف الإيراني – الصيني – الروسي.
وتبقى إيران بنظر ترامب – نتنياهو الحلقة الأكثر تعقيدًا، التي لا بد من التركيز عليها باستمرار، وطبقًا للظروف والمستجدات المتسارعة.

 

في مسألة غزّة
لم تظهر تباينات حادة في المواقف حول المرحلة الثانية. أكّد ترامب إصراره على البدء بتنفيذ هذه المرحلة. وردّ نتنياهو بأنّ «إسرائيل» ستعطي فرصة. لكنه شكّك بقدرة قوة الردع الدولية في نزع سلاح «حماس». إلّا أنّ ترامب قد بدّد هواجسه وأكد أنّه لن يكون لدى «حماس» أي سلاح. وإن لم يحصل ذلك طوعًا، فحتمًا عن طريق القوة.

بالنسبة إلى جثة الإسرائيلي الأخيرة، تعهّد ترامب لعائلته بإعادتها، لكنه لم يربطها بالدخول للمرحلة الثانية.
إضافة إلى ما سبق كان تركيز حول نقطتين:
الأولى: مشاركة تركيا في عديد القوة الدولية حول غزّة، رغم أنّ نتنياهو كان قد عارض بقوة في السابق مثل هذه المشاركة.
الثانية: اعتراف نتنياهو قبيل وصوله إلى منتجع مارالاغو باستقلال الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، والأبعاد والخلفيات التي أملت عليه هذه الخطوة.
الولايات المتحدة لم تعلّق على موقف نتنياهو. لم تنتقده، ولم تُثنِ عليه. إلّا أنّ ما طرحه قد أُشبع درسًا من قبل الطرفين، خصوصًا لجهة الربط ما بين الاعتراف، وبين المرحلة الثانية لغزة، والعودة إلى مقترح الرئيس ترامب في الرابع من شباط 2025، عندما تحدث عن إبعاد الغزيّين إلى الدول المجاورة. وإخلاء القطاع من سكانه، وتحويله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» عن طريق استراتيجية ثلاثية الأبعاد: السياحة، والزراعة، والتكنولوجيا.
هل تكون «أرض الصومال»، أرض اللجوء للغزيّين، لإعادة الروح إلى مشروع «ريفييرا الشرق الأوسط؟!».

ما أعلنه ترامب على هذا الصعيد كان حاسمًا: تفاهم مع نتنياهو على انطلاق المرحلة الثانية من خطته حول غزّة. تباين في وجهات النظر حول بعض الأمور التفصيلية. وتفاهم حول استمرار التنسيق معًا وفق خارطة الطريق المشتركة.
أما نقطة الضغط الأميركية الوحيدة، فكانت مسألة الضفة الغربية، وضرورة وقف الاستيطان. ووقف اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وضرورة تحسين العلاقة مع السلطة الفلسطينية لأنّ ذلك يخدم مصالح الولايات المتحدة مع دول الخليج.
هناك قناعة أميركية أنّه من دون السلطة الفلسطينية، والحديث معها، وإدخالها لخطة غزة، لن تسير الأمور في الشرق الأوسط نحو السلام. هذا السلام الذي يسوّق له ترامب صباح مساء، ويتباهى بأنّه يصنعه بعد ثلاثة آلاف سنة؟!.
باختصار: كان اجتماع مارالاغو محاولة من ترامب لتليين مواقف نتنياهو، والتلاقي معًا على نقاط مشتركة، كما يحدث دائمًا في عالم رجال الأعمال قبل عقد الصفقة.

ولعل السؤال الذي يتردد في عواصم أوروبية وإقليمية: أي ثمن على نتنياهو أن يدفع بعد كل هذه الإطراءات والتوافقات من ترامب؟ وهل تفيده في عام الانتخابات؟ وهل أصبحت مقولة «لولا نتنياهو لضاعت إسرائيل» جزءًا من حملته الانتخابية؟
هذا ما ستكشفه الأيام والتطورات، وفي الطليعة معرفة حقيقة ما جرى حول تشكيل القوة الدولية مع، أو من دون تركيا؟ وهل وافق نتنياهو على الإعلان عن لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة غزة لتصبح الصورة أكثر وضوحًا، بخاصة مع إمكان إدخال السلطة الفلسطينية كلاعبٍ مهم، رغم صعوبة ذلك مع حكومة إسرائيلية يمينية متشددة؟!

ووفق تحليل «للواشنطن بوست» فإنّ الدعم الاميركي قد لا يكون مفتوحًا، ولا دائمًا، لأنّ ترامب رغم مساندته المتكررة لنتنياهو يضع اعتبارات مصلحته السياسية في المقام الأول، لاسيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وتصاعد الجدل داخل الحزب الجمهوري حول العلاقة مع «إسرائيل»، وكلفة الانخراط الأميركي في صراعات الشرق الأوسط.
ويرى نواب ديمقراطيون أنّ أي تصعيد جديد في غزة، أو مواجهة مباشرة مع إيران، قد يعمّق الانقسام داخل الحزب الجمهوري، ويقوّض دعم ترامب لسياساته الخارجية.

عام الاستحقاقات الانتخابية
ما يمكن البناء عليه أنّ الـ 2026 هو عام الاستحقاقات الانتخابية في العديد من الدول المؤثرة، ما يجعله عامًا مصيريًا قد يرسم ملامح النظام الدولي في السنوات اللاحقة. فإلى جانب الانتخابات المحلية في فرنسا، تتجه الأنظار إلى الولايات المتحدة، وإسرائيل، وروسيا، والبرازيل، ودول أخرى، حيث يراهن قادة بارزون على صناديق الاقتراع لتثبيت مواقعهم، أو تجديد شرعيتهم، وفق تقرير «لوفيغارو» الفرنسية.

 

الولايات المتحدة
تجري في الولايات المتحدة، في 3 تشرين الثاني انتخابات منتصف الولاية، حيث يعاد انتخاب كامل مجلس النواب، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ.
ويُعدّ هذا الاستحقاق اختبارًا صعبًا للرئيس ترامب، إذ غالبًا ما تكون انتخابات «الميدتيرم» – الانتخابات النصفية، غير مؤاتية للرئيس الحاكم. خسارة الجمهوريين غالبيتهم الضيقة في الكونغرس قد تعرقل برنامج ترامب بشكلٍ كبير، خصوصًا في ظل تراجع الرضا الشعبي عن أدائه الاقتصادي إذ لا تتجاوز نسبة المؤيدين لسياساته الاقتصادية 31 في المئة، بحسب استطلاعات حديثة.

 

روسيا
في روسيا تتجه البلاد نحو انتخابات تشريعية شبه محسومة النتائج مع تجديد مجلس الدوما الذي يهيمن عليه حزب «روسيا الموحدة» الموالي للكرملين.
ومن المتوقع أن تكرّس الانتخابات استمرار دعم سياسات الرئيس فلاديمير بوتين، بما في ذلك خياراته تجاه أوكرانيا، وحلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي.

 

الكيان المحتل
في إسرائيل، يسعى نتنياهو إلى ولاية جديدة في خريف 2026 مستندًا إلى ملفات الأمن، والحرب، ووقف إطلاق النار في غزة. غير أنّ حكومته تواجه انتقادات حادة بسبب إدارة الحرب في غزة، والصراع الإقليمي، والاحتجاجات الواسعة ضد الإصلاحات القضائية، ما يجعل نتائج الانتخابات متقاربة وغير محسوبة.

 

البرازيل
في البرازيل، يخوض الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا داسيلفا البالغ 80 عامًا انتخابات تشمل الرئاسة، والبرلمان، وحكّام الولايات، وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة لملفات المناخ، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، في ظل ضعف اليمين بعد إدانة الرئيس السابق جايير بولسونارو.
وإلى جانب ذلك، تُنظّم انتخابات مهمة في دول أخرى مثل المجر، السويد، والدانمارك، ولاتفيا، والبرتغال، وبلغاريا، ما يجعل العام 2026 عامًا انتخابيًا بامتياز، يحمل تداعيات سياسية، وجيوسياسية واسعة النطاق.

 

2026… ولبنان
يحمل «بابا نويل الـ 2026» سلّة من الهدايا إلى اللبنانيين، غير مرغوب فيها. إلّا أنّ ميزة هذا الوطن هي في كونه لا يتعب، لا يكلّ، لا تأخذه النوائب إلى حيث لا يريد، وإن أخذته، يعرف كيف يعود، ويسلك طريقه نحو الأزل.
هذا اللبنان ما استقرّ يومًا إلّا على متن الرياح، وتقلبات الأعاصير، تباغته، تحاصره، فينتفض شامخًا، ينفض عن كتفَيه رذاذها، ويُكمل مشواره في حقل الألغام، يعطّل صواعقها، ويزرع مكانها سنابل القمح، وشقائق النعمان.
مرّ به قطار 2025، وترك في محطته مستوعبًا طافحًا بملفات يلهو ببعضها، ويترك البعض الآخر لساعات الضجر. يعرف مسبقًا كم من الأيدي الخارجية تعبث بها. وكم من المصالح المتنافسة تحبّر حروفها. وكم من وجوه صعدت، واحتلت مكانات مؤثرة، وكم من وجوه أخرى ترجّلت، وأيقنت بأنّه عندما يحين زمن الاستحقاق، وتَيْـنع المواسم، يعرف هذا اللبنان كيف يضع مصلحته العليا.
ومع دخول الـ 2025 عالم النسيان، يصل قطار 2026 في ليلة كانونية عاصفة، مدرارة بالأمطار والثلوج، وعلى متنه ملفات قديمة – حديثة بينها: حصر السلاح، والاعتداءات الإسرائيلية، ومهمات الجيش اللبناني، و«الميكانيزم»، وإعادة الأسرى، وإعادة الإعمار، وترسيم الحدود، والعلاقة مع سوريا، والفجوة المالية، وقانون الانتخاب، وموقع لبنان في الشرق الأوسط الجديد.
تواجه السلطة اللبنانية هذه الملفات – التحديات بمسؤولية عالية، لكن المواجهة تتطلّب بدورها وحدة وطنية داخلية متماسكة موحدة الرأي والتوجّه، وأيضًا دبلوماسية فاعلة تعطل كل التدخلات الخارجية الهادفة إلى الاستثمار بهذه الملفات، وتعطيل الحلول الممكنة لها.
ويبقى أنّ الوضع الاقتصادي – الاجتماعي – المعيشي الداخلي، يشكّل تحديات كبيرة، بدءًا من الأزمة المالية التي انفجرت في شهر آب من العام 2019، وما تلاها من ارتدادات، إلى أزمة «كورونا» في شباط 2020، إلى العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 8 تشرين الأول 2023، إلى الفساد، وهدر مليارات الدولارات لإصلاح البنى التحتية، وقطاع الكهرباء، والطاقة، والمواصلات، دون جدوى، كل ذلك يجعل من العام 2026 عامًا بالغ الحساسية بالنسبة إلى الدولة التي عليها معالجة هذه الملفات ضمن إمكانات محدودة، وضغوط خارجية غير مؤاتية.

 

تعقيدات محلية وإقليمية
تواجه السلطة ملف حصرية السلاح بكثيرٍ من الحكمة، والدراية، والمسؤولية، نظرًا للتعقيدات المحلية والإقليمية. ويكفي القول بأنّ «عقدة السلاح» هي في الأساس جزء من الصراع الدولي – الإقليمي المفتوح حول خيارات كبرى في الشرق الأوسط، وبالتالي المسألة لم تعد «أهليّة بمحليّة» بقدر ما هي خارجية مرتبطة بشبكات نفوذ، ومصالح، وخيارات استراتيجية.
في المقلب اللبناني الصافي حقّق الجيش إنجازًا فعليًا في منطقة جنوب نهر الليطاني، باعتراف دول كبرى شقيقة وصديقة. إلّا أنّ المسألة المتصلة بشمال النهر، فمرتبطة بمعالجة ملفات أخرى أبرزها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب الكامل من النقاط التي تحتلها في الجنوب، بالإضافة إلى الحدود الشرقية، وضبط المخيمات الفلسطينية، مما يعني عمليًا أنّ حصر السلاح مرتبط بملفات أخرى على مستوى الإقليم، والتي تنتظر بدورها تسوية إقليمية غير واضحة المعالم بعد.
لقد بات واضحًا بأنّ الإجماع السياسي لدعم الدولة في قرارها غير متوافر، ولا يسمح لها فرض التنفيذ بالضغط الداخلي، كما أنّ أي اندفاع غير محسوب قد يفتح الباب أمام توترات داخلية يصعب ضبطها، ولذلك ستعمل الحكومة على تثبيت ما تحقق، وتتفادى الذهاب إلى صدام شامل، قبل تنفيذ المطلوب تنفيذه، والتوصل إلى استراتيجية دفاعية تحمي لبنان.

 

العلاقة مع سوريا
يُعَد ملف العلاقات اللبنانية – السورية أحد أكثر التحديات السيادية مع حلول العام 2026، بحكم الجغرافيا، والتداخل الأمني والاقتصادي والسياسي بين البلدين.
لقد شكّلت العلاقة على الدوام عاملًا مباشرًا في الاستقرار بين سوريا ولبنان. وتبدو الملفات المطروحة بين البلدين ضاغطة، ولا تتحمل المعالجات البطيئة، منها ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، والذي يشكل بالنسبة إلى دمشق مدخلًا إلزاميًا لأي تطور في العلاقات، فيما يجد لبنان نفسه مضطرًا للتعامل مع هذا الملف وفق معاييره القانونية، والسياسية الداخلية.
إلى جانب هذا الملف الحساس، تقفز إلى واجهة الاهتمام ملفات أخرى لا تقل أهمية بينها، ترسيم الحدود البحرية والبرية، وحقول الطاقة، والمعابر غير الشرعية، وشبكات التهريب والمخدرات، وعودة النازحين، وتطوير الاتفاقيات الاقتصادية، وتنشيط حركة «الترانزيت».

 

إعادة الإعمار
أطلقت الحكومة رسميًا في كانون الأول 2025 ديناميكية لإعادة الإعمار برصد مخصصات مالية ضمن موازنة العام 2026، إلى مجلسَي الجنوب، والانماء والإعمار، مع مبالغ مرصودة لا تغطي سوى جزء بسيط من الدمار، والذي قدره البنك الدول بنحو 11 مليار دولار.
وعلى الرغم من ذلك يواجه الملف عددًا من العقبات تحول دون البدء بالتنفيذ، أبرزها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، والاحتلال الإسرائيلي لجزء من أرض الجنوب، واستهداف المعدات الأساسية في إعادة الإعمار، والغارات التي دمّرت عددًا كبيرًا من الحفارات، والجرافات، والشاحنات، والتقنيات، هذا فضلًا عن دفتر الشروط التي تفرضها قوى كبرى مؤثرة، تعيق الاستعدادات للانطلاق بورشة الإعمار.

 

الانتخابات
الثابت في الحسابات المحلية، أنّ غالبية القوى السياسية لا تبدي أي تحفّظ على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري. إلّا أنّ استحقاقًا على هذا المستوى تتداخل فيه، وتؤثر عليه سلسلة من الضغوطات الخارجية في مرحلة شديدة الحساسية، وبالتالي فإنّ التأجيل «التقني»، أو «التكتيكي» قد يصبح احتمالًا ممكنًا إذا ما تفاقمت التدخلات الخارجية على خلفية ما يجري من عملية شدّ حبال بين قوى دولية، وأخرى إقليمية حول ملفات لا علاقة للبنان بها، لكنه قد يتأثر بحركة التجاذبات الناشطة بشأنها.

 

الفجوة المالية
يُعد قانون «الفجوة المالية»، والهادف إلى إعادة أموال المودعين، أبرز الملفات التي تواجه الحكومة. لقد اجتهدت على مدى جلسات متتالية لمجلس الوزراء لوضع مشروع قانون منزّه من العيوب، والثغرات، والإبهام. لكن يبدو أنّ المحاولة لم تكن على مستوى الطموحات بعد معارضة وزير العدل علانية، وإبداء عدد من الوزراء تحفظهم على المشروع، وهذا ما جعل طريقه نحو مجلس النواب لدرسه وإقراره من قبل الهيئة العامة، محفوفًا بمخاطر، واستفهامات تتناول الموارد التي يفترض أن تغطي تكلفة المشروع لكي يحصل المودع على ماله، فضلًا عن غياب أي محاسبة لأولئك الذين تسببوا بالانهيار المالي في العام 2019. هذا بالإضافة إلى ثغرات أخرى تعهّد وزير العدل الإشارة إليها في مؤتمر صحفي وعد بعقده.

 

إدارة المخاطر
وفي النهاية سيكون العام 2026 عام إدارة المخاطر لا عام الحلول. ونجاح الدولة لن يُقاس بقدرتها على الحسم، بل بقدرتها على منع تفاقم الأزمات في لحظة إقليمية – دولية حساسة، وحرصها على الحد الأدنى من التماسك المؤسساتي في بيئة داخلية وإقليمية شديدة التعقيدات.
سيكون العام 2026 عام «تطبيع الأزمات، وأيضًا العلاقات بين دول وكيانات الشرق الأوسط الجديد»، وفق ما تخطط له الإدارة الأميركية. أما سيناريوهات الإخراج، فهي من «عدة الشغل»، ومحسومة الإعداد والإخراج سلفًا؟!
تتساءل «الفاينانشيل تايمز»: «ألا يريد هذا الرئيس (ترامب) أن يصنع السلام، ويحصد جائزة نوبل في العام 2026؟!»…