- En
- Fr
- عربي
رغم كل شيء...
في ضوء الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان من جرّاء العدوان الإسرائيلي، وما نتج عنه من تداعياتٍ إنسانية واجتماعية وتربوية طاولت مختلف المناطق، ومع نزوح أعدادٍ كبيرة من العائلات والتلامذة، واعتماد عددٍ من المدارس الرسمية كمراكز إيواء، إلى جانب إقفال عدّة مؤسسات تربوية وتعذُّر انتظام العملية التعليمية في بعض المناطق، برزت الحاجة إلى مقاربة تضمن استمرار التعليم بالحد الممكن، مع الحفاظ على سلامة الطلاب والأساتذة والهيئات التعليمية. في مواجهة هذا الواقع المعقّد كيف أمكن تأمين استمرارية العام الدراسي؟
انطلقت وزارة التربية والتعليم العالي من واقع أنّ أوضاع التلامذة خلال فترة الحرب ليست متشابهة، فبعضهم اضطر إلى النزوح وفقد استقراره، فيما بقي آخرون في مناطقهم لكنهم يواجهون خطر الحرب وآثارها النفسية والاجتماعية، في حين ظل التلامذة في المناطق الأكثر استقرارًا قادرين على مواصلة تعليمهم.
وانطلاقًا من هذا الواقع، أعلنت الوزارة خطة لاستمرارية التعلّم في حالات الطوارئ، تشكّل إطارًا داعمًا للطلاب والمعلّمين، وتقوم على ثلاثة مسارات تعليمية رئيسية تُحدَّد وفق أوضاع الطلاب وأماكن وجودهم، والواقع الأمني والتربوي لكل مؤسسة، بما يتيح اعتماد النمط التعليمي الأنسب: الحضوري، عن بُعد، والمدمج.
وأكدت الوزارة أن الإنصاف التربوي لا يتحقق عبر اعتماد مقاربة واحدة للجميع، بل من خلال الاستجابة لتفاوت الظروف والاحتياجات، واعتماد إجراءات مرنة تسمح لكل مؤسسة تعليمية باتخاذ القرار الأنسب وفق واقعها. وفي هذا السياق، طُلب إلى المدارس والثانويات والمعاهد الخاصة تقييم أوضاعها الأمنية بصورة مستمرة، واعتماد النمط التعليمي الملائم، وذلك بعد التشاور مع الأهالي ومراعاة أوضاع الطلاب الذين يتعذر عليهم الحضور.
أما بالنسبة إلى المدارس والثانويات والمعاهد الرسمية، فاعتمدت الوزارة مقاربة مختلفة نظرًا إلى الظروف التي تمر بها هذه المؤسسات، إذ إنّ عددًا كبيرًا منها يُستخدم كمراكز إيواء. ولهذا تقرر اعتماد التعليم عن بُعد كمرحلةٍ أولى، على أن تُتابع التطورات الميدانية بشكلٍ يومي، مع إيلاء اهتمامٍ خاص للتلامذة الموجودين في مراكز الإيواء، لضمان استمرار ارتباطهم بالتعلّم وتأمين الدعم التربوي والنفسي المناسب لهم خلال هذه المرحلة.
وفي هذا الإطار، شرحت مستشارة وزيرة التربية ومنسّقة برنامج «الصندوق الائتماني التربوي» (TREF) من قبل منظمة UNICEF، الدكتورة جورجيا الهاشم، أبرز محاور الخطة والإجراءات العملية التي اعتُمدت لضمان استمرارية التعليم خلال فترة الطوارئ.
آلية مرنة
تشير الهاشم إلى أنّه كان من الضروري وضع خطة وطنية تضمن استمرارية التعليم، وتمنع انقطاع الطلاب عن التعلّم، وتحافظ في الوقت نفسه على سلامتهم وسلامة أفراد الهيئة التعليمية.
وأوضحت أنّ الوزارة أعدّت الخطة بالتنسيق مع الإدارات التربوية المعنية، والمناطق التربوية، وإدارات المدارس الرسمية، والمركز التربوي للبحوث والإنماء، إلى جانب الشركاء الدوليين والجهات الداعمة، ولا سيما منظمة UNICEF. كما جرى التعاون مع البلديات والجهات المحلية عند الحاجة، خصوصًا في ما يتعلق بمراكز الإيواء وتحديد أوضاع المدارس ميدانيًا.
وفي ما يتعلق بالموازنة بين أولوية التعليم والسلامة العامة، شدّدت الهاشم على أنّ الوزارة انطلقت من مبدأ أساسي مفاده أنّه «لا تعليم من دون سلامة»، ولذلك لم تعتمد مقاربة موحّدة لجميع المناطق، بل اعتمدت آلية مرنة تراعي مستوى المخاطر في كل منطقة، ووضع كل مدرسة، ومدى قدرة التلامذة والأساتذة على الوصول الآمن، إضافةً إلى توافر وسائل التعليم عن بُعد. وبناءً على ذلك، يُعتمد التعليم الحضوري في المناطق الآمنة نسبيًا، فيما يُلجأ إلى التعليم عن بُعد أو التعليم المدمج في المناطق غير المستقرة.
وقد حرصت الوزارة على أن يكون الهدف الأساسي من هذه الخطة ضمان حق كل طالب في التعلّم رغم ظروف الحرب، ومنع تحوّل الأزمة الأمنية إلى أزمة تربوية طويلة الأمد. كما هدفت إلى الحفاظ على ارتباط التلامذة بمدارسهم، ودعم طلاب الشهادات الرسمية، إضافةً إلى الحد من التسرّب، وتوفير حلول تعليمية مرنة.
الشق التنفيذي
في ما يتعلّق بالشق التنفيذي للخطة، في ظل تفاوت الأوضاع بين المناطق، أوضحت الهاشم أنّ الخطة تُرجمت عمليًا من خلال تصنيف المدارس والمناطق وفق وضعها الأمني والتشغيلي. ولهذه الغاية، عملت الوزارة على جمع بياناتٍ دقيقة من المدارس المتأثرة بالحرب، تشمل أعداد التلامذة، وأماكن وجودهم، وأوضاع أفراد الهيئة التعليمية، ومدى توافر الأجهزة وخدمات الإنترنت، بهدف بناء القرار على معطيات دقيقة وليس على افتراضاتٍ عامة.
ولفتت إلى أنّ المعايير التي حدّدت اعتماد التعليم الحضوري أو التعليم عن بُعد أو التعليم المدمج، ارتبطت بعددٍ من العوامل الأساسية، أبرزها مستوى الأمان في المنطقة وإمكانية الوصول إلى المدرسة، ووضع المبنى المدرسي، وما إذا كانت المؤسسة تُستخدم كمركز إيواء، إضافةً إلى توافر المعلّمين، وأعداد التلامذة الموجودين داخل المنطقة أو خارجها، ومدى توافر الإنترنت والأجهزة الإلكترونية. لذلك، فالقرار يتكيّف مع الواقع المحلي لكل مدرسة.
أما بالنسبة إلى المدارس التي تحوّلت إلى مراكز إيواء ولم تعد قادرة على العمل بالشكل المعتاد، فأوضحت أنّ الوزارة سعت إلى تأمين بدائل تعليمية لتلامذتها، مثل تحويلهم إلى مبانٍ قريبة آمنة، أو ربطهم بمنصات التعليم عن بُعد، أو الاستفادة من مراكز الدعم والتعلّم حيث أمكن. كما جرى التنسيق مع الإدارات المدرسية والجهات المعنية لضمان عدم انقطاع التلامذة عن العملية التعليمية والحفاظ على ارتباطهم بمدارسهم.
إدارة الأزمة التعليمية
وحول إدارة ملف التلامذة النازحين خارج مراكز الإيواء، والآلية التي اعتُمدت لمعرفة أماكن وجودهم، أوضحت الهاشم أنّ القسم الأكبر من التلامذة النازحين، والذي يُقدَّر بنحو 80 في المئة، لا يقيم داخل مراكز الإيواء، بل لدى أقاربهم أو في منازل مستأجرة أو في مناطق أكثر أمانًا. لذلك اعتمدت الوزارة آلية متابعة مباشرة بالتنسيق مع المدارس والإدارات التربوية، بهدف رصد أوضاع التلامذة والأساتذة، وتحديد أماكن وجودهم، ومعرفة مدى قدرتهم على متابعة تعليمهم. هذه البيانات سمحت بفهم الواقع بشكلٍ أفضل وتوجيه الدعم حيث الحاجة أكبر.
وبناءً على هذه المعطيات، اتخذت الوزارة إجراءات هدفت إلى الحد من التسرّب، عبر إبقاء الطلاب على تواصل مع مدارسهم من خلال التعليم الحضوري حيث أمكن، أو التعليم عن بُعد، إضافة إلى توفير الدعم الأكاديمي عبر مراكز الـ teaching and learning hubs ومتابعة طلاب الشهادات الرسمية بشكلٍ خاص. كما أبقت على التواصل المستمر مع إدارات المدارس لتحديد الطلاب المنقطعين أو المعرّضين لخطر التسرّب، والعمل على إعادتهم إلى مسار التعلّم. وكان التنسيق يتم بشكلٍ يومي تقريبًا عبر المناطق التربوية، ومديري المدارس، والفرق المركزية في الوزارة، ومن خلال أدوات رقمية لجمع البيانات والمتابعة. فالإدارات المدرسية هي حلقة أساسية لأنها الأقرب إلى الطلاب والأهالي، وهي التي تزوّد الوزارة المعطيات الميدانية حول الحضور، والتعليم عن بُعد، والاحتياجات والتحديات.
التعليم عن بُعد
شكّلت المنصات الرقمية عنصرًا أساسيًا في الخطة التربوية. فقد ساعدت منصة Microsoft Teams في تنظيم الصفوف الافتراضية، والتواصل بين المعلّمين والطلاب، ومتابعة الدروس. كما تمّ الاعتماد على الموارد الرقمية المتاحة، ولا سيما منصة «مدرستي»، لدعم العملية التعليمية، خصوصًا في المناطق التي تعذّر فيها التعليم الحضوري بشكلٍ منتظم.
من الناحية التقنية، أوضحت الهاشم أن الوزارة عملت على دعم إنشاء الحسابات الرقمية للمعلّمين والطلاب، وتقديم الإرشادات اللازمة لاستخدام المنصات، إضافة إلى متابعة المدارس التي تواجه صعوبات تقنية، بالتنسيق مع الشركاء الداعمين.
إلا أنّ التعليم الإلكتروني واجه عدّة تحديات، أبرزها ضعف الإنترنت في بعض المناطق، وعدم امتلاك جميع الطلاب أجهزة مناسبة، فضلًا عن تفاوت المهارات الرقمية بين الطلاب والمعلّمين، وصعوبة الحفاظ على تفاعل الطلاب عن بُعد لفترات طويلة. لذلك لم تعتبر الوزارة التعليم عن بُعد حلًا وحيدًا، بل جزءًا من منظومة مرنة تشمل التعليم الحضوري والمدمج والدعم المباشر.
أما بالنسبة إلى الطلاب الذين يفتقرون إلى الأجهزة أو الاتصال المناسب، فقد عملت الوزارة على توفير بدائل مثل التعليم الحضوري في المدارس الآمنة، ونقل الطلاب إلى مدارس قريبة عند الإمكان، والاستفادة من مراكز الدعم والتعلّم، وخدمات الدعم الهاتفي مثل Call & Learn لطلاب الصف الثالث الثانوي.
التقييم والنتائج
وعن تقييم الوزارة للخطة، اعتبرت الهاشم أنّها نجحت في إبقاء التعليم مستمرًا رغم الظروف الصعبة، ومنعت الانقطاع الكامل عن التعليم في العديد من المناطق، مؤكدةً أنّ النجاح لا يُقاس فقط بعدد الأيام الدراسية، بل بقدرة النظام التربوي على التكيّف، واتخاذ قرارات مرنة، والحفاظ على التواصل مع الطلاب.
وأضافت أنّ أبرز نقاط القوة تمثّلت في مرونة الخطة، وقدرة المدارس على التكيّف، وتعاون الإدارات المدرسية، إلى جانب استخدام البيانات لاتخاذ القرار، وتفعيل أكثر من نمط تعليمي. كما أظهرت الأزمة أهمية التحول الرقمي والدور المجتمعي الذي تؤديه المدرسة إلى جانب دورها التعليمي.
أمّا أبرز الثغرات فتتعلق بتفاوت الوصول إلى الإنترنت والأجهزة الإلكترونية، وصعوبة متابعة جميع الطلاب النازحين، والحاجة إلى دعم إضافي للمعلّمين والطلاب. وأشارت إلى أنّ الوزارة تعمل على معالجة هذه الثغرات من خلال تحسين البيانات، وتوسيع الدعم، وتعزيز التنسيق مع الشركاء.
المستقبل والتطوير
أكّدت الهاشم أنّ التجربة الأخيرة أظهرت ضرورة أن يكون النظام التربوي مرنًا وقادرًا على الاستجابة للأزمات. كما أثبتت أن البيانات الدقيقة، والتحول الرقمي، وتمكين المدارس، والتنسيق مع الشركاء، عناصر أساسية لاستمرارية التعليم في أي ظرف طارئ.
وأشارت إلى أن ما يجري العمل عليه اليوم لا يقتصر على معالجة ظرف طارئ، بل يشكّل خطوة نحو نظام تعليمي أكثر قدرة على الصمود، يجمع بين التعليم الحضوري والرقمي، ويستند إلى خطط طوارئ واضحة ومنصات تعليمية أكثر فاعلية.
وفي الختام، وجّهت الهاشم رسالة إلى الطلاب والأهالي أكدت فيها أنّ الوزارة تدرك حجم القلق والصعوبات التي يمرّون بها، وتعمل بكل إمكاناتها لضمان استمرار التعليم وحماية حق الطلاب في المستقبل. ودعت الطلاب إلى التمسّك بالأمل، والأهالي إلى مواصلة التعاون مع المدارس، معتبرةً أنّ التعليم في هذه المرحلة يشكّل عامل صمودٍ واستقرارٍ وحمايةٍ لأبنائنا.











