وجهة نظر

اقتصاد العالم وأمنه على المشرحة الأميركية – الصينية
إعداد: جورج علم
كاتب ومحلل سياسي

إنّه الرئيس دونالد ترامب. قائد ”أميركا أولًا“، ومالىء الدنيا وشاغل الناس، وحامل ”مفاتيح السلام“ في العالم. لكنّه لم يبلغ جائزة ”نوبل“ بعد… لقد ذهب نحو أوكرانيا ليُنهي معاناتها، في غضون يومٍ أو يومين، لكنّ ظنّه خاب. كانت طموحات صديقه اللدود فلاديمير بوتين عالية السقف.
توجّه ناحية كندا ليضمّها ويضيف نجمة إلى نجوم العلم الأميركي، لكنّ الموانع تغلّبت على الدوافع. تحدّث عن بنما وممرّها المائي الاستراتيجي، إلّا أنّ الممر حافظ على سكينته، ولم يحرّك الضجيج من حوله، سطح مياهه الهادئة.
رمى شباكه حول جزيرة غرينلاند القطبية، لكنّ سمك القرش بقي طليقًا، ينعم بهدوءٍ آمنٍ تحت طبقات الجليد. ألقى القبض على رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، واقتاده مخفورًا إلى نيويورك، لكنّه خالف القانون الدولي ولم يتلقّ رسالة تهنئة من أي مرجعيّة وازنة.
دفع ببوارجه وحاملات طائراته إلى الشرق الأوسط، وكان عصفٌ وقصف، وبرقٌ ورعد، لكنّ الطموحات الكبرى بقيت عالقة عند مضيق هرمز، حصارٌ يقابله حصار، وشرايين اقتصادية عالمية يضربها الجفاف بعدما توقفت حركة الناقلات ونضبت سبل الإمدادات.
حطّ رحاله في بكين، بعد تأخيرٍ فاض عن الشهر. رفع قبضته عاليًا وهو على سلّم الطائرة. وقبل أن تطأ قدمه أرض المطار، استيقظ التنين من سباته العميق، واهتزّ سور الصين العظيم، وانعكست تردّداته على خبايا التاريخ، فقلّب أوراقها، وخرج من القمقم «فخ ثوسيديدس» الذي فاجأ به الرئيس شي جينبينغ ضيفه محذّرًا «من خطر اندلاع صراع بين قوّة صاعدة، وأخرى مهيمنة».


فمن هو ثوسيديدس، وما هو فخّه؟
«فخ ثوسيديدس»، مصطلح مستوحى من الحروب الإغريقية القديمة، صاغه الباحث الأميركي غراهام أليسون، ويقوم على فكرة مرعبة في جوهرها حين تشعر قوة مهيمنة بأنّ صعود قوة جديدة يهدد مكانتها، ويتحوّل الخوف تدريجيًا إلى محركٍ يدفع الطرفين نحو مواجهة عسكرية، تكاد تبدو حتمية.
وتشير دراسات من جامعة هارفارد إلى أنّ التاريخ شهد منذ العام 1500 أكثر من 16 حالة مشابهة لصراع بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة، انتهت 12 منها بحروبٍ مدمّرة غيّرت وجه العالم.
وثوسيديدس مؤرخ إغريقي شهير، عاش في الفترة من 460 إلى 395 قبل الميلاد. وهو صاحب كتاب «تاريخ الحرب البيلوبونيسية»، ويعدّ أول المؤرخين الإغريق الذين أعطوا للعوامل الاقتصادية والاجتماعية أهمية خاصة.
ويعتبره مجتمع العلوم السياسية أبًا من آباء مجال العلاقات الدولية لما كتبه من تشريحٍ للعلاقات بين أثينا وأسبارطة أثناء الحرب بينهما، وملامح فلسفته الواقعية في تناول الصراعات بين القوى والدول، إذ يراها منظّرو العلاقات الدولية حاليًا نواةً للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، والأكبر حتى يومنا هذا.


جزيرة تايوان
خلال القمة بين الرئيسين شي جينبينغ ودونالد ترامب، التي استمرّت ساعتين، تساءل الرئيس الصيني أمام نظيره الأميركي: «هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز فخ ثوسيديدس، وصناعة نموذجٍ جديد للعلاقات بين القوى الكبرى؟!».
لم يكن السؤال الذي طرحه الرئيس الصيني فلسفيًا أو نظريًا، بل أراد به رسم واقعٍ جدّي. فالصين هي القوة الصاعدة، ورئيسها يحذّر من أنّ أي تعاملٍ خاطئ مع ملف تايوان قد يدفع العلاقات بين بكين وواشنطن إلى «وضع خطير للغاية»، فقد باتت الجزيرة تمثّل أخطر نقطة اشتباك محتملة بين القوتين العظميين.
بدا ترامب وكأنه يرفض الدخول تمامًا إلى هذه المنطقة الرمادية والفلسفية التي يتحدث عنها الصينيون. وواجه التحذير الصيني بلغة رجل الأعمال الذي يعيد صياغة التوتر على شكل فرصة. وأشاد بالاستقبال «الذي لا يحظى به إلا القليل»، مؤكدًا «أنّ المستقبل أفضل، في محاولةٍ لتثبيت إيقاعٍ مختلف فوق طبقة القلق الاستراتيجي». وخلال لقاءٍ مع الصحفيين في طريق عودته إلى الولايات المتّحدة، قال ترامب «إنّ شي أبلغه بمعارضته لاستقلال تايوان». أضاف: «استمعت إليه. لم أُدلِ بأي تعليق. ولم ألتزم أي موقف». كما أشار إلى أنّه سيُصدر في الوقت المناسب قرارًا بشأن صفقة بيع أسلحة مقاتلة لتايوان بعد التحدث إلى «الشخص الذي يدير تايوان حاليًا».
وكانت هذه أولى تصريحاتٍ عفوية بعد يومين قضاهما ترامب في بكين، حيث قلّت تصريحاته بنحوٍ ملحوظ على غير المعتاد، وركّزت تعليقاته بشكلٍ أساسي على الإشادة بحفاوة شي جينبينغ ومكانته. وحذّر ترامب تايوان «من أنّ أي خطوةٍ باتجاه إعلان الاستقلال، ستكون مرفوضة ومدانة». وذلك في مقابلةٍ تلفزيونية تمّ تسجيلها قبل مغادرته بكين.
ووفق مقتطفاتٍ من المقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، قال ترامب: «لا أريد أن يعلن أحد الاستقلال». مضيفًا: «لا أريد أن يقول أحد دعونا نعلن الاستقلال لأنّ الولايات المتحدة تدعمنا». وأشار إلى أنّه لم يتّخذ قرارًا بعد بشأن بيع الأسلحة للجزيرة.
وكان الرئيس الصيني قد وعد نظيره الأميركي «بأنّ الأسواق الصينية ستكون أكثر انفتاحًا على التجارة الأميركية والعلمية في المستقبل». لكنّه حذّر «من أنّ الخلاف بشأن تايوان قد يدفع العلاقات بين البلدين إلى مسارٍ خطير، وحتى إلى صراعٍ بينهما»، وفق تصريحاتٍ نشرتها وسائل الإعلام الصينية الرسمية بعد وقتٍ قصير على بدء المحادثات.
تنتظر صفقة بيع أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار موافقة الرئيس الأميركي عليها. وبينما تعترف الولايات المتحدة بـ «بكين» فقط، فهي ملزمة بموجب قانون داخلي بتزويد تايوان بالأسلحة لتمكينها من الدفاع عن نفسها.
ويقول مارك لانتين، المتخصّص في الشؤون الصينية في جامعة القطب الشمالي في النروج لـ «فرانس 24»: «بكين غير راضية عن شحنات السلاح الأميركية إلى تايوان وتريد الحدّ منها، أو حتى الحصول على حق النقض (الفيتو) إن أمكن».
وأضاف: «إذا انتهت القمّة بتخلّي واشنطن عن موقفها التقليدي القائل بأنّ الولايات المتحدة لا تدعم استقلال تايوان، واستبدلته بعبارة «ضده»، أي معارضة استقلال تايوان، فسيكون «شي» قد ذهب إلى أقصى مدى في المساومة، وحقّق النصر».
من جهتها قالت تايوان: «إنّه لا يوجد شيءٌ مفاجئ في القمة». وأضافت: «إنّ الضغط العسكري الصيني هو التهديد الحقيقي للسلام».


لا إنجازات… ولا مساعدات
غادر الرئيس ترامب الصين من دون تحقيق إنجازاتٍ كبيرة في مجال التجارة، أو الحصول على مساعداتٍ ملموسة من بكين لإنهاء الحرب مع إيران، على الرغم من قضائه يومين غلبت عليهما الإشادة بمضيفه الرئيس شي جينبينغ.
كانت الزيارة إلى الصين (المنافس الاستراتيجي والاقتصادي الرئيسي للولايات المتّحدة) هي الأولى لرئيسٍ أميركي منذ زيارته السابقة في العام 2017. وكانت تهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة لتعزيز معدّلات تأييده قبل انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس. وبينما سعى ترامب إلى تحقيق مكاسب تجارية فورية مثل صفقة لبيع طائرات بوينغ، تحدّث شي عن إعادة ضبط طويلة الأمد للحفاظ على علاقاتٍ مستقرة مع واشنطن، ما سلّط الضوء على اختلاف أولوياتهما. روّج شي لمصطلحٍ جديد لوصف العلاقة بين البلدين، وهو «الاستقرار الاستراتيجي البنّاء»، في تحولٍ جذري عن مصطلح «المنافسة الاستراتيجية» الذي استخدمه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، والذي لم يلقَ استحسان بكين.
وأوردت شبكة «سي. أن. أن» الأميركية بأنّ ترامب غادر بكين من دون التوصّل إلى حلٍ رسمي لمشكلة إمدادات العناصر الأرضية النادرة التي أثّرت سلبًا على العلاقات منذ أن فرضت الصين قيودًا على تصدير هذه المعادن الحيوية، ردًا على الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب في نيسان 2025.
وكان ترامب قد أعلن بأنّه أبرم العديد من الاتفاقيات التجارية مع الصين برفقة مجموعةٍ من المليارديرات البارزين. إلّا أنّ «سي. أن. أن» قالت بأنّ تفاصيل تلك الصفقات كانت غامضة ما يشير إلى تحوّلٍ محتمل في موازين القوى بين أكبر اقتصادين في العالم منذ زيارة ترامب السابقة قبل نحو 9 سنوات. وأضافت: «انتقد المستثمرون غياب التفاصيل، فباعوا الأسهم، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» أكثر من 300 نقطة، أي بنسبة 0.6 بالمئة. كما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد أند بورز» 500 نقطة بنسبة 1 بالمئة. وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» بنسبة 1.4 بالمئة.
ووفق الشبكة الأميركية، كان المحلّلون يتوقّعون انخفاضًا في التوقّعات بشأن صفقاتٍ مهمة نظرًا للحالة المتردّية للعلاقات الأميركية – الصينية، ومع ذلك فإنّ غياب اتفاقيات جوهرية حاسمة يتناقض بشكلٍ صريح مع زيارة ترامب السابقة في العام 2017.


17 مسؤولاً تنفيذيًا فقط!
وأشارت الشبكة نفسها إلى أنّه، قبل تسع سنوات، اصطحب ترامب معه 30 مسؤولًا تنفيذيًا أميركيًا. وأعلنت وزارة التجارة عن 37 صفقة، بلغ مجموعها أكثر من 250 مليار دولارٍ أميركي، قبل أن يغادر الرئيس الأميركي بكين، بما في ذلك تعهّد من الصين بشراء 300 طائرة بوينغ، لكن لم يتم الوفاء به.
وأوضحت أنّه في هذه المرة رافقه 17 مسؤولًا تنفيذيًا، معظمهم من شركات التكنولوجيا والمالية، بما في ذلك الرئيس التنفيذي لشركة «أنفيديا» جينسن هوانغ، والرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك، والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك. وقالت: «يواجه المسؤولون التنفيذيون الذين سافروا إلى بكين بحثًا عن مداخل إلى السوق الصينية، مهمة بيع أصعب بكثيرٍ الآن، بسبب نجاح الصين في رعاية الشركات المحلية وتطويرها كجزءٍ من مسعى وطني لتعزيز الاكتفاء الذاتي في مجالات التكنولوجيا والتصنيع والاستهلاك المحلي. وقد تلقّى هذا المسعى صفعةً قوية من الحرب التجارية التي شنّتها إدارة ترامب الأولى.»


مجلس استثماري وآخر تجاري
في غياب أيّ إعلانات عن استثمارات أميركية في الصين، صرّح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت «بأنّ البلدين ناقشا إنشاء مجلس استثماري للاستثمارات الصينية في القطاعات غير الحسّاسة في الولايات المتّحدة». وأضاف: «هناك أيضًا حديث عن إنشاء مجلسٍ تجاري من شأنه تسهيل إلغاء بعض الرسوم الجمركية على سلعٍ بقيمة 30 مليار دولارٍ تقريبًا». لكنّ الرئيس ترامب قال «بأنّ موضوع الرسوم الجمركية لم يُطرح حتى خلال مفاوضاته مع شي». وقال محلّلون: «إنّ البلدين قد يُبرمان المزيد من الصفقات في الأسابيع المقبلة، بما في ذلك صفقات تتعلّق بالصادرات الزراعية والطاقة الأميركية».
وختمت الشبكة بالقول: «تشير المعطيات إلى أنّ الاقتصاد الصيني يحتاج إلى الولايات المتّحدة بشكلٍ أقل من ذي قبل، ويبدو أنّ ذلك يشمل أكبر شركاتها أيضًا».


إيران.. ومضيق هرمز
أشار ملخّص أميركي لمحادثات الزعيمين إلى ما وصفه البيت الأبيض بـ «الرغبة المشتركة» في إعادة فتح مضيق هرمز، واهتمام الرئيس الصيني بشراء النفط الأميركي لتقليص اعتماده على الشرق الأوسط. إلا أنّ بكين لم تؤكد مثل هذا التوجّه، بل أبدت اهتمامًا بضرورة فتح مضيق هرمز الذي يضخّ إلى مصانعها ما يزيد عن 40 بالمئة من احتياجاتها النفطية.
وقبل اجتماع الرئيسين لاحتساء الشاي في اليوم الأخير للزيارة، أصدرت الخارجية الصينية بيانًا صريحًا أوضحت فيه إحباطها من الحرب، وقالت الوزارة: «هذا الصراع الذي ما كان ينبغي أن يحدث مطلقًا لا يوجد سبب لاستمراره»، مضيفةً: «إنّ الصين تدعم الجهود الرامية للتوصّل إلى اتفاق لإنهاء حربٍ أثّرت بشدة على إمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي».
وفي حديقة «تشونغنانهاي»، أكّد ترامب «أنّه بحث مع «شي» الملف الإيراني، ووجدا أنّ وجهتي نظرهما متشابهتان جدًا». لكنّ الرئيس الصيني لم يعلّق بهذا الشأن.
وفي حين قال ترامب خلال رحلة العودة «إنّه لم يطلب أي خدمات في ما يتعلق بإيران»، حثّ وزير الخزانة الأميركية «سكوت بيسنت» بكين على استخدام نفوذها لدى طهران للتوصّل إلى اتفاق. إلّا أنّ محلّلين شكّكوا في استعداد الرئيس الصيني للضغط بشدة على طهران، أو إنهاء الدعم لجيشها، نظرًا لأهمية إيران بالنسبة إلى «بكين» باعتبارها ثقلًا استراتيجيًا موازنًا أمام الولايات المتحدة.


أسهُم بوينغ
في إشارة أخرى إلى الضبابية التي غطّت نتائج القمة، لم يذكر بيان ترامب الإصلاحات الهيكلية الواسعة التي ضغط الرؤساء السابقون على الرئيس الصيني بشأنها. وعلى عكس رحلته السابقة في العام 2017، أوضح البيان أنّ ترامب لم يناقش مع شي «الإصلاحات الهيكلية»، أو «الحوكمة الاقتصادية العالمية»، أو «نظام التجارة الدولية». حتى الصفقة التي روّج لها باعتبارها أهم إنجاز من الاجتماعات، لم تحقّق النتائج المرجوّة. فقد انخفض سهم بوينغ 4 بالمئة، بعد تصريح ترامب بأنّ الصين ستشتري 200 طائرة بوينغ، وهو عدد أقل بكثير من العدد الذي ذكرته مصادر لوكالة «رويترز»، والذي بلغ نحو 500 طائرة. ويقول الصينيون: «ربما قد تصل الطلبية إلى 750 طائرة، إذا قام الأميركيون بعملٍ جيد حول تايوان، ومضيق هرمز!».
وقال مسؤولون أميركيون إنّ الطرفين اتفقا أيضًا على صفقات لبيع المنتجات الزراعية، مع إحراز تقدّم في إنشاء آليات لإدارة التجارة مستقبلًا. ولم تتوافر تفاصيل كثيرة عن الصفقات. ولم تظهر أيّ مؤشرات حول تحقيق تقدم بشأن بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتطوّرة «إتش 200» من شركة «أنفيديا» إلى الصين، على الرغم من انضمام الرئيس التنفيذي للشركة جينسن هوانغ إلى الزيارة في اللحظة الأخيرة.


حجر الزاوية للاقتصاد العالمي
تشير الأرقام إلى أنّ العلاقة التجارية بين البلدين تشكّل حجر الزاوية في الاقتصاد العالمي. واستنادًا إلى بيانات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 28.75 تريليون دولار، والصين نحو 18.74 تريليون دولار، مقابل اقتصادٍ عالمي حجمه نحو 110.98 تريليون دولار، ما يعني أنّ البلدين يمثلان 42.8 بالمئة من الاقتصاد العالمي.
وتصف منظّمة مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) تدفقات السلع بين الصين والولايات المتّحدة بأنّها من أكبر التدفقات الثنائية في تجارة البضائع عالميًا. ففي العام 2024، استوردت الولايات المتّحدة من الصين 463 مليار دولار، بينما استوردت الصين من الولايات المتحدة 165 مليار دولار، وفق أرقام المنظّمة.
وأشارت بيانات منظّمة التجارة العالمية إلى أنّ واردات السلع الأميركية بلغت 3.12 تريليونات دولار في العام 2024، واستحوذت الصين منها على 13.4 بالمئة، وفي المقابل استوعبت الصين 7 بالمئة من صادرات السلع الأميركية. واستنادًا إلى مكتب التمثيل التجاري، بلغ إجمالي تجارة السلع بين الولايات المتّحدة والصين 414.7 مليار دولار في العام 2025، منها 106.3 مليارات دولار صادرات أميركية إلى الصين، و308.4 مليارات دولار واردات أميركية من الصين. وتظهر بيانات مكتب الإحصاء الأميركي أنّ تجارة السلع الثنائية تراجعت من 690.3 مليار دولار في 2022، إلى 574.9 مليار دولار في 2023؛ أي أنّ هذه التجارة تقلّصت ولكنّها بقيت بمئات المليارات.
وبحسب مكتب الممثل التجاري الأميركي، قُدّرت تجارة السلع بين البلدين في 2024 (آخر عام كامل متاح للسلع والخدمات) بـ 658.9 مليار دولار، وشملت 76.9 مليار دولار تجارة خدمات، مع فائض خدمات لأميركا قدره 33.2 مليار دولار. وتظهر بيانات الجمارك الصينية أنّ تجارة السلع مع الولايات المتّحدة بلغت 559.8 مليار دولار في العام 2025، منها 420.1 مليار دولار صادرات صينية إلى الولايات المتّحدة، و139.7 مليار دولار واردات صينية من الولايات المتحدة. ويعود اختلاف الأرقام بين المصادر الأميركية والصينية عادةً إلى فروق منهجية في الإحصاء مثل بلد المنشأ، وتوقيت التسجيل، وقيمة الصادرات مقابل الواردات.


ماذا تبيع الصين إلى أميركا
بلغت واردات الولايات المتّحدة من السلع الإلكترونية الصينية 140.5 مليار دولار في 2024، لتستحوذ الصين على 20.9 بالمئة من إجمالي واردات أميركا من هذا القطاع. وصدّرت الصين إلى الولايات المتحدة في العام 2024 آلات ومفاعلات، ومراجل، ومعدات ميكانيكية بنحو 92.5 مليار دولار، ما يجعل العلاقة مرتبطة بمداخيل إنتاج ومعدات وسطية، لا بسلعٍ استهلاكية فقط.
وشملت صادرات الصين إلى الولايات المتّحدة في العام 2024 أثاثًا، ومصابيح، ومباني مسبقة الصنع بنحو 31.7 مليار دولار، وألعابًا، ومعدات رياضية بنحو 26.9 مليار دولار، ومعدات بلاستيكية بقيمة 23.7 مليار دولار. كما بلغت صادرات الصين إلى الولايات المتّحدة من البطاريات الكهربائية قرابة 16.4 مليار دولار في 2024، ما يربط التبادل التجاري بسلاسل السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة.


ماذا تبيع أميركا للصين
وفق مكتب التمثيل التجاري، بلغت صادرات السلع الأميركية إلى الصين نحو 143.2 مليار دولار في العام 2024، قبل أن تهبط إلى 106.3 مليار دولار في 2025. وتصدّر غاز البترول وفول الصويا قائمة الصادرات الأميركية إلى الصين في 2024، بقيمة تقارب 13.5 مليار دولار للصنف الأول، و12.5 مليار دولار للثاني.
ووفق بيانات الأمم المتّحدة ومنظّمة التجارة العالمية، صدّرت الولايات المتّحدة إلى الصين رقائق بـ 9.7 مليار دولار في العام 2024. وشملت الصادرات الأميركية إلى الصين في العام 2024 آلات، ومعدات، وطائرات، وأجزاءها، وأجهزة بصرية وطبية وتقنية، وهي قطاعات عالية القيمة تجعل الخلافات الاقتصادية بين البلدين مؤثرًا في الشركات الصناعية الكبرى.


العجز التجاري الأميركي
بلغ العجز التجاري السلعي الأميركي مع الصين 202.1 مليار دولار في العام 2025، بعدما كانت الواردات الأميركية من الصين بحدود 382.3 مليار دولار في العام 2022. ثم انتقل إلى 279.6 مليار في العام 2023، و295.5 مليار في العام 2024.
والعجز التجاري مع دول العالم، لا سيما الصين، حاضر بقوة في الخطاب السياسي للرئيس ترامب، إذ يُشار إليه في واشنطن باعتباره مقياسًا لاستحداث الوظائف في الاقتصاد الأميركي، وهو السبب الرئيس الواضح وراء فرض واشنطن لسلسلة من الرسوم الجمركية منذ بدء الولاية الثانية للرئيس ترامب.
الاستثمار من الانفتاح إلى الانتقاء
وفق وزارة التجارة الأميركية، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في الولايات المتّحدة 40 مليار دولار في 2024، منخفضًا من 52.7 مليار دولار في 2020، ما يعني أنّه تراجع 24 بالمئة في 4 سنوات. وبلغ رصيد الاستثمار الأميركي المباشر في الصين 122.9 مليار دولار في العام 2024، مقارنةً بنحو 116.5 مليار دولار في العام 2020، ما يشير إلى أنّ الشركات الأميركية صارت أكثر حذرًا.
وتفرض واشنطن قيودًا على استثمارات أميركية في الصين مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والرقائق، والحوسبة الكمية، بينما تتعامل الصين مع قطاعات مثل البيانات، والمعادن، والتكنولوجيا باعتبارها ملفات أمن قومي، لذلك يتراجع الاستثمار من الجانبين في القطاعات الحسّاسة، ويتحوّل إلى قطاعات أقل تصادمًا.


لماذا يصعب فكّ الارتباط؟
تقدّر وكالة الطاقة الدولية، أنّ الطاقة العالمية لتصنيع خلايا البطاريات تجاوزت 3 تيراواط/ساعة في العام 2024، وأنّ نحو 85 بالمئة منها موجود في الصين، وأكثر من 75 بالمئة مملوك لشركات صينية. واستنادًا إلى وكالة الطاقة الدولية، استحوذت الصين في 2023 على نحو 65 بالمئة من تكرير الليثيوم عالميًا، ونحو 75 بالمئة من تكرير الكوبالت، وأكثر من 90 بالمئة من تكرير الغرافيت، وهذه مواد لا غنى عنها لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية وأنظمة التخزين.
وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أنّ المعادن النادرة ضرورية لتقنيات الطاقة الحديثة، وللاقتصاد الأوسع، وأنّ تقلّب أسعارها، واختناقات العرض، ومخاطر الجغرافيا السياسية، تجعل مراقبة سلاسلها قضية عالمية. وتفيد الوكالة أنّ الصين تبقى الموقع الأقل كلفة لإنتاج تقنيات مثل الألواح الشمسية، والبطاريات، وتوربينات الرياح، بينما ترتفع تكاليف التصنيع في الولايات المتّحدة بما يصل في المتوسط إلى 40 بالمئة مقارنة بالصين.
وتخطّت قيمة سوق 6 تقنيات نظيفة كبرى (الطاقة الشمسية، الرياح، السيارات الكهربائية، البطاريات، المحلّلات الكهربائية، والمضخّات الحرارية) 700 مليار دولار في 2023. وتتوقّع الوكالة أن تتجاوز القيمة 2 تريليون دولار بحلول العام 2035، لذلك يصبح التنافس الأميركي – الصيني على هذه السلاسل تنافسًا على سوق مستقبلية ضخمة.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أنّ نحو نصف التجارة البحرية في تقنيات الطاقة النظيفة يمرّ عبر مضيق «ملقا»، مقارنةً بنحو 20 بالمئة من تجارة الوقود الأحفوري التي تمر عبر مضيق هرمز، ما يعني أنّ اضطرابًا في آسيا لا يضرب الصين وأميركا فقط، بل يُربك طريقًا رئيسيًا لتحوّل الطاقة العالمي.


حرب الرقائق والمعادن
وأعلنت وزارة التجارة الأميركية في كانون الأول 2024 حزمة قيود تستهدف إضعاف قدرة الصين على إنتاج الرقائق المتقدّمة. وشملت 24 نوعًا من معدّات تصنيع أشباه الموصلات، وثلاثة أنواع من أدوات البرمجيات، وذواكر النطاق التردّدي العالمي، مع إضافة 140 كيانًا (شركة، أو منظمة، أو جمعية) إلى قائمة القيود.
وتقول واشنطن إنّ القيود على الشرائح المتقدّمة، والتصنيع المتقدّم، مرتبطة بمنع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطبيقاتٍ عسكرية أو رقابية متقدّمة، ولذلك لم تعد الرقائق سلعة تجارية فقط، بل أصبحت أداة قوة.
وأعلنت وزارة التجارة الأميركية في أيار 2025، إلغاء قاعدة «انتشار الذكاء الاصطناعي» التي صدرت أواخر عهد الرئيس جو بايدن، لكنّها في الوقت نفسه شدّدت توجيهات الالتزام بالشرائح المتقدمة، وبخاصة في ما يتعلق بتحويلها إلى الصين، أو استخدامها في نماذج صينية.
في المقابل، أعلنت وزارة التجارة الصينية العام الماضي ضوابط تصدير على بعض المواد المرتبطة بالمعادن الأرضية النادرة، المتوسطة، والثقيلة، وألزمت المصدّرين بالحصول على تراخيص وفق قانون الرقابة على الصادرات، وقواعد السلع مزدوجة الاستخدام.
وكانت الصين قد فرضت ضوابط على الغرافيت المستخدم في البطاريات، وأكدت أنّ ضوابط الغاليوم (معدن في صناعة أشباه الموصلات)، والجرمانيوم (معدن يدخل في إنتاج الألياف البصرية) ليست حظرًا كاملًا، بل نظام تراخيص لأسباب تتعلّق بالأمن القومي، والالتزامات الدولية.


كيف يتأثر العالم؟
يحذّر صندوق النقد الدولي في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي» للعام الحالي 2026 من أنّ التوترات التجارية المتجدّدة، والتفتّت الجيو – سياسي، وارتفاع أسعار السلع قد تُضعف النمو الاقتصادي، وتضغط على التضخّم، والأوضاع المالية. في حين تُظهر منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، أنّ الولايات المتحدة والصين هما أكبر سوقين لتجارة الاقتصادات النامية.
ووفق المنظمة، استوعبت الولايات المتحدة 1.8 تريليون دولار، بينما حازت الصين على 1.9 تريليون دولار.
وتشير المنظمة الأممية إلى أنّه عندما تتراجع الواردات الأميركية في الصين، أو تتحوّل إلى دولٍ أخرى، لا يتغيّر بلد المنشأ فقط، بل تتغيّر مسارات سفن الحاويات، وأسعار الشحن، وحجوزات الموانئ، ومواعيد المصانع في آسيا وأميركا اللاتينية، وأوروبا، الأمر الذي يزيد أهمية أي تهدئة جمركية، أو تصعيد تكنولوجي بين أكبر اقتصادين في العالم.
وضمن التشابك في العلاقات الاقتصادية بين البلدين ما يتعلّق بحجم حيازة بكين لسندات الدين الأميركي، فقد بلغت قيمة ما تملكه بكين من سندات الخزانة الأميركية في شباط 2026 نحو 693.3 مليار دولار مقارنة بـ 784.3 مليار دولار قبل عام.
في المحصلة، إن دلّت لغة الأرقام على شيء، إنما تدل على حاجة الدولتين، لا بل حاجة العالم بأسره إلى التعاون والانصراف نحو الحوار الإيجابي لمعالجة الأزمات المعقّدة، لأنّ سلام العالم، واستقراره الاقتصادي والاجتماعي، هو مسؤولية الدول المقتدرة، وفي الطليعة الولايات المتحدة والصين.

إنّه الرئيس دونالد ترامب. قائد ”أميركا أولًا“، ومالىء الدنيا وشاغل الناس، وحامل ”مفاتيح السلام“ في العالم. لكنّه لم يبلغ جائزة ”نوبل“ بعد… لقد ذهب نحو أوكرانيا ليُنهي معاناتها، في غضون يومٍ أو يومين، لكنّ ظنّه خاب. كانت طموحات صديقه اللدود فلاديمير بوتين عالية السقف.
توجّه ناحية كندا ليضمّها ويضيف نجمة إلى نجوم العلم الأميركي، لكنّ الموانع تغلّبت على الدوافع. تحدّث عن بنما وممرّها المائي الاستراتيجي، إلّا أنّ الممر حافظ على سكينته، ولم يحرّك الضجيج من حوله، سطح مياهه الهادئة.
رمى شباكه حول جزيرة غرينلاند القطبية، لكنّ سمك القرش بقي طليقًا، ينعم بهدوءٍ آمنٍ تحت طبقات الجليد. ألقى القبض على رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، واقتاده مخفورًا إلى نيويورك، لكنّه خالف القانون الدولي ولم يتلقّ رسالة تهنئة من أي مرجعيّة وازنة.
دفع ببوارجه وحاملات طائراته إلى الشرق الأوسط، وكان عصفٌ وقصف، وبرقٌ ورعد، لكنّ الطموحات الكبرى بقيت عالقة عند مضيق هرمز، حصارٌ يقابله حصار، وشرايين اقتصادية عالمية يضربها الجفاف بعدما توقفت حركة الناقلات ونضبت سبل الإمدادات.
حطّ رحاله في بكين، بعد تأخيرٍ فاض عن الشهر. رفع قبضته عاليًا وهو على سلّم الطائرة. وقبل أن تطأ قدمه أرض المطار، استيقظ التنين من سباته العميق، واهتزّ سور الصين العظيم، وانعكست تردّداته على خبايا التاريخ، فقلّب أوراقها، وخرج من القمقم «فخ ثوسيديدس» الذي فاجأ به الرئيس شي جينبينغ ضيفه محذّرًا «من خطر اندلاع صراع بين قوّة صاعدة، وأخرى مهيمنة».


فمن هو ثوسيديدس، وما هو فخّه؟
«فخ ثوسيديدس»، مصطلح مستوحى من الحروب الإغريقية القديمة، صاغه الباحث الأميركي غراهام أليسون، ويقوم على فكرة مرعبة في جوهرها حين تشعر قوة مهيمنة بأنّ صعود قوة جديدة يهدد مكانتها، ويتحوّل الخوف تدريجيًا إلى محركٍ يدفع الطرفين نحو مواجهة عسكرية، تكاد تبدو حتمية.
وتشير دراسات من جامعة هارفارد إلى أنّ التاريخ شهد منذ العام 1500 أكثر من 16 حالة مشابهة لصراع بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة، انتهت 12 منها بحروبٍ مدمّرة غيّرت وجه العالم.
وثوسيديدس مؤرخ إغريقي شهير، عاش في الفترة من 460 إلى 395 قبل الميلاد. وهو صاحب كتاب «تاريخ الحرب البيلوبونيسية»، ويعدّ أول المؤرخين الإغريق الذين أعطوا للعوامل الاقتصادية والاجتماعية أهمية خاصة.
ويعتبره مجتمع العلوم السياسية أبًا من آباء مجال العلاقات الدولية لما كتبه من تشريحٍ للعلاقات بين أثينا وأسبارطة أثناء الحرب بينهما، وملامح فلسفته الواقعية في تناول الصراعات بين القوى والدول، إذ يراها منظّرو العلاقات الدولية حاليًا نواةً للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، والأكبر حتى يومنا هذا.


جزيرة تايوان
خلال القمة بين الرئيسين شي جينبينغ ودونالد ترامب، التي استمرّت ساعتين، تساءل الرئيس الصيني أمام نظيره الأميركي: «هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز فخ ثوسيديدس، وصناعة نموذجٍ جديد للعلاقات بين القوى الكبرى؟!».
لم يكن السؤال الذي طرحه الرئيس الصيني فلسفيًا أو نظريًا، بل أراد به رسم واقعٍ جدّي. فالصين هي القوة الصاعدة، ورئيسها يحذّر من أنّ أي تعاملٍ خاطئ مع ملف تايوان قد يدفع العلاقات بين بكين وواشنطن إلى «وضع خطير للغاية»، فقد باتت الجزيرة تمثّل أخطر نقطة اشتباك محتملة بين القوتين العظميين.
بدا ترامب وكأنه يرفض الدخول تمامًا إلى هذه المنطقة الرمادية والفلسفية التي يتحدث عنها الصينيون. وواجه التحذير الصيني بلغة رجل الأعمال الذي يعيد صياغة التوتر على شكل فرصة. وأشاد بالاستقبال «الذي لا يحظى به إلا القليل»، مؤكدًا «أنّ المستقبل أفضل، في محاولةٍ لتثبيت إيقاعٍ مختلف فوق طبقة القلق الاستراتيجي». وخلال لقاءٍ مع الصحفيين في طريق عودته إلى الولايات المتّحدة، قال ترامب «إنّ شي أبلغه بمعارضته لاستقلال تايوان». أضاف: «استمعت إليه. لم أُدلِ بأي تعليق. ولم ألتزم أي موقف». كما أشار إلى أنّه سيُصدر في الوقت المناسب قرارًا بشأن صفقة بيع أسلحة مقاتلة لتايوان بعد التحدث إلى «الشخص الذي يدير تايوان حاليًا».
وكانت هذه أولى تصريحاتٍ عفوية بعد يومين قضاهما ترامب في بكين، حيث قلّت تصريحاته بنحوٍ ملحوظ على غير المعتاد، وركّزت تعليقاته بشكلٍ أساسي على الإشادة بحفاوة شي جينبينغ ومكانته. وحذّر ترامب تايوان «من أنّ أي خطوةٍ باتجاه إعلان الاستقلال، ستكون مرفوضة ومدانة». وذلك في مقابلةٍ تلفزيونية تمّ تسجيلها قبل مغادرته بكين.
ووفق مقتطفاتٍ من المقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، قال ترامب: «لا أريد أن يعلن أحد الاستقلال». مضيفًا: «لا أريد أن يقول أحد دعونا نعلن الاستقلال لأنّ الولايات المتحدة تدعمنا». وأشار إلى أنّه لم يتّخذ قرارًا بعد بشأن بيع الأسلحة للجزيرة.
وكان الرئيس الصيني قد وعد نظيره الأميركي «بأنّ الأسواق الصينية ستكون أكثر انفتاحًا على التجارة الأميركية والعلمية في المستقبل». لكنّه حذّر «من أنّ الخلاف بشأن تايوان قد يدفع العلاقات بين البلدين إلى مسارٍ خطير، وحتى إلى صراعٍ بينهما»، وفق تصريحاتٍ نشرتها وسائل الإعلام الصينية الرسمية بعد وقتٍ قصير على بدء المحادثات.
تنتظر صفقة بيع أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار موافقة الرئيس الأميركي عليها. وبينما تعترف الولايات المتحدة بـ «بكين» فقط، فهي ملزمة بموجب قانون داخلي بتزويد تايوان بالأسلحة لتمكينها من الدفاع عن نفسها.
ويقول مارك لانتين، المتخصّص في الشؤون الصينية في جامعة القطب الشمالي في النروج لـ «فرانس 24»: «بكين غير راضية عن شحنات السلاح الأميركية إلى تايوان وتريد الحدّ منها، أو حتى الحصول على حق النقض (الفيتو) إن أمكن».
وأضاف: «إذا انتهت القمّة بتخلّي واشنطن عن موقفها التقليدي القائل بأنّ الولايات المتحدة لا تدعم استقلال تايوان، واستبدلته بعبارة «ضده»، أي معارضة استقلال تايوان، فسيكون «شي» قد ذهب إلى أقصى مدى في المساومة، وحقّق النصر».
من جهتها قالت تايوان: «إنّه لا يوجد شيءٌ مفاجئ في القمة». وأضافت: «إنّ الضغط العسكري الصيني هو التهديد الحقيقي للسلام».


لا إنجازات… ولا مساعدات
غادر الرئيس ترامب الصين من دون تحقيق إنجازاتٍ كبيرة في مجال التجارة، أو الحصول على مساعداتٍ ملموسة من بكين لإنهاء الحرب مع إيران، على الرغم من قضائه يومين غلبت عليهما الإشادة بمضيفه الرئيس شي جينبينغ.
كانت الزيارة إلى الصين (المنافس الاستراتيجي والاقتصادي الرئيسي للولايات المتّحدة) هي الأولى لرئيسٍ أميركي منذ زيارته السابقة في العام 2017. وكانت تهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة لتعزيز معدّلات تأييده قبل انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس. وبينما سعى ترامب إلى تحقيق مكاسب تجارية فورية مثل صفقة لبيع طائرات بوينغ، تحدّث شي عن إعادة ضبط طويلة الأمد للحفاظ على علاقاتٍ مستقرة مع واشنطن، ما سلّط الضوء على اختلاف أولوياتهما. روّج شي لمصطلحٍ جديد لوصف العلاقة بين البلدين، وهو «الاستقرار الاستراتيجي البنّاء»، في تحولٍ جذري عن مصطلح «المنافسة الاستراتيجية» الذي استخدمه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، والذي لم يلقَ استحسان بكين.
وأوردت شبكة «سي. أن. أن» الأميركية بأنّ ترامب غادر بكين من دون التوصّل إلى حلٍ رسمي لمشكلة إمدادات العناصر الأرضية النادرة التي أثّرت سلبًا على العلاقات منذ أن فرضت الصين قيودًا على تصدير هذه المعادن الحيوية، ردًا على الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب في نيسان 2025.
وكان ترامب قد أعلن بأنّه أبرم العديد من الاتفاقيات التجارية مع الصين برفقة مجموعةٍ من المليارديرات البارزين. إلّا أنّ «سي. أن. أن» قالت بأنّ تفاصيل تلك الصفقات كانت غامضة ما يشير إلى تحوّلٍ محتمل في موازين القوى بين أكبر اقتصادين في العالم منذ زيارة ترامب السابقة قبل نحو 9 سنوات. وأضافت: «انتقد المستثمرون غياب التفاصيل، فباعوا الأسهم، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» أكثر من 300 نقطة، أي بنسبة 0.6 بالمئة. كما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد أند بورز» 500 نقطة بنسبة 1 بالمئة. وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» بنسبة 1.4 بالمئة.
ووفق الشبكة الأميركية، كان المحلّلون يتوقّعون انخفاضًا في التوقّعات بشأن صفقاتٍ مهمة نظرًا للحالة المتردّية للعلاقات الأميركية – الصينية، ومع ذلك فإنّ غياب اتفاقيات جوهرية حاسمة يتناقض بشكلٍ صريح مع زيارة ترامب السابقة في العام 2017.


17 مسؤولاً تنفيذيًا فقط!
وأشارت الشبكة نفسها إلى أنّه، قبل تسع سنوات، اصطحب ترامب معه 30 مسؤولًا تنفيذيًا أميركيًا. وأعلنت وزارة التجارة عن 37 صفقة، بلغ مجموعها أكثر من 250 مليار دولارٍ أميركي، قبل أن يغادر الرئيس الأميركي بكين، بما في ذلك تعهّد من الصين بشراء 300 طائرة بوينغ، لكن لم يتم الوفاء به.
وأوضحت أنّه في هذه المرة رافقه 17 مسؤولًا تنفيذيًا، معظمهم من شركات التكنولوجيا والمالية، بما في ذلك الرئيس التنفيذي لشركة «أنفيديا» جينسن هوانغ، والرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك، والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك. وقالت: «يواجه المسؤولون التنفيذيون الذين سافروا إلى بكين بحثًا عن مداخل إلى السوق الصينية، مهمة بيع أصعب بكثيرٍ الآن، بسبب نجاح الصين في رعاية الشركات المحلية وتطويرها كجزءٍ من مسعى وطني لتعزيز الاكتفاء الذاتي في مجالات التكنولوجيا والتصنيع والاستهلاك المحلي. وقد تلقّى هذا المسعى صفعةً قوية من الحرب التجارية التي شنّتها إدارة ترامب الأولى.»


مجلس استثماري وآخر تجاري
في غياب أيّ إعلانات عن استثمارات أميركية في الصين، صرّح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت «بأنّ البلدين ناقشا إنشاء مجلس استثماري للاستثمارات الصينية في القطاعات غير الحسّاسة في الولايات المتّحدة». وأضاف: «هناك أيضًا حديث عن إنشاء مجلسٍ تجاري من شأنه تسهيل إلغاء بعض الرسوم الجمركية على سلعٍ بقيمة 30 مليار دولارٍ تقريبًا». لكنّ الرئيس ترامب قال «بأنّ موضوع الرسوم الجمركية لم يُطرح حتى خلال مفاوضاته مع شي». وقال محلّلون: «إنّ البلدين قد يُبرمان المزيد من الصفقات في الأسابيع المقبلة، بما في ذلك صفقات تتعلّق بالصادرات الزراعية والطاقة الأميركية».
وختمت الشبكة بالقول: «تشير المعطيات إلى أنّ الاقتصاد الصيني يحتاج إلى الولايات المتّحدة بشكلٍ أقل من ذي قبل، ويبدو أنّ ذلك يشمل أكبر شركاتها أيضًا».


إيران.. ومضيق هرمز
أشار ملخّص أميركي لمحادثات الزعيمين إلى ما وصفه البيت الأبيض بـ «الرغبة المشتركة» في إعادة فتح مضيق هرمز، واهتمام الرئيس الصيني بشراء النفط الأميركي لتقليص اعتماده على الشرق الأوسط. إلا أنّ بكين لم تؤكد مثل هذا التوجّه، بل أبدت اهتمامًا بضرورة فتح مضيق هرمز الذي يضخّ إلى مصانعها ما يزيد عن 40 بالمئة من احتياجاتها النفطية.
وقبل اجتماع الرئيسين لاحتساء الشاي في اليوم الأخير للزيارة، أصدرت الخارجية الصينية بيانًا صريحًا أوضحت فيه إحباطها من الحرب، وقالت الوزارة: «هذا الصراع الذي ما كان ينبغي أن يحدث مطلقًا لا يوجد سبب لاستمراره»، مضيفةً: «إنّ الصين تدعم الجهود الرامية للتوصّل إلى اتفاق لإنهاء حربٍ أثّرت بشدة على إمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي».
وفي حديقة «تشونغنانهاي»، أكّد ترامب «أنّه بحث مع «شي» الملف الإيراني، ووجدا أنّ وجهتي نظرهما متشابهتان جدًا». لكنّ الرئيس الصيني لم يعلّق بهذا الشأن.
وفي حين قال ترامب خلال رحلة العودة «إنّه لم يطلب أي خدمات في ما يتعلق بإيران»، حثّ وزير الخزانة الأميركية «سكوت بيسنت» بكين على استخدام نفوذها لدى طهران للتوصّل إلى اتفاق. إلّا أنّ محلّلين شكّكوا في استعداد الرئيس الصيني للضغط بشدة على طهران، أو إنهاء الدعم لجيشها، نظرًا لأهمية إيران بالنسبة إلى «بكين» باعتبارها ثقلًا استراتيجيًا موازنًا أمام الولايات المتحدة.


أسهُم بوينغ
في إشارة أخرى إلى الضبابية التي غطّت نتائج القمة، لم يذكر بيان ترامب الإصلاحات الهيكلية الواسعة التي ضغط الرؤساء السابقون على الرئيس الصيني بشأنها. وعلى عكس رحلته السابقة في العام 2017، أوضح البيان أنّ ترامب لم يناقش مع شي «الإصلاحات الهيكلية»، أو «الحوكمة الاقتصادية العالمية»، أو «نظام التجارة الدولية». حتى الصفقة التي روّج لها باعتبارها أهم إنجاز من الاجتماعات، لم تحقّق النتائج المرجوّة. فقد انخفض سهم بوينغ 4 بالمئة، بعد تصريح ترامب بأنّ الصين ستشتري 200 طائرة بوينغ، وهو عدد أقل بكثير من العدد الذي ذكرته مصادر لوكالة «رويترز»، والذي بلغ نحو 500 طائرة. ويقول الصينيون: «ربما قد تصل الطلبية إلى 750 طائرة، إذا قام الأميركيون بعملٍ جيد حول تايوان، ومضيق هرمز!».
وقال مسؤولون أميركيون إنّ الطرفين اتفقا أيضًا على صفقات لبيع المنتجات الزراعية، مع إحراز تقدّم في إنشاء آليات لإدارة التجارة مستقبلًا. ولم تتوافر تفاصيل كثيرة عن الصفقات. ولم تظهر أيّ مؤشرات حول تحقيق تقدم بشأن بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتطوّرة «إتش 200» من شركة «أنفيديا» إلى الصين، على الرغم من انضمام الرئيس التنفيذي للشركة جينسن هوانغ إلى الزيارة في اللحظة الأخيرة.


حجر الزاوية للاقتصاد العالمي
تشير الأرقام إلى أنّ العلاقة التجارية بين البلدين تشكّل حجر الزاوية في الاقتصاد العالمي. واستنادًا إلى بيانات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 28.75 تريليون دولار، والصين نحو 18.74 تريليون دولار، مقابل اقتصادٍ عالمي حجمه نحو 110.98 تريليون دولار، ما يعني أنّ البلدين يمثلان 42.8 بالمئة من الاقتصاد العالمي.
وتصف منظّمة مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) تدفقات السلع بين الصين والولايات المتّحدة بأنّها من أكبر التدفقات الثنائية في تجارة البضائع عالميًا. ففي العام 2024، استوردت الولايات المتّحدة من الصين 463 مليار دولار، بينما استوردت الصين من الولايات المتحدة 165 مليار دولار، وفق أرقام المنظّمة.
وأشارت بيانات منظّمة التجارة العالمية إلى أنّ واردات السلع الأميركية بلغت 3.12 تريليونات دولار في العام 2024، واستحوذت الصين منها على 13.4 بالمئة، وفي المقابل استوعبت الصين 7 بالمئة من صادرات السلع الأميركية. واستنادًا إلى مكتب التمثيل التجاري، بلغ إجمالي تجارة السلع بين الولايات المتّحدة والصين 414.7 مليار دولار في العام 2025، منها 106.3 مليارات دولار صادرات أميركية إلى الصين، و308.4 مليارات دولار واردات أميركية من الصين. وتظهر بيانات مكتب الإحصاء الأميركي أنّ تجارة السلع الثنائية تراجعت من 690.3 مليار دولار في 2022، إلى 574.9 مليار دولار في 2023؛ أي أنّ هذه التجارة تقلّصت ولكنّها بقيت بمئات المليارات.
وبحسب مكتب الممثل التجاري الأميركي، قُدّرت تجارة السلع بين البلدين في 2024 (آخر عام كامل متاح للسلع والخدمات) بـ 658.9 مليار دولار، وشملت 76.9 مليار دولار تجارة خدمات، مع فائض خدمات لأميركا قدره 33.2 مليار دولار. وتظهر بيانات الجمارك الصينية أنّ تجارة السلع مع الولايات المتّحدة بلغت 559.8 مليار دولار في العام 2025، منها 420.1 مليار دولار صادرات صينية إلى الولايات المتّحدة، و139.7 مليار دولار واردات صينية من الولايات المتحدة. ويعود اختلاف الأرقام بين المصادر الأميركية والصينية عادةً إلى فروق منهجية في الإحصاء مثل بلد المنشأ، وتوقيت التسجيل، وقيمة الصادرات مقابل الواردات.


ماذا تبيع الصين إلى أميركا
بلغت واردات الولايات المتّحدة من السلع الإلكترونية الصينية 140.5 مليار دولار في 2024، لتستحوذ الصين على 20.9 بالمئة من إجمالي واردات أميركا من هذا القطاع. وصدّرت الصين إلى الولايات المتحدة في العام 2024 آلات ومفاعلات، ومراجل، ومعدات ميكانيكية بنحو 92.5 مليار دولار، ما يجعل العلاقة مرتبطة بمداخيل إنتاج ومعدات وسطية، لا بسلعٍ استهلاكية فقط.
وشملت صادرات الصين إلى الولايات المتّحدة في العام 2024 أثاثًا، ومصابيح، ومباني مسبقة الصنع بنحو 31.7 مليار دولار، وألعابًا، ومعدات رياضية بنحو 26.9 مليار دولار، ومعدات بلاستيكية بقيمة 23.7 مليار دولار. كما بلغت صادرات الصين إلى الولايات المتّحدة من البطاريات الكهربائية قرابة 16.4 مليار دولار في 2024، ما يربط التبادل التجاري بسلاسل السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة.


ماذا تبيع أميركا للصين
وفق مكتب التمثيل التجاري، بلغت صادرات السلع الأميركية إلى الصين نحو 143.2 مليار دولار في العام 2024، قبل أن تهبط إلى 106.3 مليار دولار في 2025. وتصدّر غاز البترول وفول الصويا قائمة الصادرات الأميركية إلى الصين في 2024، بقيمة تقارب 13.5 مليار دولار للصنف الأول، و12.5 مليار دولار للثاني.
ووفق بيانات الأمم المتّحدة ومنظّمة التجارة العالمية، صدّرت الولايات المتّحدة إلى الصين رقائق بـ 9.7 مليار دولار في العام 2024. وشملت الصادرات الأميركية إلى الصين في العام 2024 آلات، ومعدات، وطائرات، وأجزاءها، وأجهزة بصرية وطبية وتقنية، وهي قطاعات عالية القيمة تجعل الخلافات الاقتصادية بين البلدين مؤثرًا في الشركات الصناعية الكبرى.


العجز التجاري الأميركي
بلغ العجز التجاري السلعي الأميركي مع الصين 202.1 مليار دولار في العام 2025، بعدما كانت الواردات الأميركية من الصين بحدود 382.3 مليار دولار في العام 2022. ثم انتقل إلى 279.6 مليار في العام 2023، و295.5 مليار في العام 2024.
والعجز التجاري مع دول العالم، لا سيما الصين، حاضر بقوة في الخطاب السياسي للرئيس ترامب، إذ يُشار إليه في واشنطن باعتباره مقياسًا لاستحداث الوظائف في الاقتصاد الأميركي، وهو السبب الرئيس الواضح وراء فرض واشنطن لسلسلة من الرسوم الجمركية منذ بدء الولاية الثانية للرئيس ترامب.
الاستثمار من الانفتاح إلى الانتقاء
وفق وزارة التجارة الأميركية، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في الولايات المتّحدة 40 مليار دولار في 2024، منخفضًا من 52.7 مليار دولار في 2020، ما يعني أنّه تراجع 24 بالمئة في 4 سنوات. وبلغ رصيد الاستثمار الأميركي المباشر في الصين 122.9 مليار دولار في العام 2024، مقارنةً بنحو 116.5 مليار دولار في العام 2020، ما يشير إلى أنّ الشركات الأميركية صارت أكثر حذرًا.
وتفرض واشنطن قيودًا على استثمارات أميركية في الصين مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والرقائق، والحوسبة الكمية، بينما تتعامل الصين مع قطاعات مثل البيانات، والمعادن، والتكنولوجيا باعتبارها ملفات أمن قومي، لذلك يتراجع الاستثمار من الجانبين في القطاعات الحسّاسة، ويتحوّل إلى قطاعات أقل تصادمًا.


لماذا يصعب فكّ الارتباط؟
تقدّر وكالة الطاقة الدولية، أنّ الطاقة العالمية لتصنيع خلايا البطاريات تجاوزت 3 تيراواط/ساعة في العام 2024، وأنّ نحو 85 بالمئة منها موجود في الصين، وأكثر من 75 بالمئة مملوك لشركات صينية. واستنادًا إلى وكالة الطاقة الدولية، استحوذت الصين في 2023 على نحو 65 بالمئة من تكرير الليثيوم عالميًا، ونحو 75 بالمئة من تكرير الكوبالت، وأكثر من 90 بالمئة من تكرير الغرافيت، وهذه مواد لا غنى عنها لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية وأنظمة التخزين.
وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أنّ المعادن النادرة ضرورية لتقنيات الطاقة الحديثة، وللاقتصاد الأوسع، وأنّ تقلّب أسعارها، واختناقات العرض، ومخاطر الجغرافيا السياسية، تجعل مراقبة سلاسلها قضية عالمية. وتفيد الوكالة أنّ الصين تبقى الموقع الأقل كلفة لإنتاج تقنيات مثل الألواح الشمسية، والبطاريات، وتوربينات الرياح، بينما ترتفع تكاليف التصنيع في الولايات المتّحدة بما يصل في المتوسط إلى 40 بالمئة مقارنة بالصين.
وتخطّت قيمة سوق 6 تقنيات نظيفة كبرى (الطاقة الشمسية، الرياح، السيارات الكهربائية، البطاريات، المحلّلات الكهربائية، والمضخّات الحرارية) 700 مليار دولار في 2023. وتتوقّع الوكالة أن تتجاوز القيمة 2 تريليون دولار بحلول العام 2035، لذلك يصبح التنافس الأميركي – الصيني على هذه السلاسل تنافسًا على سوق مستقبلية ضخمة.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أنّ نحو نصف التجارة البحرية في تقنيات الطاقة النظيفة يمرّ عبر مضيق «ملقا»، مقارنةً بنحو 20 بالمئة من تجارة الوقود الأحفوري التي تمر عبر مضيق هرمز، ما يعني أنّ اضطرابًا في آسيا لا يضرب الصين وأميركا فقط، بل يُربك طريقًا رئيسيًا لتحوّل الطاقة العالمي.


حرب الرقائق والمعادن
وأعلنت وزارة التجارة الأميركية في كانون الأول 2024 حزمة قيود تستهدف إضعاف قدرة الصين على إنتاج الرقائق المتقدّمة. وشملت 24 نوعًا من معدّات تصنيع أشباه الموصلات، وثلاثة أنواع من أدوات البرمجيات، وذواكر النطاق التردّدي العالمي، مع إضافة 140 كيانًا (شركة، أو منظمة، أو جمعية) إلى قائمة القيود.
وتقول واشنطن إنّ القيود على الشرائح المتقدّمة، والتصنيع المتقدّم، مرتبطة بمنع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطبيقاتٍ عسكرية أو رقابية متقدّمة، ولذلك لم تعد الرقائق سلعة تجارية فقط، بل أصبحت أداة قوة.
وأعلنت وزارة التجارة الأميركية في أيار 2025، إلغاء قاعدة «انتشار الذكاء الاصطناعي» التي صدرت أواخر عهد الرئيس جو بايدن، لكنّها في الوقت نفسه شدّدت توجيهات الالتزام بالشرائح المتقدمة، وبخاصة في ما يتعلق بتحويلها إلى الصين، أو استخدامها في نماذج صينية.
في المقابل، أعلنت وزارة التجارة الصينية العام الماضي ضوابط تصدير على بعض المواد المرتبطة بالمعادن الأرضية النادرة، المتوسطة، والثقيلة، وألزمت المصدّرين بالحصول على تراخيص وفق قانون الرقابة على الصادرات، وقواعد السلع مزدوجة الاستخدام.
وكانت الصين قد فرضت ضوابط على الغرافيت المستخدم في البطاريات، وأكدت أنّ ضوابط الغاليوم (معدن في صناعة أشباه الموصلات)، والجرمانيوم (معدن يدخل في إنتاج الألياف البصرية) ليست حظرًا كاملًا، بل نظام تراخيص لأسباب تتعلّق بالأمن القومي، والالتزامات الدولية.


كيف يتأثر العالم؟
يحذّر صندوق النقد الدولي في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي» للعام الحالي 2026 من أنّ التوترات التجارية المتجدّدة، والتفتّت الجيو – سياسي، وارتفاع أسعار السلع قد تُضعف النمو الاقتصادي، وتضغط على التضخّم، والأوضاع المالية. في حين تُظهر منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، أنّ الولايات المتحدة والصين هما أكبر سوقين لتجارة الاقتصادات النامية.
ووفق المنظمة، استوعبت الولايات المتحدة 1.8 تريليون دولار، بينما حازت الصين على 1.9 تريليون دولار.
وتشير المنظمة الأممية إلى أنّه عندما تتراجع الواردات الأميركية في الصين، أو تتحوّل إلى دولٍ أخرى، لا يتغيّر بلد المنشأ فقط، بل تتغيّر مسارات سفن الحاويات، وأسعار الشحن، وحجوزات الموانئ، ومواعيد المصانع في آسيا وأميركا اللاتينية، وأوروبا، الأمر الذي يزيد أهمية أي تهدئة جمركية، أو تصعيد تكنولوجي بين أكبر اقتصادين في العالم.
وضمن التشابك في العلاقات الاقتصادية بين البلدين ما يتعلّق بحجم حيازة بكين لسندات الدين الأميركي، فقد بلغت قيمة ما تملكه بكين من سندات الخزانة الأميركية في شباط 2026 نحو 693.3 مليار دولار مقارنة بـ 784.3 مليار دولار قبل عام.
في المحصلة، إن دلّت لغة الأرقام على شيء، إنما تدل على حاجة الدولتين، لا بل حاجة العالم بأسره إلى التعاون والانصراف نحو الحوار الإيجابي لمعالجة الأزمات المعقّدة، لأنّ سلام العالم، واستقراره الاقتصادي والاجتماعي، هو مسؤولية الدول المقتدرة، وفي الطليعة الولايات المتحدة والصين.