قضايا إقليمية

الكمّاشة الاستراتيجية بين مضيقَي هرمز وباب المندب
إعداد: إحسان مرتضى
كاتب وباحث

شكّل إقفال مضيق هرمز العقدة المعضلة الأبرز التي واجهت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران. ومع تصاعد أزمة الطاقة العالمية بسبب إغلاق المضيق والحصار البحري، واستعار الحرب في جنوب لبنان، يبدو أنّ التقديرات التي وُضعت لعملية عسكرية سريعة وقاصمة، لم تتوافق مع واقع الحرب التي باتت تمتد من مضيق هرمز في الخليج حتى الحدود اللبنانية جنوبًا عند البحر المتوسط، وصولًا إلى باب المندب على البحر الأحمر، إثر إعلان جماعة أنصار الله الحوثيين، دخولهم العسكري المباشر فيها.
ولهذا الموقف دلالات بارزة إذ إنّ أنصار الله في اليمن كانوا قد أقفلوا سابقًا بشكلٍ شبه تام مضيق باب المندب أمام السفن التي اعتبروها مرتبطة بـ «إسرائيل» والولايات المتحدة الأميركية على مدى سنتين من الحرب على غزة منذ تشرين الأول 2023، ونفّذوا هجمات بالصواريخ والمسيّرات على «إسرائيل»، كما اشتبكوا مع قطع بحرية أميركية في البحر الأحمر، إلى أن تمّ التوصل إلى اتفاق على وقف لإطلاق النار في 6 أيار 2025.
ولباب المندب أهمية استراتيجية، لكونه واحدًا من أهم أربعة ممرات مائية في العالم، إلى جانب مضيق هرمز وقناة السويس في مصر ومضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا. ويمر عبره من 10 إلى 12 في المئة من التجارة العالمية، ونسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز والحاويات بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب في باب المندب يؤثّر على أسعار النفط عالميًا. وهذا يعني أنّ إيران وحليفها اليمني يسيطران تباعًا على فكَّي كماشة جيو – استراتيجية طرفاها بين مضيق هرمز ومضيق باب المندب.


مضيقا هرمز وباب المندب في الاشتباك الاستراتيجي
إذا كان مضيق هرمز يمثّل قلب معادلة الطاقة العالمية، فإنّ مضيق باب المندب يُعدّ البوابة التي تتحكم في تدفقات التجارة بين الشرق والغرب. ويُعدّ مضيق هرمز من أكثر نقاط الاختناق أهمية في العالم، إذ يمر عبره يوميًا بين 19 و21 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاته، أي أكثر من 21% من الاستهلاك العالمي للنفط، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال المنقول بحرًا، معظمها من قطر. وهذه الأرقام لا تمثّل مجرّد حجم تجارة، بل نقطة اختناق لا بديل عمليًا لها، على الأقل في الأجل المنظور. ويُعد مضيق باب المندب نقطة اختناق أخرى لها ثقلها الوازن أيضًا، إذ يقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ويشكّل بوابة حيوية لاستمرار تدفق البضائع والطاقة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. ويمر عبر هذا المضيق ما بين 8 و10% من تجارة النفط البحري العالمي. ويشكّل المضيقان معًا فكَّي كماشة جيو- اقتصادية يُمسكان بقوة بممرات الطاقة والتجارة العالمية. وهذا الواقع يعكس تحوّلًا بنيويًا في تسعير النفط، الذي لم يعد محكومًا بالعرض والطلب فحسب، بل بات وثيق الارتباط بالاعتبارات الجيوسياسية وسيناريوهات الصدمة. وبتعبيرٍ آخر، إنّ استقرار تدفق صادرات النفط عبر مضيق هرمز يمثل شريانًا رئيسًا للاستقرار المالي والاقتصادي والمعيشي في العالم. وفي الوقت نفسه، إذا ترافقت أزمة هرمز مع تعطيل باب المندب، وهو السيناريو الأسوأ في حال توسعت رقعة التوترات لتشمل اليمن، فإنّ ناقلات النفط ستجبر على تغيير مساراتها من البحر الأحمر إلى المسار الأطول حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف 15 يومًا من الإبحار على الأقل، فضلًا عن توابعها من تكاليف ضخمة على الشحن. وهذه ليست مجرد مضاعفات لوجستية، بل هي تكاليف ستُترجم فورًا إلى أسعار أعلى للطاقة وتكاليف تشغيل أكبر للشركات الصناعية والنقل، ما ينعكس بشكلٍ مباشر على تكلفة الإنتاج وعدم استقرار سلاسل الإمداد الدولية، ويضع الاقتصاد العالمي كله أمام صدمة مضاعفة تتمثل بارتفاع حاد في أسعار النفط، وضغوط تضخمية تتسرب إلى أسعار السلع الأساسية، وعجز محتمل في ميزانيات الدول المعتمدة على النفط.


خيارات محدودة
لقد أدار الإيرانيون لعبة حافة الهاوية مع أعدائهم بعقل الجغرافيا لا بانفعال السياسة. وبالتالي تبين أنّ الحصار العسكري بالبوارج وحاملات الطائرات ليس استراتيجية نصر. ومن هنا يخشى الرئيس الأميركي دونالد ترامب من ارتفاع الخسائر عليه وعلى حلفائه، بخاصةٍ بعدما أظهر استطلاع للرأي أجرته وكالة رويترز بأنّ تأييده داخل أميركا وصل إلى أدنى مستوى له منذ إعادة انتخابه في العام 2024. وهو يكرّر شكواه أيضًا من عدم انخراط حلفائه في الحرب إلى جانبه وبخاصةٍ حلف الناتو الذي يصفه بأنه نمر من ورق، في حين أصدر وزراء خارجية مجموعة الدول السبع بيانًا مشتركًا حثّوا فيه على وقف فوري للهجمات على السكان والبنية التحتية المدنية. وهذه الدول، لأسباب استراتيجية واقتصادية وأمنية، تدرك أنّ كلفة أي مواجهة عسكرية في الممرات الحيوية ستكون باهظة الكلفة وغير مضمونة النتائج. ويزداد تشكيكهم في مواقف ترامب الذي يكرر الحديث عن تغيير النظام الإيراني والإقليمي في حين تبدو إيران وحلفاؤها مصمّمين على الاستمرار في حرب استنزاف مؤلمة وطويلة الأمد للجانبين الأميركي والإسرائيلي بما يؤدي إلى رسم معادلات جديدة وفق خطتهم على مساحة الشرق الأوسط. ويعزّز الانطباع بعدم نجاعة الخيار العسكري، ما شهدته الساحة اليمنية سابقًا في إطار معركة إسناد غزة، إذ فرضت صنعاء حصارًا كاملًا على السفن الإسرائيلية أو تلك المرتبطة بها، ووسّعت إجراءات الضغط لتشمل الناقلات الأميركية والأوروبية، وذلك على خلفية مواقف تلك الدول الداعمة لحرب الإبادة الجماعية في غزة. وفي المقابل، سُمح بمرور سفن دول أخرى كالصين وروسيا وعدد من الدول النامية. وفي حين بادرت الولايات المتحدة إلى تشكيل ما عُرف بـ «تحالف حارس الازدهار»، مروّجةً لإمكان فرض فتح الممرّ بالقوة، بما في ذلك تنفيذ ضربات جوية داخل الأراضي اليمنية، اتّجه الاتحاد الأوروبي إلى مسارٍ موازٍ عبر إطلاق بعثة «أسبيدس»، الهادفة إلى تأمين الملاحة ومرافقة السفن وصولًا إلى قناة السويس، من دون الانخراط في ضربات داخل الأراضي اليمنية. ولكن بعد اتفاق وقف النار، عاد الوضع إلى طبيعته في المضيق، الأمر الذي عُدّ مؤشرًا إضافيًا إلى محدودية فعالية الخيار العسكري في مثل هذه النزاعات المركّبة.


عقدتان متصلتان بشريانٍ واحد
بين مضيقَي هرمز وباب المندب، لا يجري الحديث عن ممرّين بحريين منفصلين، بل عن عقدتين متصلتين بشريانٍ واحد يربط الطاقة بالتجارة وبالغذاء على مستوى العالم. وإذا كان مضيق هرمز هو البوابة الكبرى لصادرات النفط والغاز من الخليج، فإنّ باب المندب هو الممر الذي يسمح لتلك الشحنات، ومعها جزء كبير من التجارة بين آسيا وأوروبا، بالعبور نحو البحر الأحمر ثم قناة السويس. وهنا تحديدًا يدخل لبنان إلى قلب المشهد كبلد يعتمد بشكلٍ شبه كامل على الاستيراد لتأمين الطاقة والغذاء، ويعمل بعملة ضعيفة ونظام مالي مثقل بالعيوب، وبالتالي فهو لن يتأثر بارتفاع الأسعار العالمية فحسب، بل بما هو أخطر: الكلفة النهائية الواصلة، أي كلفة الشحن والتأمين والتأخير. وهذه الكلفة هي التي ستُترجم مباشرة إلى تضخم محلي، وضغط إضافي على القدرة الشرائية للناس وتآكل ما تبقى من استقرار اجتماعي هش.