- En
- Fr
- عربي
ثقافة وفنون
انخرط لبنان في عملية معقّدة لإعادة تعريف ذاته ثقافيًا في العقود التي تلت الاستقلال، ساعيًا إلى ترسيخ موقعه ضمن التاريخ الإقليمي ومسارات الحداثة العالمية في آنٍ معًا. وتُعدّ مهرجانات بعلبك الدولية من أبرز تجلّيات هذا المشروع الثقافي، وهي أُسّست في العام 1955 بدعمٍ مباشر من رئيس الجمهورية كميل شمعون والسيدة الأولى زلفا تابت شمعون. وسرعان ما تحوّلت إلى قدوة ومُـنطلق للنهضة الفنية المحلية ومنصة محورية في التبادل والدبلوماسية الثقافية.
وعلى الرغم من الاعتراف الواسع بأهمية المهرجان وبرامجه ودلالاته الرمزية، إلّا أنّ كتالوجاته السنوية لم تحظَ بالاهتمام الكافي بوصفها مواد بصرية وأدبية وأركيولوجية وفنية ذات قيمة خاصة. تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أنّ كتالوجات مهرجانات بعلبك (1955–1974) تشكّل أرشيفًا أساسيًا لفهم كيفية تشكُّل مفاهيم التراث والحداثة والهوية الوطنية بصريًا في لبنان خلال منتصف القرن العشرين. استنادًا إلى مقاربات في الأنثروبولوجيا البصرية وتاريخ التصميم، يُعاد النظر في هذه الكتالوجات ليس كملاحق توثيقية، بل كوسائط فاعلة ساهمت في تشكيل تصوّر كلٍّ من المهرجان والوطن محليًا وخارجيًا.
الكتالوجات بوصفها كائن ثقافي
لا تُعدّ المطبوعات مثل الكتالوجات مجرد أدوات نقل معلومات من منظور الأنثروبولوجيا البصرية، بل هي عناصر مادية فاعلة في إنتاج المعنى الثقافي. فهي تنتقل بين جمهور متنوع، وتتجاوز زمن الحدث، وتجسّد القيم المؤسسية في شكل ملموس.
وقد أُنتجت كتالوجات بعلبك بعناية ملحوظة في ما يتعلّق بالجودة المادية، من اختيار الورق إلى تقنيات الطباعة والتجليد، ما يشير إلى أنها صُمّمت لتكون مواد قابلة للاقتناء، لا مجرد منشورات عابرة. وفي هذا السياق، يمكن فهمها ضمن ما يسميه الأنثروبولوجي الهندي أرجون أبّادوراي «الحياة الاجتماعية للأشياء» (The Social Life of Things)، إذ تكتسب المواد قيمتها من خلال تداولها واستخدامها. وعليه، يتحوّل الكتالوج إلى امتداد متنقّل للمهرجان، يسمح بإعادة تجربة أطلال بعلبك الرومانية ومهرجانها خارج حدود الموقع، ويجعلها قابلة للتداول والتذكّر وإعادة التلقّي والتقييم.
محتوى الكتالوجات: من التعريف إلى التخيّل
تكشف كتالوجات مهرجانات بعلبك الدولية عبر عقدين وتسعة عشر مهرجانًا عن رحلة ثقافية وجمالية مدهشة، تحوّلت خلالها هذه الإصدارات من برامج تعريفية بالعروض إلى مشاريع فنية وفكرية متكاملة، تعيد تخيّل لبنان أمام العالم وتوثّق هذا المخيال المتجدد. تميزت هذه المطبوعات بهيكلٍ رصين وفقرات شبه ثابتة في مضمونها وتسلسلها، فتبدأ بكلمة لكل من رئيس الجمهورية ورئيسة المهرجان بالفرنسية يقابلهما النص العربي ويكون موقعه إجمالًا في نهاية الكتاب. يلي هذه الفقرة جدول يلخّص أعمال المواسم السابقة من المهرجان، ومن ثم الملف السنوي الذي تتخلّله نصوص لأدباء وكتّاب من لبنان، تدور حول خصوصية بعلبك ونواحٍ مختلفة من ميزات هذا البلد الذي يشكّل جسرًا فريدًا بين الشرق والغرب. وتركّز الفقرة التالية على تفاصيل البرنامج الفني السنوي، والأعمال والفِرق الأجنبية المشاركة إلى جانب فعاليات الليالي اللبنانية ونجمتَيها فيروز وصباح وعروض الصوت والضوء التي انطلقت في العام 1961. كما خصص الكتالوج حيزًا لأعمال لجنة المسرح العربي الحديث منذ العام 1963، يشمل صورًا وقائمة بالمسرحيات. ويعكس الالتزام باللغات الثلاث الفرنسية، والعربية، والإنكليزية منذ العام 1957 خطة المهرجان لاستهداف جمهور عالمي واسع، وأحد متطلبات تحقيق مرجعية ثقافية مرجوّة. وتكشف فهارس المعلنين الكثيفة والثابتة عبر السنوات في الكتالوجات عن شبكة دعم مالي واسعة، تمثل حلقة فاعلة من النخب الاقتصادية والمالية، ما يشير إلى تكامل بين القطاعين العام والخاص في دعم هذا المشروع الثقافي.
الملف السنوي: مهرجان موازٍ
انطلق الكتالوج في العام 1961 بوثبة كبيرة بدا معها وكأنّه محاولة لنسج حوار بصري بين الماضي والحاضر، ليشمل في غالبية السنوات اللاحقة ملفات مخصصة لمواضيع تراثية وأركيولوجية وفنية مستقاة من أمهات الكتب القديمة، ومصادر أرشيفية متعددة تتنقل بين الكلمة واللوحة والرسوم التطبيقية والصورة. وفي كتالوج ذلك العام انسابت الزخارف (الأرابيسك) من سقوف معبد باخوس وصولًا إلى أعمال الرسامَين الفرنسيَّين مايول وماتيس على «طول ألفي عام من العمر» وعبر ازدياد مطّرد لعدد الصفحات الذي وصل إلى حوالى 198 صفحة.
ثم جاء كتالوج 1962 ليؤكد أنّ مهرجان بعلبك لم يعد حدثًا فنيًا عابرًا، بل «لحظة ذروة في الحياة الثقافية اللبنانية»، وأصبح الكتالوج عملًا ينتظره ويقتنيه المهتمون خلال صيف كل عام. أخذ البرنامج في تلك الدورة على عاتقه تقديم المدارس اللبنانية في الرسم والنحت والتصوير، إلى جانب أصوات الشعراء والأدباء، في سعي لرسم صورة لبنان الثقافي المنفتح على العالم. وقد لعب عضو لجنة المهرجان كميل أبو صوان دورًا محوريًا في صياغة هذه الهوية البصرية والثقافية، من خلال تصميم الكتالوج واستقطاب الفنانين والكتّاب.
أما كتالوج 1963، فقد حمل عنوان «رحلات في الشرق»، وخصّص صفحاته لاستعادة لبنان كما رآه الرحالة والكتّاب خلال نحو قرنين. امتزجت نصوص غوستاف فلوبير وهنري بوردو ولامارتين وأرنست رينان وموريس بار برسوم شفيق عبود ورفيق شرف ومصطفى فروخ، ليصبح الكتالوج أشبه بألبوم «ذاكرة مستقبلية» جماعية للبنان الطبيعي والشعري والتراثي.
ومع النصف الثاني من الستينيات، اتجهت الكتالوجات نحو مواضيع أكثر ارتباطًا بالهوية الوطنية والرمزية الحضارية. ففي العام 1967 ظهر عنوان «لبنان أمس، لبنان الحديث» لملف يجمع رسومات وصورًا لمناطق مختلفة تمتد من العهود القديمة إلى يومنا هذا، كأنّ المهرجان يحاول التوفيق بين الحداثة والتاريخ. وفي 1968، انتقل الاهتمام إلى «البيت اللبناني القديم» (من إعداد كميل أبو صوان) بوصفه رمزًا للذاكرة المحلية والعمارة التقليدية.
ثم عادت بعلبك نفسها لتحتل مركز السردية: «باخوس» (1969)، و«جوبيتر» (1970)، و«فينوس» (1972) عبر دراسات علمية موثّقة قدّمها هاروتيون كالايان وفريدريش راجيت من الجامعة الأميركية في بيروت. يتحوّل هنا الكتالوج إلى احتفاء بالمعابد الرومانية بوصفها رموزًا ثقافية وهوية بصرية للبنان الحديث.
في السبعينيات، أخذ الاهتمام بالفنون التشكيلية يتصاعد بوضوحٍ من جديد. فخُصّص كتالوج 1971 لـ «أزياء الشرق»، بينما احتفى كتالوج 1973 بخمسٍ وستين لوحة تشكيلية (إعداد جوزيف طراب)، قبل أن يأتي كتالوج 1974 بعنوان «100 عام من الفن التشكيلي» (إعداد وضاح فارس)، ليقدّم قراءة شبه متحفية وشاملة لمسار الفن اللبناني الحديث ولأول مرة بالألوان.
بالتوازي، حَوَت الكتالوجات، بخاصة منذ العام 1961، نصوصًا لمروحة واسعة من الأدباء والكتّاب اللبنانيين، نذكر منهم رامز خليل سركيس، شاعر الأرز، الأخطل الصغير، فؤاد غبريال نفاع، ميشال شيحا، فؤاد صرّوف، رينه حبشي، صلاح لبكي، موريس شهاب، سعيد عقل، توفيق يوسف عواد، صلاح الأسير، داود عمون، جميل جبر، كمال جنبلاط، أندريه شديد، يوسف إبراهيم يزبك، فؤاد افرام البستاني، رشدي المعلوف، عمر فاخوري، شارل قرم، إتيل عدنان، بولس سلامة، كامل مروة، أمين نخلة وآخرين. هكذا، لم تكن كتالوجات مهرجان بعلبك مجرد مطبوعات مرافقة للعروض، بل أرشيفًا ثقافيًا بصريًا يروي قصة لبنان: تاريخه، فنونه، ذاكرته، وصورته التي أراد أن يقدّمها إلى العالم.
الاستعراض ومركزية الأطلال وظلال اليوتوبيا
تتحوّل كتالوجات مهرجانات بعلبك تدريجيًا من منشورات تعريفية مرافقة للعروض إلى أعمال فنية قائمة بذاتها ومشاريع نشر متكاملة، تعكس تطورًا ملحوظًا في التصميم وتحوّلًا عميقًا في الفلسفة البصرية للمهرجان، بالتوازي مع تحوّله إلى منصة مركزية لصوغ الهوية الثقافية اللبنانية الحديثة. ففي المرحلة التأسيسية بين العامَين 1955 و1960، اتسم التصميم الغرافيكي بطابعٍ عملي وتقليدي، مع هيمنة واضحة للّغة الفرنسية وتركيز أساسي على شرح البرنامج والعروض المسرحية ذات الطابع الأوروبي، قبل أن تبدأ «الليالي اللبنانية» منذ العام 1957 بإدخال اللغة العربية والبعد الفني الشعبي والمحلي إلى المشهد البصري للمهرجان. واستقر الكتالوج آنذاك على قياس شبه مربع (28 × 22 سم)، وجاء بالأبيض والأسود، محدود الصفحات، مع اعتماد واسع على مواد أرشيفية غربية المصدر عن بعلبك والمشرق، شملت كتب الرحالة والنقوش الكلاسيكية، ما يعكس سعيًا إلى ترسيخ شرعية ثقافية تستند إلى المرجعية الأوروبية، مقابل حضور كان ما يزال خجولًا لعناصر الهوية المحلية.
وفي هذا السياق، اكتسبت الصورة الأثرية دورًا محوريًا في بناء ما يمكن تسميته بالاستعراض الثقافي للبنان. فقد تميّز غلاف إصدار العام 1959 برسومٍ للمعابد استُلهمت من كتاب عالِم الآثار والرحّالة الإنكليزي روبرت وود الصادر في العام 1757 بعنوان «أطلال بعلبك» (The Ruins of Balbec)، في محاولة واضحة لربط المهرجان بعظمة الموقع الأثري ومنحه عمقًا تاريخيًا ورمزية حضارية. واستمر هذا المسار في غلاف وصفحات إصدار العام التالي عبر استعادة رسوم وصور من أعمال الرحّالة والباحثَين الفرنسيَّين الكسندر دي لا بورد وولده عالِم الآثار والرسام والدبلوماسي ليون (1837)، إلى جانب مصادر أوروبية أخرى من القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر.
تُصبح الأطلال الأثرية في بعلبك، في إحصاء لمجمل الإصدارات خلال عشرين عامًا، من أبرز السمات البصرية المتكرّرة في الكتالوجات وأغلفتها الخارجية، فباخوس سيقودنا دائمًا نحو القلب كما يكتب كميل أبو صوان. وتؤدي تلك الآثار وظيفة رمزية بوصفها مُرتكزات أيقونية تُبنى من خلالها سردية الاستمرارية التاريخية وملامح يوتوبيا مستقبلية. هنا لا تعود الصورة مجرد أداة توثيق، بل تتحوّل إلى وسيلة لإنتاج الهيبة الثقافية وتضخيم الأثر الرمزي للمهرجان داخليًا وخارجيًا، وفق ما يصفه المفكّر الفرنسي غي ديبور بمفهوم الاستعراض (Spectacle)، حيث تُعاد صياغة الواقع عبر الصورة، التي تُضخّم بدورها الأثر الرمزي للحدث الثقافي لتصبح الثقافة نفسها مشهدًا بصريًا مهيبًا وعابرًا للحدود. ويتقاطع هذا التوجّه مع سعي لبنان في تلك المرحلة إلى تقديم نفسه كقطبٍ سياحي وثقافي يجمع بين عمق التاريخ وحيوية الحاضر وجاذبية الصورة. تتحوّل بذلك أطلال المعابد إلى مسرح واقعي ورمزي في آن تُقام عليه العروض والمطبوعات، وتتلاقى فيه الأزمنة والعصور المختلفة ضمن مشهد استعراضي متكامل.
تصميم حداثي في حضور التاريخ
تولّت تصميم هذه الإصدارات أسماء لامعة، مما أسهم في خلق تطور غرافيكي انتقل من البساطة التقليدية بالأبيض والأسود في الخمسينيات، إلى الجرأة والحداثة باستخدام التصوير الفوتوغرافي المعاصر ونُظم الطباعة المتطورة.
ابتداءً من أوائل الستينيات (1961 – 1966)، يظهر تحوّل نحو تعقيد المحتوى وتعدُّديته، إذ تدخل النصوص الأدبية اللبنانية والعربية التي أشرنا إليها بقوةٍ فضاء الكتالوجات، إلى جانب مواد عن التراث والفولكلور. تصبح الكتالوجات أكثر كثافة، كان أقصاها 208 صفحات في العام 1962، وتتوسع بصريًا عبر الصور والرسوم، مع بداية استخدام تصميمات أكثر وعيًا وانسجامًا مع أهداف المهرجان. هنا يبدأ تبلور خطاب «لبنان الثقافي» كجسرٍ بين الشرق والغرب. في أواخر الستينيات (1967 – 1969)، تتعزز الوظيفة الوطنية للكتالوج، مع إبراز «لبنان القديم والحديث»، وتكثيف المقالات الفكرية والتاريخية، وتطوير الهوية البصرية من خلال ألوان وتخطيطات وشعارات. كما يستمر الاهتمام بالموقع الأثري البعلبكي كبعدٍ رمزي في بناء سردية وطنية. أما في السبعينيات (1970 – 1974)، فتبلغ الكتالوجات مرحلة جديدة في نضجها، وتصبح منصات ثقافية وأرشيفية متكاملة: التوثيق التاريخي والفني، والابتعاد عن التقليدية نحو تجارب بصرية أكثر جرأة وحداثة انتقلت فيها اللغة التصميمية نحو الفن المعاصر والتصوير الفوتوغرافي ونُظم الطباعة المستجدة.
شملت أسماء من تولّوا تصميم الكتالوجات وإدارتها: روز ماري صايغ (1956)، جون كارسويل (1957)، «أحد أعضاء اللجنة الذي لم يشأ أن يُفصح عن اسمه» (1959 – 1961)، كميل أبو صوان (1962 – 1963)، مهى سابا، جون إبراهيم (1964)، وسيدني كينغ (1965)، ودانيال رود، آلان برناس، فيكتور سلامة (1966)، والفنانة التشكيلية سي سي سرسق (1967)، ومدرسة إتيان للفنون والطباعة في باريس الفرنسية العريقة بمشاركة دايفد قرم وجوزيف جبارة (1969)، وهي السنة التي أُطلق فيها شعار المهرجان الدائري والذي ما زال معتمدًا حتى يومنا هذا، وتولّى جوزيف جبارة التصميم طوال السنوات الثلاث اللاحقة (1970 – 1972)، وأخيرًا وليس آخرًا artshop (1974) في الكتالوج الذي كان خاتمة سلسلة الإصدارات لمرحلة ما قبل الحرب اللبنانية.
ومن اللافت أنّ هذه التحوّلات في المسار التصميمي لا تتطابق بالضرورة مباشرةً مع الأحداث السياسية الكبرى في لبنان والمنطقة، مثل أزمة لبنان في العام 1958 أو حرب حزيران 1967. إذ تحافظ الكتالوجات على استقرار بصري حتى في فترات التوتر، ما يشير إلى أنّ التصميم يعمل كأداة لإنتاج استمرارية رمزية تعكس مسارًا متصاعدًا من نمو المؤسسة، وبناء الهوية الوطنية، والتحديث الفني.
أما بالنسبة إلى الطباعة، فتُظهر المنشورات التسع عشرة التوجه الاحترافي والاعتماد المستمر على دور نشر عريقة مثل المطبعة الكاثوليكية في بيروت في العدد الأكبر من السنوات، والذي يعزز قيمة الكتالوج كقطعةٍ تذكارية قابلة للاقتناء (Souvenir)، ويبرز الحرص على جودة المنتج المادي عبر نوع الورق، وجودة الطباعة والتنسيق وخصائص أخرى. وتولت تلك المهمة في أعوام متفرقة مطبعة صيقلي (1956)، ومطبعة الشرق الأوسط للتصدير (1957)، والمطبعة اللبنانية الوطنية (1966)، وتعاونية الصحافة ش.م.ل (1967).
الانتقائية وسياسات التمثيل البصرية
تُظهر الكتالوجات انتقائية واضحة في ما تعرضه على الرغم من طابعها الكوزموبوليتي وجاذبيتها وتنوعها. إذ تهيمن الآثار الرومانية والفنون النخبوية على المشهد البصري، فيما تغيب العديد من المراحل التاريخية التالية وبالأخص العثمانية، بالإضافة إلى هامشية رموز الحياة اليومية والتنوع الاجتماعي والممارسات الشعبية خارج إطلالات أم كلثوم وفرقة الموسيقى العربية، والليالي اللبنانية في تصويرها للمدى الريفي واستعادة شخصيات تاريخية كما حدث في مسرحية أيام فخر الدين (1966) للأخوين رحباني. وتبدو قلعة إيعال التي شيّدها مصطفى آغا بربر في العام 1814 ونقلها روميو لحود في مسرحية «القلعة» (1968) إلى مسرح الليالي اللبنانية أحد الاستثناءات الأثرية القليلة. تعكس هذه الانتقائية ما تصفه الأنثروبولوجيا البصرية بـ «أنظمة التمثيل» (Representation Systems)، إذ يتم إبراز سرديات معينة وتهميش أخرى. وبذلك، تُنتج الكتالوجات صورة مُنسّقة للبنان، تُبرز الرقي والانفتاح، وتتجاهل جوانب قد تكون الأكثر تعقيدًا أو إشكالية في الواقع الاجتماعي. ولا يُعدّ هذا الإقصاء عرضيًا، بل هو جزء أساسي من وظيفة الكتالوجات كأدواتٍ لإنتاج صورة وطنية مرغوبة ومتماسكة على المستويين المحلي والدولي.
دور في بناء الدولة
محليًا، إنّ الجمع بين صور الأطلال والتصميم الحداثي ينتج تركيبًا زمنيًا يدمج الماضي بالحاضر، ويشكّل أساس الخطاب البصري المرغوب والمتماسك للكتالوجات، كمنصةٍ لتعزيز الهوية اللبنانية التوافقية ونشرها. يتحقق ذلك من خلال دمج أعمال فنانين وأدباء في صياغة سردية توثيقية ثقافية تجمع بين الحداثة اللبنانية المتصاعدة منذ أن نال استقلاله والجذور التاريخية المتمثلة في آثار بعلبك. ويتيح الدمج تقديم لبنان بوصفه كيانًا متجذّرًا تاريخيًا ومنفتحًا على المستقبل ضمن حدود تماسك هذا الخطاب الانتقائي الجمعي أمام اقتراب لحظة الانفجار مع اندلاع الحرب في العام 1975.
عكست الكتالوجات عبر هذا الخطاب أيضًا دور المهرجان كأداة قوة ناعمة للدولة اللبنانية، كما شكّلت جسرًا للنهضة بين الدولة والفنون والثقافة. ورسّخت كلمات رؤساء الجمهورية أهمية المهرجان كمشروعٍ وطني وشأن سيادي وليس مجرد حدثٍ فني. وتُثبت كلمات رئيسات المهرجان إيميه كتابة وسلوى السعيد ومي عريضة وقوائم أسماء اللجنة التنفيذية والجمعية العامة، الاستمرارية القيادية لمؤسسة المهرجان؛ وتُبرز انتقاله من مبادرات متفرقة إلى هيكلية إدارية منتظمة.
الكوزموبوليتية والدبلوماسية الثقافية
دوليًا، تتّسم لغة التصميم في الكتالوجات بطابعٍ حداثي واضح مقابل حضور العراقة والتاريخ في المحتوى ضمن عملية ترجمة ثقافية تُعاد من خلالها صياغة المبادئ العالمية للتصميم ضمن سياق محلي. فالحداثة هنا تُستخدم كإطارٍ بصري يجعل التراث قابلًا للفهم لدى جمهور دولي، وفي الوقت ذاته يعكس انخراط لبنان في توجهات الحداثة الثقافية العالمية. بالتالي، تشير الكتالوجات إلى طموح لبنان في تلك المرحلة لأن يكون مركزًا ثقافيًا عالميًا، إذ يتكرر ظهور صور لفنانين وفرق دولية من الباليه إلى الأوركسترا في تداخل بصري مع المشهد الأثري، ما يخلق حوارًا بين الإنتاج الفني العالمي والتراث المحلي. فالكتالوج لا يكتفي بتوثيق العرض، بل يعيد إنتاجه بصريًا ويوسّع نطاق تأثيره، وبالتالي تؤدي الكتالوجات دورًا في الدبلوماسية الثقافية، من خلال مخاطبة جمهور عابر للحدود. ويخدم تعدّد اللغات، إذ تتقدّم الفرنسية غالبًا على العربية والإنكليزية، هذا التوجّه نحو الخارج والانخراط في شبكات ثقافية دولية، ما يعزّز صورة لبنان كفضاءٍ منفتح ومتصل بالعالم.
بعلبك على الورق: صناعة المخيال الوطني
تقدّم كتالوجات مهرجانات بعلبك نموذجًا غنيًا لفهم دور الثقافة البصرية في تشكيل الهوية الوطنية، تتنقل فيه من الاحتفاء بالمكان عبر الرسومات الأثرية ورحلات المستشرقين ومن ثم أزياء المشرق والبيت اللبناني القديم إلى الاحتفاء بالدولة والمجتمع الثقافي عبر الفن التشكيلي والأدب والتصوير والتوثيق.
تصوغ هذه الكتالوجات رؤية للبنان ويوتوبيا لمستقبله من خلال ماديتها، وأنظمتها التصميمية، وصورها المنتقاة، ومركزية الأطلال، بوصفه فضاءً يجمع بين التراث والحداثة والتبادل الثقافي. وفي الوقت نفسه، تكشف هذه المواد عن التوترات الكامنة في مشروع إعادة صناعة التراث، من انتقائية التمثيل إلى هشاشة السرديات المنتجة. ومن هنا، ينبغي النظر إلى الكتالوجات ليس كمجرد انعكاس للتاريخ الثقافي، بل كمساهمٍ فاعل في صياغته تخدم أهدافًا ثقافية وأجندات سياسية معاصرة. فلا يُقدَّم الماضي كحالة جامدة أو بقايا زمن منقضٍ، بل كفضاءٍ حيّ يُعاد تنشيطه باستمرار عبر حداثة الإنتاج الفني.
باختصار، تتجاوز كتالوجات مهرجانات بعلبك كونها مجرد برامج مرافقة للفعاليات، لتشكّل سجلًا بصريًا وثقافيًا يوثّق جهود لبنان في مأسسة الثقافة. فقد مزجت هذه الإصدارات بين الإرث الأركيولوجي الذي رسّخته الدراسات الأوروبية منذ القرن الثامن عشر، وبين التصميم الغرافيكي المعاصر، والحداثة العربية في الفن والأدب والثقافة خلال القرن العشرين. وهكذا غدت مرآةً لمشروع تحديث لبنان، ورافقت تحوّل المهرجان من مسرح للعروض الدولية إلى مؤسسة ثقافية تنتج المعرفة والرموز والصورة الوطنية.
وقد منح الربط بين الأثري والحداثي هذه الكتالوجات قوة استعراضية (Spectacle) عزّزت مسارين متوازيين: مسار محلي أسهم في إنتاج الهوية الوطنية وتوثيقها، وآخر دولي دعم حضور لبنان في مجال العلاقات الثقافية والدبلوماسية الناعمة. ومع مرور الزمن، تحوّلت الكتالوجات إلى فضاء متحرّك يتجاوز حدود المكان والمرحلة الزمنية التي تتناولها هذه الدراسة، لتستمر في توليد معانٍ جمالية ومعرفية جديدة، رغم الحروب والانهيارات والتحولات التي أصابت لبنان وتبدّل معايير صناعة المهرجانات نفسها.
وتكشف تجربة مهرجانات بعلبك، في جوهرها، أهمية دراسة المواد البصرية لفهم تاريخ الشرق الأوسط الحديث، إذ إنّ التداخل بين التصميم والتراث والسياسة يوضح أنّ بناء المخيال الوطني لا يتم عبر السياسة والتاريخ فقط، بل عبر الصورة أيضًا. وقد نجحت هذه الكتالوجات في تحويل الورق والمطبوعات إلى أرشيف حيّ ليوتوبيا وذاكرة وطن سعى إلى تقديم جُل ما لديه للعالم.











