نحن وأولادنا

لاكتشاف مواهب أطفالنا وبناء توازنهم النفسي:راقِبْ، شجِّع، وامنح الحرية
إعداد: المعاون الأول جيهان جبور

تُعدّ العطلة الصيفية محطة سنوية ينتظرها الأطفال بشغفٍ، لما تحمله من معاني الحرية والانطلاق بعيدًا عن روتين الدراسة والتزاماتها اليومية. غير أنّ هذه الفترة رغم قصر مدتها، تُخفي في طيّاتها إمكانات تربوية وتنموية هائلة إذا ما أُحسن استثمارها وتوجيهها. فهي ليست مجرد وقت للراحة أو الترفيه، بل تشكّل فضاءً رحبًا لاكتشاف الميول الكامنة وتنمية المهارات وبناء جوانب الشخصية المختلفة لدى الطفل في بيئةٍ أكثر مرونة وأقل ضغطًا. فكيف يمكن للأهل استثمار عطلة الصيف بشكلٍ متوازن يساعد أولادهم على التعلّم والنمو من دون أن يفقدوا روح الطفولة والمرح؟
في سياق عالمٍ سريع التبدّل، لم تعد المعرفة المدرسية وحدها كافية، بل أصبح من الضروري تنمية مهارات متنوعة لدى الطفل وأبرزها التفكير الإبداعي والاعتماد على النفس والتواصل والعمل الجماعي. وهنا تبرز العطلة الصيفية كفرصةٍ ذهبية لتعويض ما قد لا توفره المناهج التقليدية، من خلال توجيه الأطفال نحو هواياتٍ مفيدة وأنشطةٍ هادفة تجمع بين التعلّم والمتعة، وتسهم في صقل مواهبهم وتوسيع آفاقهم.
غير أنّ التحدي الذي تواجهه الأسرة يكمن في تحقيق التوازن بين منح الطفل حقه في الراحة والاستمتاع، وبين استثمار وقته في ما يعود عليه بالنفع. فالإفراط في ترك الحرية قد يؤدي إلى ضياع الوقت والانشغال بما هو غير مفيد، في حين أنّ المبالغة في فرض البرامج والأنشطة تُفقد الطفل حماسته وتُحوّل العطلة إلى عبءٍ ثقيل. ومن هنا، تنبع أهمية التخطيط الواعي والمرن، الذي يراعي ميول الطفل واحتياجاته ويمنحه فرصة الإسهام في اختيار أنشطته ليكون شريكًا فاعلًا في رحلة نموه وتطوّره.


فرصة لاكتشاف الذات
ترى الاختصاصية في علم النفس ريهام منذر، أنّ ممارسة الطفل هوايةً ما ليست ترفًا، بل حاجة نفسية أساسية تقيه من الضياع والتشتت. ففي منظور التحليل النفسي، تشكّل الهواية ما يُعرف بـ «المساحة الانتقالية» التي تصل بين العالمَين الداخلي والخارجي للطفل، وتمكّنه من التعبير عن مشاعره وتفريغها بطريقةٍ آمنة وخلّاقة. ومن خلال أنشطة كالرسم والرياضة، يختبر الطفل فكرة «أنا أستطيع»، ما يعزز شعوره بالكفاءة والثقة بالنفس. كما تتيح له الهواية فرصةً لاكتشاف ذاته وبناء هويته الخاصة، عبر ما يميزه عن الآخرين ويمنحه إحساسًا بالإنجاز والانتماء.
وتضيف أنّ الهوايات يمكن أن تسهم في الحد من الإدمان على الشاشات، لكن ليس بوصفها وسيلة «إلهاء» مؤقتة، بل كبديلٍ نفسي مشبع يلبي حاجات الأولاد العاطفية والذهنية. فعندما يجد الطفل في هوايته مساحةً للتعبير عن نفسه، والشعور بالمتعة والإنجاز والانتماء، تتراجع جاذبية الشاشات تلقائيًا، لأنّها لم تعد المصدر الوحيد للإشباع. غير أنّ هذا التأثير لا يتحقق إذا فُرضت الهواية على الطفل أو اختيرت له من دون مراعاة ميوله، إذ تتحول حينها إلى عبءٍ إضافي، فيزداد انجذابه إلى الشاشات كوسيلةٍ للهروب. لذا من الضروري أن تنبع الهواية من اهتمامٍ حقيقي لدى الطفل وأن تقدّم كخيارٍ مفتوح يكتشفه تدريجيًا، لا كواجبٍ مفروض. وعندما يشعر الطفل بالشغف تجاه ما يقوم به، ويختبر فيه معنى «أنا أستطيع»، تبدأ علاقته بالشاشات بالاعتدال بشكلٍ طبيعي، من دون صراع أو فرض قسري.


العبرة في الاستمرارية
في السياق، تشير منذر إلى أنّ فصل الصيف يشكّل فرصة مثالية لاكتشاف مواهب الأطفال وتحديد الهوايات المناسبة لهم، بعيدًا عن ضغط الدراسة وضيق الوقت خلال العام الدراسي. فخلال هذه الفترة، يمكن للأهل أن يتيحوا مساحةً أوسع للتجربة والتنوع، من خلال تعريف الطفل على أنشطةٍ مختلفة في مجال الفن والموسيقى والرياضة والطبيعة، بعيدًا عن الضغط أو التوقعات المسبقة. وتقوم عملية الاكتشاف هنا على الملاحظة الهادئة لا التوجيه القسري، إذ إنّ المؤشرات الحقيقية للموهبة لا تظهر في لحظة الحماسة الأولى فقط، بل في مدى استمرارية الطفل في النشاط ورغبته في ممارسته خارج الوقت المحدد له، إضافةً إلى شعوره بالمتعة وتقدّمه التدريجي فيه. فعندما يندمج الطفل في نشاطٍ ما ويعود إليه تلقائيًا، يكون ذلك دليلًا على أنّ هذه الهواية تلامس شيئًا عميقًا في داخله.
في المقابل، قد تظهر بعض الهوايات بشكلٍ عابر، إذ يبدأ الطفل بحماسةٍ كبيرة ثمّ يفقد اهتمامه سريعًا ويطلب التوقف. وهذا أمرٌ طبيعي في مرحلة الاكتشاف، ولا ينبغي اعتباره فشلًا بل خطوة ضرورية لتضييق الخيارات والوصول إلى ما يناسبه فعلًا. من هنا، فإنّ تنويع التجارب في الصيف، مع احترام إيقاع الطفل وميوله، يساعد على بناء علاقة صحية مع الهواية، فتصبح جزءًا من يومه ومن هويته، لا مجرد نشاطٍ عابرٍ أو مفروض.
وتوضح منذر أنّ التوازن هو الأساس، إذ لا يصح أن نترك للطفل الحرية المطلقة في اختيار هوايته ومتابعتها، كما لا ينبغي فرضها عليه بشكلٍ صارم. فالولد قد يمرّ بفترات يفقد فيها الحماسة أو يتردد في الاستمرار لأسبابٍ مؤقتة، وهنا يبرز دور الأهل في التوجيه والدعم، مع التمييز بين «الرفض العابر» و«عدم الرغبة الحقيقية». فإذا كان السبب ظرفيًا، يُستحسن تشجيعه بلطفٍ ومنحه دفعة بسيطة للاستمرار، لأنّ الالتزام يعلّمه الصبر والانضباط، أما إذا كان النفور متكررًا، فمن الأفضل احترام رغبته وإعادة تقييم الخيار. وبذلك يتم توجيه الطفل من دون تقييد، ومنحه الحرية من دون إهمال، ضمن دعمٍ مدروس يوازن بين الدفع للأمام وترك مساحة للاختيار.
وتضيف أنّه في مرحلة الطفولة يُفضَّل عدم حصر الطفل في هوايةٍ واحدة، بل إتاحة الفرصة له لخوض تجارب متنوعة كالرياضة والرسم والموسيقى، بهدف اكتشاف ميوله وتنمية قدراته، شرط أن يكون ذلك ضمن جهدٍ مناسب لعمره حتى لا يتحول إلى ضغطٍ أو إرهاق. أما في مرحلة المراهقة، فيُستحسن تقليص عدد الهوايات والتركيز على اثنتين أو ثلاث فقط، بما يتيح تعمّقًا أكبر وتطويرًا أفضل للمهارات. وعليه، تقوم الفكرة على التنويع في الطفولة والاكتشاف، ثم التركيز والتطوير في المراهقة، مع الحفاظ دائمًا على أن تبقى الأنشطة مصدر متعةٍ لا عبئًا.
كما تذكر الاختصاصية أنّ التشجيع عنصر أساسي في تنمية أي موهبة، فهو يمنح صاحب الهواية الدافع للاستمرار ويعزز ثقته بنفسه. لذلك، من المهم تقدير الجهد المبذول حتى في المراحل الأولى حتى لو ترافق مع بعض الأخطاء. وفي المقابل يأتي النقد البنّاء كأداة للتطوير من خلال تسليط الضوء على النقاط التي تحتاج إلى تحسين بأسلوبٍ واضح ومحترم، بعيدًا عن الإحباط أو التقليل من القيمة. فمن المفيد الإشادة بما تمّ إنجازه بشكلٍ جيد، مع الإشارة إلى الجوانب التي لم تنجح بعد واقتراح سبل تطويرها. بمعنى آخر، نشجع الجهد ونحتفي بالتقدّم، وننقد بهدف التعلّم، لا الإحباط. بهذه الطريقة يصبح النقد جزءًا من رحلة النمو لا عائقًا أمامها.


ابتكار وإبداع
تؤكد منذر أنّ ممارسة الهوايات لا تتطلّب بالضرورة إمكانات مادية كبيرة، فالإبداع غالبًا ما يولد من البساطة. صحيح أنّ بعض الهوايات قد تتطلب معدات أو تكاليف، إلّا أنّ الكثير من النشاطات يمكن ممارستها بوسائل متاحة للجميع. فممارسة كرة القدم أو كرة السلة ممكنة في الحي بإمكاناتٍ بسيطة، كما تظل القراءة متاحة عبر الكتب المستعارة أو المصادر المجانية، والرسم يمكن أن يبدأ بأدوات متواضعة. العبرة في الرغبة بالتعلّم والاستمرارية، لا في حجم الإنفاق. وعندما تضيق الإمكانات، يتّسع مجال الابتكار، فيبتدع الأولاد أساليب جديدة لممارسة ما يحبون مستفيدين من الموارد المتاحة حولهم.
وتشير إلى أنّ المجتمع غالبًا ما يركّز على مجموعة محددة من الهوايات الشائعة، مثل كرة القدم أو الأنشطة المدرسية المعروفة، فيما لا تحظى هوايات أخرى كالزراعة أو بعض الممارسات الفردية بالاهتمام نفسه. وهذا لا يقلّل من قيمتها، بل يعكس أحيانًا نظرة تقليدية أو محدودية في الوعي بأهمية تنوّع الاهتمامات. وتختم منذر بالتأكيد أنّ بداية فصل الصيف تمثّل فرصة مناسبة لمرافقة الأطفال في اكتشاف شغفهم وتنمية مهاراتهم من دون فرض أو ضغط. فالأجدى مراقبة ميولهم الطبيعية والانتباه إلى ما يستقطب اهتمامهم، ثم تشجيعهم بلطفٍ على الاستمرار فيه. «راقِبْ، شجِّع، وامنح الحرية»؛ فبهذه المقاربة ينمو الشغف بشكلٍ طبيعي، وتترسّخ الاستمرارية من دون ملل.
فلنجعل إذًا من هذا الصيف فرصة حقيقية لإعادة التوازن إلى حياة أطفالنا، من خلال الاكتشاف واللعب والتجربة بعيدًا عن الضغوط والتوقعات الكبيرة. فحين نستثمر في شغفهم اليوم، نُسهم في بناء إنسان أكثر توازنًا وسعادة في الغد.