في ثكناتنا

الصلابة العسكرية: منظومة تتجدّد لمواكبة عالم متغيّر
إعداد: المعاون أول جيهان جبور

تُعدّ الصلابة العسكرية من الركائز الأساسية التي تقوم عليها كفاءة العناصر في المؤسسة العسكرية، إذ تعزّز قدرتهم على تنفيذ المهام باحترافٍ في مختلف الظروف والتحديات. وهي لا تقتصر على الجانب البدني فحسب، بل تشمل منظومة متكاملة من القدرات النفسية والانضباط السلوكي والجاهزية المهنية، التي تمكّن العسكري من مواجهة الضغوط والمخاطر بثباتٍ، والتكيّف مع المتغيرات الميدانية، واتخاذ القرارات المناسبة في المواقف الحرجة.

وانطلاقًا من أهمية هذه الصلابة، يبرز دور الإعداد العسكري بوصفه عملية متكاملة تهدف إلى بناء شخصية عسكرية قادرة على تحمّل المسؤوليات ومواكبة متطلبات الخدمة.

 

”تقوم مناهج التدريب العسكري على تحقيق التوازن بين التعليم النظري والتدريب العملي، بما يتيح للعسكري اكتساب المعارف العسكرية وترجمتها إلى مهارات ميدانية فعّالة، وهي تراعي مبدأ التدرّج في التدريب وفق الرتب والاختصاصات.”

 

يستند الإعداد العسكري إلى أسسٍ علمية وعملية مدروسة من خلال مناهج تدريبية وتعليمية تشمل الجوانب العسكرية والتكتيكية والقيادية والأخلاقية، بما يضمن تنمية المعارف والمهارات اللازمة لأداء الواجبات بكفاءة. كما تسهم التدريبات الميدانية والبدنية والنفسية في تعزيز القدرة على التحمّل، وصقل المهارات القتالية، وترسيخ قيم الانضباط والمسؤولية والعمل الجماعي.

ومع تسارع التحوّلات التي تشهدها البيئات الأمنية والعسكرية وتنوّع التهديدات والتحديات، تزداد الحاجة إلى تطوير المناهج التدريبية ورفع مستويات الجاهزية، بما يضمن إعداد عناصر يمتلكون الكفاءة والمرونة، وبالتالي الصلابة اللازمة للتعامل مع مختلف المهام والظروف بكفاءةٍ واحترافية.

وقد أدركت قيادة الجيش هذا الواقع وتعاملت معه بجدية في تطوير مناهجها التعليمية. وفي هذا السياق، يوضح رئيس قسم المراجع ومراقبة التدريب في مديرية التعليم في أركان الجيش للعمليات، العميد الركن البحري الياس صيّاح، أنّ المناهج العسكرية ترتكز إلى مراجع ومصادر معتمدة وليس على الخبرة العملية فقط. وهي تشمل حزمًا تدريبية متكاملة والوسائل التعليمية اللازمة مع تحديد المعدات والأجهزة المطلوبة لتنفيذ التدريب بفعالية. كما يتم الاستعانة بفرق تدريب وخبراء أجانب لنقل المعارف والخبرات المرتبطة بمناهج خاصة بالدورة والتي تخضع للمراجعة والتعريب وتكييف محتواها بما يتوافق مع الاحتياجات والمتطلبات المحلية وطبيعة المهام الموكلة إلى المؤسسة العسكرية، بما يتيح الاستفادة من أفضل الممارسات والمعايير العالمية مع ضمان مواءمة المحتوى والبيئة التشغيلية المستهدفة بدلًا من تطبيقها بصيغتها الأصلية.

ويضيف أنّ هذه المناهج ترتكز على معايير أساسية، وفي مقدمتها تلبية المتطلبات العملانية للجيش بما ينسجم مع طبيعة المهام والمسؤوليات الموكلة إلى القطع والوحدات في مختلف الظروف. كما تقوم المناهج على تحقيق التوازن بين التعليم النظري والتدريب العملي، بما يتيح للعسكري اكتساب المعارف العسكرية وترجمتها إلى مهارات ميدانية فعّالة، وهي تراعي مبدأ التدرّج في التدريب وفق الرتب والاختصاصات. كذلك، تشدد على بناء القدرات البدنية والنفسية والأخلاقية، بما يعزّز قدرة العسكري على التحمّل واتخاذ القرارات والعمل تحت الضغط، وتولي في السياق نفسه، اهتمامًا خاصًا لترسيخ قيم الانضباط والالتزام والولاء للمؤسسة العسكرية.

إلى ذلك، تستفيد المناهج من الدروس المستخلصة من العمليات العسكرية السابقة والتجارب الميدانية في تطوير البرامج التدريبية ورفع مستوى الجاهزية، ما يضمن إعداد كوادر قادرة على مواجهة التحديات المتغيّرة بكفاءةٍ واقتدار.

 

التكيّف مع التحديات المعاصرة

في ما يتعلّق بمواكبة التحولات المتسارعة في الميدان العسكري والتقدم التكنولوجي المتنامي، يشير العميد الركن صيّاح إلى أنّ المناهج تسعى إلى التكيّف مع هذه المستجدات رغم محدودية الإمكانات والموارد. ويتجلّى ذلك من خلال إدراج مفاهيم الحرب غير التقليدية ومكافحة الإرهاب ضمن البرامج التدريبية، بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات الأمنية المعاصرة والتحديات التي تواجهها المؤسسة العسكرية. كما يتم العمل على تطوير مهارات العسكريين في مجال تشغيل الطائرات المسيّرة من دون طيار واستخدامها في مهام الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات، وذلك من خلال دورات تدريبية متخصصة وصيانة الأنظمة بالتعاون مع جهات وخبرات فنية. ويشمل التدريب أيضًا استخدام أنظمة المراقبة والاستطلاع الحديثة والاستفادة من تقنيات المحاكاة في بعض البرامج التدريبية لرفع مستوى الكفاءة وتقليل الكلفة والمخاطر المرتبطة بالتدريب الميداني. كذلك، يستفيد العسكريون من مختلف الرتب والوحدات من برامج التعاون العسكري والتدريب المشترك مع الجيوش الصديقة، الأمر الذي يسهم في نقل الخبرات والاطلاع على أحدث الأساليب والتقنيات العسكرية.

إلى جانب التدريب الأساسي، يخضع العسكريون لدورات تخصصية متنوعة وفق مهامهم واختصاصاتهم، مثل دورات المداهمة، القنص، الغطس، دورة مغوار ومجوقل، المكاتب الدراسية، بالإضافة إلى دورات اللغات التي تسهم في تعزيز التواصل والانفتاح على البرامج التدريبية الدولية. وفي السياق نفسه، يتم إعداد مدربين متخصصين في مختلف المجالات بهدف نقل الخبرات والمعارف المكتسبة إلى العسكريين، ما يضمن استمرارية التدريب وتطويره، إلى جانب تعزيز الاكتفاء الذاتي والحدّ من الاعتماد على الفرق التدريبية الأجنبية على المدى الطويل.

في سياق آخر، مع تطور التكنولوجيا يتم تنظيم دورات تخصصية ومحاضرات في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك بالتنسيق مع الجامعات المحلية والمتخصصة في هذا المجال، مع الإشارة إلى أن مرجعًا تدريبيًا تم تنفيذه مؤخرًا يتناول موضوع الذكاء الاصطناعي، ويجري العمل على تعميمه ليصار إلى تنظيم مناهج لاحقًا لدورات تتناول الذكاء الاصطناعي. إنّ مديرية التعليم تولي هذا الموضوع أهمية في مناهج المعاهد والكليات العسكرية، وبخاصةٍ للرتب العليا، حاليًا ومستقبلًا.

 

تحديات وحلول

من جانبه، يوضح رئيس قسم تدريب الرتباء والأفراد في مديرية التعليم العميد الركن نبيل فرحات أنّ البرامج التدريبية تواجه مجموعة من التحديات التي تؤثر على تنفيذها وتطويرها بالشكل المطلوب، وفي مقدمتها الكلفة المرتفعة للذخائر والمحروقات والتجهيزات اللازمة لتنفيذ التدريبات العملية والمناورات الميدانية. كما تشكّل الحاجة المستمرة إلى تحديث المعدات والوسائل التدريبية تحديًا إضافيًا في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا العسكرية. ومن التحديات أيضًا الضغط الناتج عن المهام الأمنية والعملانية اليومية، ما يحد أحيانًا من الوقت والإمكانات المتاحة للتدريب.

ويضيف أنّ الظروف الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها العسكريون تشكّل بدورها عامل ضغط إضافي، ما يستدعي اعتماد إجراءات تنظيمية تضمن استمرارية التدريب. وفي هذا الإطار، تعتمد المؤسسة العسكرية سياسة توزيع الدورات على منشآت قريبة من قطع العسكريين ووحداتهم لتسهيل التنقل وتخفيف الأعباء اللوجستية والمادية، بما يسهم في رفع نسب المشاركة والالتزام. كما يتم الإشراف المستمر على سير البرامج التدريبية ومتابعة تنفيذها للتأكد من تحقيق أهدافها وضمان الجدية والانضباط ونجاح العملية التدريبية رغم الظروف والتحديات القائمة.

وفي إطار الحرص على فعالية التدريب وتحقيق أهدافه، يؤكد العميد الركن فرحات أنّ المؤسسة العسكرية تعتمد آليات خاصة لمراعاة الفروقات الفردية بين المتدربين وتطوير قدراتهم وفق احتياجاتهم ومستوياتهم. وتبدأ هذه العملية بإجراء اختبارات أولية لقياس مستوى اللياقة البدنية والقدرات الأساسية لكل متدرب، بما يتيح تحديد نقاط القوة والضعف ووضعه ضمن المستوى التدريبي المناسب. كما يعتمد نظام التدريب على التقييم المستمر خلال مختلف مراحل الدورة. وعند الحاجة، يُقسَّم المتدربون إلى مجموعات وفق مستوياتهم وقدراتهم لضمان فعالية التدريب وتحقيق النتائج المرجوة. وفي حال وجود متدربين يواجهون صعوبات في بعض المواد أو الاختبارات، يتم إخضاعهم لتدريب إضافي وبرامج دعم خاصة لتجاوز نقاط الضعف والوصول إلى المستوى المطلوب. في المقابل، تُستثمر المهارات ونقاط القوة لدى المتدربين وتُوجَّه نحو الاختصاصات والمهام التي تتناسب مع قدراتهم، ما يسهم في تحقيق أفضل استثمار للموارد البشرية ورفع الكفاءة العامة للمؤسسة العسكرية. وبهذا النهج، يحقق نظام التدريب التوازن بين توحيد المعايير المطلوبة لجميع العسكريين ومراعاة الفروقات الفردية بينهم، بما يضمن إعداد عناصر مؤهلة وقادرة على أداء مهامها بكفاءة واحترافية.

ويشرح العميد الركن فرحات أنّ جودة التدريب تنعكس مباشرةً على مستوى الانضباط العسكري، إذ إنّ التدريب المنظّم والواقعي والقائم على أسس مهنية واضحة يعزّز الانضباط الذاتي والثقة بالنفس وبالقيادة، بالإضافة إلى التزام الأوامر والتعليمات، بما يحدّ من الأخطاء في أثناء تنفيذ المهمات. ويؤكد أنّ المتابعة المستمرة للتدريب وتقييم نتائجه يشكلان عنصرين أساسيين في ضمان تحقيق الأهداف المرجوة، لذلك يُعِد في ختام كل دورة تقريرًا يقيّم مستوى الأداء والالتزام، ويبيّن مدى جدية العسكري واستفادته من التدريب، مع مراعاة الأسباب القاهرة والظروف الفردية التي قد تحول دون تمكّنه من المتابعة بصورة كاملة.

 

القدوة الحسنة

وفي سياق الحديث عن ترسيخ الانضباط العسكري، يشير العميد الركن فرحات إلى أنّ بناء الشعور بالمسؤولية والالتزام لدى العسكريين يستندان إلى منظومة متكاملة من العوامل التربوية والقيادية، وفي مقدمتها القدوة الحسنة التي يقدمها القادة. فالتزام القائد القوانين والأنظمة وتحليه بالنزاهة والانضباط والجدية في أداء مهامه يشكّل نموذجًا يحتذي به العسكريون، مما يدفعهم إلى تبنّي السلوك نفسه وترسيخ قيم المسؤولية في ممارساتهم اليومية.

كما تؤدي التربية العسكرية المستمرة دورًا محوريًا في غرس قيم الشرف والانتماء والانضباط والإخلاص في الخدمة، وترسيخ القناعة لدى العسكري بأهمية دوره في حماية الوطن وخدمة المجتمع. ويُعزَّز هذا التوجّه من خلال إسناد المسؤوليات بصورةٍ تدريجية تتناسب مع الخبرة والقدرات، الأمر الذي ينمّي الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار وتحمّل المسؤولية. كذلك، يسهم تعزيز روح الفريق والعمل الجماعي في ترسيخ مفهوم المسؤولية المشتركة، إذ يدرك العسكري أنّ نجاح المهمة يرتبط بتعاون الجميع والتزامهم، وأنّ أي تقصير فردي قد ينعكس على أداء المجموعة، بما يعزّز قيم التعاون والانضباط والشعور بالمسؤولية تجاه الزملاء والمؤسسة العسكرية.

 

تعزيز الصلابة العسكرية

وعن سُبل تعزيز الصلابة العسكرية في ظل المتغيرات الحديثة، يوضح العميد الركن فرحات أنّ ذلك يتطلب مقاربة شاملة تبدأ بتطوير برامج الإعداد النفسي للعسكريين، بما يمكّنهم من مواجهة الضغوط والتحديات بثباتٍ وكفاءة. كما يسهم التدريب المستمر على إدارة الأزمات والظروف الطارئة في رفع مستوى الجاهزية والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في المواقف الصعبة. ويؤكد أهمية تنمية الثقافة الرقمية وترسيخ مفاهيم الأمن السيبراني لمواكبة التطور التكنولوجي وحماية المعلومات والأنظمة العسكرية من التهديدات الإلكترونية. كذلك، يسهم دعم الروح المعنوية وترسيخ الانتماء للمؤسسة العسكرية في تعزيز الالتزام والولاء، ما ينعكس إيجابًا على الأداء والجاهزية العملانية.

وعن أبرز نقاط القوة في نظام إعداد العسكري الحالي، يوضح أنّها تتمثل في الخبرة العملياتية التي اكتسبها الجيش اللبناني عبر سنوات طويلة من مواجهة مختلف التحديات الأمنية والعسكرية، ما أسّس قاعدة عملية غنية في مجالات التدريب والتأهيل. كما يتميّز النظام بمستوى عالٍ من الانضباط لدى الوحدات العسكرية، إضافةً إلى قدرة العسكريين على التكيف مع مختلف الظروف والمهام، سواء في العمليات الأمنية أو المهمات الميدانية أو الإنسانية، الأمر الذي يعزز فعالية الأداء في البيئات المتغيرة. كذلك، يستفيد نظام الإعداد العسكري من التنوع الجغرافي في لبنان، حيث تتوافر بيئات تدريبية مختلفة تشمل المناطق الجبلية والساحلية والحضرية والريفية، ما يسهم في إعداد العسكري لمواجهة مختلف السيناريوهات العملياتية.

إلى ذلك، يشكل التعاون الدولي مع الجيوش الشقيقة والصديقة نقطة قوة مهمة، إذ يتيح الاستفادة من البرامج التدريبية الحديثة والخبرات المتقدمة وتبادل المعرفة في مجالات متعددة. ويسهم هذا التعاون في تطوير القدرات المهنية والتقنية للعسكريين ورفع مستوى الكفاءة والجاهزية.

وفي المقابل، يرى العميد الركن فرحات أنّ المحافظة على فعالية نظام الإعداد تقتضي مواصلة تطويره بما يواكب التحولات المتسارعة في المجالات العسكرية والتكنولوجية. ومن أبرز الأولويات في هذا المجال توسيع استخدام تقنيات المحاكاة والتدريب الإلكتروني لتعزيز الواقعية والكفاءة التدريبية، وتحديث بعض المعدات والوسائل التدريبية بما يتلاءم مع التطورات التكنولوجية، فضلًا عن إغناء برامج تعليم اللغات والتكنولوجيا بهدف رفع مستوى التأهيل المهني والمعرفي. كما تبرز أهمية توسيع نطاق التدريب المشترك بين الاختصاصات المختلفة بما يدعم التنسيق والتكامل، إلى جانب تطوير برامج القيادة والإدارة العسكرية لإعداد قادة قادرين على التعامل مع التحديات المعاصرة واتخاذ القرارات.

وفي الختام، يشكل نظام إعداد العسكري ركيزة أساسية في بناء القوة والجاهزية العسكرية، لما يوفّره من مزيج متكامل بين الخبرة الميدانية والانضباط والقدرة على التكيف. غير أنّ الحفاظ على فعاليته يتطلب مواصلة تحديث المناهج والأساليب التدريبية والاستفادة من التقنيات الحديثة والتجارب الدولية، بما يضمن إعداد كوادر عسكرية قادرة على مواكبة المتغيرات المتسارعة ومواجهة مختلف التحديات بكفاءةٍ واحتراف.“