ذاكرة المجتمعات

أسبوع الأرشيف الدولي من ولادة الدستور إلى الأرض والذاكرة في الجنوب
إعداد: أكرم الريس
باحث وكاتب

في زمن الحروب والأزمات والتحوّلات المتسارعة، يكتسب الأرشيف معنى يتجاوز كونه خزائن تحفظ الوثائق أو مستودعات تضم سجلات الماضي. فهو ذاكرة المجتمعات الحية، ومستودع خبراتها وتجاربها، وأداة أساسية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. ومن خلاله تُصان الحقوق، وتُوثَّق المسؤوليات، وتُحفظ قصص الأفراد والجماعات، فلا تضيع تحت وطأة النسيان أو تقلبات الزمن. وفي لبنان، تكتسب مناسبة أسبوع الأرشيف الدولي أهمية خاصة، إذ لا تقتصر على كونها حدثًا مهنيًا يعني الأمناء والباحثين والمتخصصين، بل تشكّل دعوة عامة للتأمل في معنى الذاكرة الجماعية، وفي الدور الذي تؤديه الوثائق والصور والتسجيلات والأرشيفات الخاصة والعامة في حماية الهوية، وتعزيز العدالة، وصون الحق في المعرفة.

وقد أصبح مفهوم الأرشيف اليوم أكثر اتساعًا وشمولًا من أي وقت مضى. فهو يشمل المخطوطات والسجلات الرسمية، بالإضافة إلى مختلف أشكال التوثيق الإنساني، من الرسائل والصور الفوتوغرافية والأفلام والتسجيلات الصوتية والخرائط والصحف، وصولًا إلى المواقع الإلكترونية والمحتوى الرقمي الذي ينتجه الأفراد والمؤسسات يوميًا. وتنبع أهمية الأرشيف من قدرته على إثبات الحقوق، وإعادة بناء الوقائع، وفهم التحوّلات التاريخية والاجتماعية. فهو أداة للمساءلة والشفافية، ومصدر أساسي للباحثين والمؤرخين والعائلات والمجتمعات المحلّية والإدارات العامة على حد سواء. ومن دون أرشيف، تصبح الذاكرة أكثر هشاشة، وتتراجع القدرة على فهم الماضي واستخلاص العبر وبناء مستقبل أكثر وعيًا وعدالة.

 

المجلس الدولي للأرشيف والأسبوع الدولي للأرشيف

يُحتفل سنويًا بالأسبوع الدولي للأرشيف في الأسبوع الذي يوافق التاسع من حزيران، إحياءً لذكرى تأسيس المجلس الدولي للأرشيف (ICA) في العام 1948 تحت رعاية اليونسكو. ويهدف هذا الحدث العالمي إلى تعزيز الوعي بأهمية الأرشيف ودوره في حفظ الذاكرة الجماعية ودعم الشفافية والمساءلة وحماية الحقوق.

وحمل أسبوع الأرشيف الدولي للعام 2026 شعار «الأرشيف من أجل العدالة: الحقوق والذاكرة والمستقبل»، مسلّطًا الضوء على العلاقة الوثيقة بين حفظ الوثائق وتحقيق العدالة بمختلف أبعادها القانونية والاجتماعية والثقافية. فالأرشيف لا يقتصر على حفظ السجلات والوثائق، بل يشكل مصدرًا أساسيًا لإثبات الحقوق، وتوثيق الانتهاكات، وتمكين الأفراد والمجتمعات من المطالبة بالحقيقة والإنصاف والمساءلة. كما تطرح هذه الثيمة أسئلة جوهرية حول الذاكرة الجماعية ومن يملك سلطة التوثيق وما الذي يُحفظ أو يُستبعد من السرديات التاريخية، داعية إلى ممارسات أرشيفية أكثر شمولًا وعدالة في حق المجتمعات في الحفاظ على ذاكرتها في مواجهة محاولات المحو والنسيان.

 

مرصد التراث الحديث

اتخذ الاحتفال بأسبوع الأرشيف الدولي في لبنان هذا العام طابعًا وطنيًا جامعًا من خلال سلسلة مبادرات نظمها «مرصد التراث الحديث»، الذي يعمل على إبراز أهمية الأرشيف في فهم التاريخ الحديث وصون الذاكرة الجماعية.

ومرصد التراث الحديث هو شبكة من المؤسسات الفاعلة في التراث الثقافي وتهدف إلى الحفاظ على التراث الثقافي الحديث، مع التركيز على مجالات الهندسة المعمارية والتصوير والموسيقى والأفلام. سعت هذه المبادرة، التي موّلها الاتحاد الأوروبي ومؤسسة هاينريش بول خلال السنوات الثلاث الأولى من عملها من2011 إلى 2013، إلى زيادة الوعي حول الحاجة الملحّة إلى زيادة الالتزام في ما يخص الحفاظ على التراث الثقافي الحديث بين القطاعات المختلفة وأصحاب القرار والمؤسسات، كما مع الجمهور في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبعد انتهاء التمويل الرسمي، ومنذ نهاية العام 2013، واصل أعضاء الشبكة هذه المبادرة على الصعيد الوطني من خلال تنظيم أنشطة لبناء القدرات والتوعية العامة، ولا سيما في الأسبوع الدولي للأرشيف، رغم الظروف المحلية الصعبة التي يعيشها لبنان منذ العام 2019.

أما المؤسسات المشاركة في أنشطة هذا العام فهي: المكتبة الشرقية في الجامعة اليسوعية، مكتبة جامعة الروح القدس – الكسليك، مكتبات الجامعة الأميركية في بيروت، متحف سرسق، المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، مؤسسة فنون المسرح العربي (فضاء)، مؤسسة البحث والتوثيق في الموسيقى العربية، المؤسسة العربية للصورة، أثر للحفظ والتوثيق، أُمم للبحث والتوثيق.

 

معرض مئوية الدستور اللبناني في الكسليك

يأخذ معرض «مئوية الدستور اللبناني»، الذي تنظمه مكتبة جامعة الروح القدس – الكسليك الزائر في رحلة عبر تاريخ نشأة الدولة اللبنانية وتطور نظامها الدستوري ومؤسساتها، من مرحلة المتصرفية وبروتوكول العام 1861، مرورًا بإعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920، وصولًا إلى إقرار الدستور اللبناني في 23 أيار 1926 والتعديلات التي طرأت عليه حتى وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) في العام 1989.

ويضم المعرض مجموعة غنية من الوثائق والصور النادرة والمخطوطات والصحف والخرائط والرسوم الكاريكاتورية والأفلام الأرشيفية، ما يتيح للزائر متابعة أبرز المحطات السياسية والدستورية التي رافقت قيام الدولة اللبنانية. ومن خلال هذه المواد، يتحول الدستور من نص قانوني إلى قصة مجتمع سعى إلى بناء مؤسساته وصياغة عقده السياسي المشترك.

استند إعداد المعرض إلى مصادر أرشيفية متنوعة، من أبرزها مسودة الدستور اللبناني المحفوظة ضمن أرشيف يوسف السودا، ووثائق من الأرشيف العثماني في إسطنبول، وأخرى من أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، إضافة إلى أرشيف الصحف اللبنانية التاريخية، ومنها «لسان الحال» و«البرق»، ومجموعات خاصة تعود إلى باحثين ومؤرخين وشخصيات عامة ومؤسسات دينية وثقافية أسهمت في توثيق هذه المرحلة التأسيسية من تاريخ لبنان. وفي خطوة تعكس البعد التشاركي للعمل الأرشيفي، وجّهت الجامعة دعوة مفتوحة إلى الأفراد والعائلات للمساهمة بما يحتفظون به من وثائق وصور مرتبطة بهذه الحقبة، ما أثمر عن رفد المعرض بمواد أصلية نادرة من أرشيف عائلات شخصيات لعبت دورًا في مسار إقرار الدستور. وبذلك لا تكون كتابة التاريخ حكرًا على المؤسسات الرسمية، بل هي مسؤولية جماعية يسهم فيها الأفراد والعائلات والمجتمعات من خلال البحث والحوار وحفظ الوثائق وصون الذاكرة المشتركة.

وتتوزع المعروضات بين وثائق أصلية محفوظة في خزائن خاصة ونسخ رقمية ومطبوعة تتيح الاطلاع على محتواها عن قرب. كما يضم المعرض فيلمًا نادرًا يعود إلى ما بين العامين 1920 و1921 وهو بعنوان «غورو في لبنان»، إلى جانب مقتنيات تاريخية تشمل نياشين عثمانية، وخرائط مهمة من بينها خريطة مؤتمر سان ريمو، وصور للبطريرك إلياس الحويّك، ووثائق تتعلق بالأناشيد الوطنية والرموز الرسمية في فترة الانتداب. كما تحضر رسوم الكاريكاتور السياسية التي واكبت النقاشات الدستورية آنذاك، لتقدم للزائر صورة متكاملة عن المناخ السياسي والفكري الذي رافق ولادة الجمهورية اللبنانية.

 

أرشيف الآباء اليسوعيين في المكتبة الشرقية: البقاع معروضًا

اختارت المكتبة الشرقية في جامعة القديس يوسف هذا العام أن تتوجّه إلى البقاع من خلال مشروع رقمي يشمل فئات عمرية مختلفة بعنوان «البقاع معروضًا»، وهو مقال بصري نُشر عبر منصة إنستغرام مستندًا إلى مجموعة من الصور الفوتوغرافية النادرة التي التقطها الآباء اليسوعيون في سهل البقاع خلال فترة الانتداب الفرنسي.

وتوثّق هذه الصور جانبًا من الحضور اليسوعي في المنطقة الذي دعم مشروع لبنان الكبير، إذ لعب الآباء اليسوعيون دورًا بارزًا في مجالات التنمية الزراعية انطلاقًا من دير تعنايل، والبحث العلمي من خلال مرصد كسارة، إلى جانب نشاطهم التربوي والثقافي. وقد أسهمت المشاريع الزراعية في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل وتعزيز المصادر الغذائية، فيما شكّل مرصد كسارة أحد أبرز المراكز العلمية في الشرق الأوسط بفضل أبحاثه في مجالات الأرصاد الجوية والزراعة وعلم الزلازل.

أعادت الباحثة نور هاشم قراءة هذه المجموعة الفوتوغرافية ضمن عشرة محاور تناولت الزراعة والتعليم والبحث العلمي والجغرافيا والحياة الدينية والسلطة، مقدّمة رؤية تتجاوز الصور النمطية الشائعة عن البقاع. ويكشف المشروع عن منطقة شكّلت عبر تاريخها فضاءً للإنتاج والمعرفة والتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وتتجاوز أهمية «البقاع معروضًا» البعد التوثيقي، فالأرشيف يُطرح بوصفه أداة لفهم التحولات التاريخية والاجتماعية واستعادة ذاكرة الأماكن. وفي ظل ما تتعرض له حاليًا مواقع وذاكرات عديدة من التهديد والاندثار، يذكّر المشروع بأهمية الوثائق والصور في حفظ التاريخ الجماعي وإتاحة قراءات جديدة للماضي تساعد على فهم الحاضر وتخيّل مستقبل أكثر إنصافًا.

 

في متحف سرسق: فرقة الدبكة التابعة لطيران الشرق الأوسط

في متحف سرسق، يستعيد معرض «فراشات ودبابير: قصة فرقة طيران الشرق الأوسط الفلكلورية من خلال الأرشيف»، من إعداد مسؤولة الأرشيف في المتحف روينا بو حرب، صفحة شبه منسية من التاريخ الثقافي اللبناني. ويضم المعرض مختارات من 500 مادة أرشيفية من صور ووثائق وقصاصات صحافية وفيديو، توثّق مسيرة الفرقة التي مثّلت لبنان في مهرجانات ومحافل دولية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وأسهمت في إبراز صورة لبنان كبلدٍ منفتح ومتعدد الثقافات.

تعود نشأة الفرقة الفلكلورية التابعة لشركة طيران الشرق الأوسط إلى مبادرة هدفت إلى تمثيل لبنان ثقافيًا في المناسبات الرسمية والأنشطة العامة التي كانت تنظمها الشركة. وقد بدأت كفرقةٍ تضم موظفين هواة يجمعهم الاهتمام بالموسيقى والرقص الشعبي، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى فرقة فنية تمثل لبنان في مهرجانات وعروض دولية. ومع اتساع نشاط الفرقة، تراكمت مواد توثيقية متنوعة جمعها أعضاؤها والعاملون في الشركة، شملت صورًا فوتوغرافية ووثائق إدارية وبرامج عروض ومراسلات وقصاصات صحافية. وشكّلت هذه المواد مع مرور الوقت مجموعات أرشيفية توثق جانبًا مهمًا من الحياة الثقافية اللبنانية ودور شركة طيران الشرق الأوسط في الترويج للثقافة اللبنانية خارج البلاد.

ويُبرز المعرض أيضًا أهمية المبادرات الفردية والعائلية في حفظ الذاكرة. فقد حافظت عائلة بو حرب على جزء مهم من هذا الأرشيف لعقود طويلة، بعدما جمعه سليم بو حرب وزوجته نضال هاموش، والدا روينا القيّمة على المعرض، واللذان كانا عضوين في الفرقة وموظفين في الشركة. وقد احتفظت بالصور والوثائق والمقالات التي رافقت نشاطات الفرقة داخل لبنان وخارجه، رغم ما تعرضت له المجموعة من مخاطر خلال سنوات الحرب الأهلية. وبعد انخراط روينا بو حرب في مجال الأرشفة، أعادت النظر في هذه المجموعة بوصفها أكثر من مجرد ذكريات عائلية، لتتحول إلى مصدر تاريخي يوثق مرحلة مهمة من مسيرة شركة الطيران والحياة الثقافية اللبنانية، ويضيء على دور الأفراد والعائلات في حماية الذاكرة وصون التراث الوثائقي.

 

التسجيلات والممارسات الغنائية في مؤسسة ”آمار“

فتحت مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية (AMAR) أبوابها ودعت الجمهور إلى زيارة أرشيفها الموسيقي والاستديو للتعرف عن قرب إلى عمليات الحُفظ. وتختص المؤسسة في حفظ الإرث الموسيقي في لبنان ومصر والمنطقة منذ بداية التسجيل الصوتي التجاري في العام 1903 في بلادنا حتى الثلاثينيات من القرن الماضي عندما تم تهميشه التدريجي مع بروز أنماط موسيقية حديثة رافقت ظهور السينما الغنائية والإذاعة.

وأتاح هذا النشاط للزوار اكتشاف الرحلة التي تقطعها التسجيلات النادرة منذ دخولها المؤسسة وحتى حفظها النهائي، مرورًا بالتنظيف، والترميم، والرقمنة، والتوثيق العلمي. كما وفّر فرصة نادرة للاستماع إلى تسجيلات محفوظة على أسطوانات شمعية وأقراص قديمة باستخدام أجهزة تاريخية مثل الفونوغراف والغراموفون. وساهم هذا النشاط في التوعية بأنّ حماية التراث السمعي ليست شأنًا تقنيًا فحسب، بل مسؤولية ثقافية تحفظ أصوات الماضي وممارساتها الفنية والمجتمعية وتتيح للأجيال المقبلة إعادة اكتشافها وإنتاجها.

 

جنوب لبنان: الأرض والذاكرة

أما حلقة النقاش التي نظمتها مؤسسة «أثر للحفظ والتوثيق» بعنوان «جنوب لبنان: الأرض والذاكرة والتراث المعماري» في مقر المؤسسة العربية للصورة في بيروت، فتناولت واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في المرحلة الراهنة في ظل ما يتعرض له من تهديدات متزايدة نتيجة الحروب والدمار ومحاولات المحو والاقتلاع التي تطال الأرض والإنسان والذاكرة. انطلقت الندوة من قناعة أساسية مفادها أنّ التراث لا يقتصر على المباني والمواقع الأثرية، بل يشمل أيضًا المكتبات والمخطوطات والأرشيفات العائلية والروايات الشفوية والذاكرة الجماعية والعلاقة التاريخية التي تربط المجتمعات بأرضها. وسعت الجلسة إلى مناقشة المسؤولية المشتركة في حفظه وصونه باعتباره جزءًا أصيلًا من التراث اللبناني والإنساني.

شارك في الجلسة عدد من الباحثين والمهتمين بالتوثيق والتراث، فقدّم الدكتور رامي زريق، الأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت، قراءة تاريخية لتطور نظام ملكية الأراضي في لبنان منذ العهد العثماني مرورًا بفترة الانتداب الفرنسي وصولًا إلى مرحلة الاستقلال. وركّز على أوضاع الفلاحين في الجنوب الذين ظلوا خارج دائرة الاعتراف الكامل بحقوقهم، مُشيرًا إلى أنّ تاريخهم الاجتماعي ونضالهم اليومي ما يزالان غائبَين إلى حد كبير عن الدراسات التاريخية، رغم أهميته في فهم تاريخ المنطقة وهويتها.

من جهته، عرض المهندس حسن ترحيني تجربته في تأسيس وإدارة «مدونة جبل عامل»، التي تحوّلت منذ إطلاقها في العام 2012 إلى مرجع رقمي يضم آلاف المواد المتعلقة بتاريخ المنطقة وآدابها وتراثها. وأوضح أنّ المدونة باتت تُشكّل أرشيفًا رقميًا حيًا، مُصنفًا حسب الموضوع وسهل الاسترجاع، يسهم في حماية الذاكرة الجنوبية وإتاحتها للباحثين والمهتمين، في وقت تتسارع فيه وتيرة فقدان الوثائق والمصادر الأصلية.

أما الباحثة فاطمة البزال، وهي طالبة دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال في الجامعة اللبنانية، فتناولت واقع المخطوطات العاملية وما تواجهه من مخاطر متزايدة في ظل الظروف الراهنة، مشيرةً إلى أنّ ما يتعرّض له جبل عامل اليوم من فقدان يوازي ما خسرته المنطقة من آثار مخطوطة على مر القرون الماضية. وقدمت نماذج عن مجموعات مخطوطة محفوظة في منازل عائلات علمية عريقة، كثير منها مهدّد بالضياع نتيجة غياب الأطر المؤسسية الكفيلة بحمايتها. كما سلطت الضوء على القيمة العلمية والمعرفية لهذه المخطوطات التي تعكس قرونًا من الإنتاج الفكري والثقافي في جبل عامل.

واستعرض الباحث علي مزرعاني تجربته في جمع وتوثيق الذاكرة الجنوبية، من خلال أرشيف يضم صورًا ووثائق ومخطوطات وصحفًا ومواد توثق الحياة الاجتماعية والثقافية والعمرانية في الجنوب إلى جانب نشر سلسلة من الكتب التوثيقية. وأشار إلى أنّ جزءًا كبيرًا من هذا الأرشيف ما يزال غير منشور، ما يجعله مصدرًا بالغ الأهمية لإعادة بناء الذاكرة المكانية والثقافية للمنطقة والحفاظ على تفاصيل الحياة اليومية التي غالبًا ما تغيب عن الروايات الرسمية.

 

تأملات وخلاصات

بالتوازي مع هذه الفعاليات، أصدر مرصد التراث الحديث بيانًا حذّر فيه من المخاطر غير المسبوقة التي تهدد التراث الثقافي في جنوب لبنان نتيجة الحروب المستمرة. وأكّد أنّ هذا التراث، بما يختزنه من ذاكرة تاريخية وثقافية، يواجه تحديات متزايدة تتطلب استجابة عاجلة ومنسّقة. ورغم الاعتراف الدولي بأهمية عدد من المواقع اللبنانية من خلال إدراجها على لوائح اليونسكو، شدّد البيان على أنّ هذا الاعتراف لا يكفي وحده لضمان الحماية، داعيًا إلى توثيق الأضرار، وحماية المواقع والمجموعات التراثية، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الصون، ووضع خطط طويلة الأمد للتعافي والحفاظ على تراث جبل عامل.

وتعكس هذه المبادرة، إلى جانب سائر فعاليات أسبوع الأرشيف الدولي في لبنان، اتساع مفهوم الأرشيف ودوره في الحياة العامة. فالأرشيف لم يعد شأنًا تقنيًا يقتصر على المتخصصين، بل أصبح قضية ترتبط بالحقوق والمواطنة والهوية والعدالة، وتستدعي تعاون المؤسسات الرسمية والمجتمعات المحلية والخبراء بالإضافة إلى الجهات الأمنية، بخاصة خلال الحروب. فالوثائق والصور والشهادات التي تُحفظ اليوم ستشكل غدًا مرجعًا لفهم ما جرى، وإثبات الوقائع، ومساءلة المسؤولين، واستعادة قصص الأفراد والمجتمعات التي قد يطويها النسيان. فكل وثيقة تُنقَذ من الضياع، وكل صورة تُستعاد، وكل شهادة تُوثَّق، تمثل انتصارًا صغيرًا على المحو وتُشكل فعل أمل. ولعلّ الرسالة الأبرز التي حملها أسبوع الأرشيف الدولي هذا العام هي أنّ العدالة لا تبدأ في قاعات المحاكم فقط، بل تبدأ أيضًا بحفظ الوثيقة، وصون الصورة، وتوثيق الشهادة، والإيمان بحق كل إنسان وكل مجتمع في ذاكرته وفي نقلها إلى الأجيال القادمة.

 

مصادر الصور الواردة في المقال:

أرشيف المكتبة الشرقية في جامعة القديس يوسف، مكتبة جامعة الروح القدس – الكسليك

أرشيف عائلة سليم بو حرب ونضال هاموش، أرشيف مؤسسة البحث والتوثيق في الموسيقى العربية

مدوّنة جبل عامل