نحو حياة أفضل

الالتهاب المزمن عدوٌ صامتٌ يغزو الجسد عن طريق المائدة
إعداد: روجينا خليل الشختورة

لم تعد التغذية مجرد وسيلة لسدّ الجوع أو تلبية حاجات الجسم، بل أصبحت ركيزة أساسية في بناء الصحة أو تدهورها. فاختياراتنا اليومية على المائدة تنعكس مباشرة على جهاز المناعة، وعلى قدرة الجسم على مقاومة الأمراض أو الاستسلام لها. وفي زمنٍ تتسارع فيه أنماط الحياة وتتبدّل العادات الغذائية، برزت علاقة وثيقة بين ما نأكله ومجموعة واسعة من الأمراض المزمنة التي باتت تهدد مختلف الفئات العمرية.

من بين هذه التحديات الصحية يبرز الالتهاب المزمن، الذي يُعرف بالعدو الصامت، إذ يمكن أن يستمر في الجسم لفترات طويلة من دون أعراض واضحة في بداياته، قبل أن يتطور إلى مشاكل صحية خطيرة.

في هذا السياق، تشرح الدكتورة في علوم التغذية نغم سنان مفهوم الالتهاب، أنواعه، ودور النظام الغذائي في تأجيجه أو إخماده.

توضح الدكتورة سنان أنّ الالتهاب هو ردّة فعل طبيعية من جهاز المناعة للدفاع عن الجسم ضد العدوى أو الإصابات، وهو ينقسم إلى نوعين، التهاب حاد قصير المدى، والتهاب مزمن. ويستمر النوع الأول من يومٍ إلى عدة أيام، وتظهر أعراضه على شكل حرارة وتورّم وألم، أو فقدان مؤقت لوظيفة الجزء المصاب، وغالبًا ما يزول مع العلاج الصحيح. أمّا الالتهاب المزمن، فيحدث لدى استمرار الالتهاب لفترةٍ طويلة نتيجة إهماله أو جرّاء نمط حياة غير صحي. وقد يمتد لأسابيع أو أشهر أو حتى سنوات، ويُعدّ أخطر بكثير على صحة الجسم.

وتشير سنان إلى أنّ الالتهاب المزمن قد يترافق مع أعراضٍ مختلفة مثل آلام المفاصل والعضلات واضطرابات هضمية وإرهاق وأرق، أو حتى أعراض نفسية كالاكتئاب. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي إلى أمراضٍ خطيرة مثل أمراض القلب والسكري من النوع الثاني، وبعض أنواع السرطان.

 

الغذاء قد يشعله أو يطفئه

استنادًا إلى عدة دراسات تؤكّد سنان وجود علاقة مباشرة بين النظام الغذائي والالتهابات المزمنة، وتشدّد على ضرورة تصنيف الأطعمة ضمن فئتين أساسيتين:

أولًا، الأطعمة التي تزيد الالتهاب المزمن، إذ تعمل على زيادة إفراز المواد الالتهابية في الجسم وتحفيز هرمون التوتر (الكورتيزول)، ما يعزّز الالتهاب. ومن أبرز هذه الأطعمة: السكّريات المكررة (الحلويات الجاهزة، المشروبات الغازية، العصائر الصناعية)، الوجبات السريعة والمقلية، الزيوت النباتية المكررة الغنية بأوميغا-6 عند الإفراط باستعمالها من دون توازن مع أوميغا-3، اللحوم المصنّعة (مرتديلا، سلامي، ببروني…)، والحبوب المكررة والكحول.

وتوضح أنّ الإفراط في هذه الأطعمة يؤدي إلى ارتفاع الجذور الحرّة في الجسم، ما يزيد تلف الخلايا ويعزز مؤشرات الالتهاب مثل الإنترلوكين-6 وعامل نخر الورم (TNF-alpha).

ثانيًا، الأطعمة التي تحارب الالتهاب وتدعم جهاز المناعة عبر مقاومة الجذور الحرة وتحسين صحة الأمعاء، ومن أبرزها:

الأطعمة الغنية بأوميغا-3 وهي أحماض دهنية أساسية لا ينتجها الجسم، ويجب الحصول عليها من الغذاء، كالأسماك (السلمون، السردين، التونة) والخضار الورقية الداكنة والمكسرات النيئة وبذور الكتان.

الأطعمة الغنية بالألياف والتي تلعب دورًا مهمًا في خفض الكوليسترول وتنظيم السكر ودعم البكتيريا النافعة في الأمعاء، وتقليل الالتهاب، كالحبوب الكاملة والبقوليات والفواكه بقشورها.

الفاكهة والخضروات الغنية بمضادات الأكسدة كالحمضيات والبطاطا الحلوة والأفوكا والتوت والكرز والرمان والعنب (الغني بالريسفيراترول) والثوم والبصل والطماطم (الليكوبين) والجزر (بيتا كاروتين).

إلى جانب عناصر داعمة إضافية كالمغنيزيوم (الشوكولاتة الداكنة وبذور اليقطين واللوز والكاجو والسمسم)، الزنك (المأكولات البحرية والبذور والمكسرات) وزيت الزيتون والتوابل المضادة للالتهاب مثل الكركم والزنجبيل والقرفة.

 

النظام الغذائي المتوسطي: النموذج الذهبي

بعد استعراض الأطعمة المفيدة، تؤكد الدكتورة سنان أنّ أفضل إطار غذائي يجمع هذه العناصر هو النظام الغذائي المتوسطي Mediterranean diet، الذي تَصدّر التصنيفات العالمية كأفضل نظام غذائي صحي.

ويرتكز هذا النظام على زيت الزيتون كمصدر أساسي للدهون، والإكثار من الخضار والفواكه وتناول البقوليات والحبوب الكاملة واستهلاك السمك عدة مرات أسبوعيًا، بالإضافة إلى تقليل اللحوم الحمراء.

وأظهرت دراسات شملت أكثر من 14 ألف شخص أنّ هذا النظام يرتبط بانخفاض واضح في مؤشرات الالتهاب مثل CRP والإنترلوكين-6، كما يحسّن الميكروبيوم المعوي، ويقلّل مقاومة الإنسولين، ويساعد في الحفاظ على وزن صحي.

في المقابل، تحذّر سنان من الانتشار المتزايد للنمط الغذائي الغربي Western dietary pattern، الغني بالدهون المتحولة والسكّريات المضافة، إلى جانب اللحوم المصنّعة، والحبوب المكررة، والفقير بالخضار والألياف.

وتوضح أنّ هذا النمط يرتبط بزيادة السمنة والسكّري من النوع الثاني، بالإضافة إلى أمراض القلب، وارتفاع مؤشرات الالتهاب، فضلًا عن تقصير متوسط العمر.

 

نمط الحياة المتكامل

لا يقتصر الحد من الالتهاب على الغذاء وحده، بل تشدد سنان على أهمية شرب كميات كافية من الماء وممارسة النشاط البدني بمعدلٍ يتراوح بين 150 و300 دقيقة أسبوعيًا من النشاط المعتدل، أو 75 إلى 150 دقيقة من النشاط المرتفع، بالإضافة إلى تقوية العضلات مرتين أسبوعيًا وتقليل الجلوس لفترات طويلة.

وتختم بالتأكيد على أنّ الالتهاب المزمن ليس قدرًا محتومًا، بل هو انعكاس مباشر لاختياراتنا اليومية، مشيرةً إلى أنّ صحتنا تبدأ من صحننا، ومن وعينا الغذائي، وكل قرار غذائي نتخذه قد يغذي الالتهاب أو يطفئه!