حقد الأزمنة يحاصر لبنان بالمجازر والدمار
العدوان في أسبوع
مئات الشهداء والجرحى والعسكريون يدفعون ضريبة الدم
تدمير منهجي للبنى التحتية ونيران العدو تلاحق النازحين وسيارات الاسعاف
كان من المفترض أن يصدر هذا العدد ملوناً ببهجة الصيف حاملاً وعود الازدهار والفرح، عابقاً بأصداء المهرجانات من بعلبك إلى بيبلوس وبيت الدين وجونيه وصيدا وصور... فإذ بالدم يفيض على الطرقات والصفحات، وإذ بشمس الصيف تختبئ من حمم تدك مدننا وقرانا، تقتل رجالنا ونساءنا وأطفالنا، تصب على جنودنا حقداً...
«صح النوم» في البيال
لا امرأة تشبه فيروز ولا مدينة تشبه بيروت
لا أحد يشبه فيروز إلا فيروز... لا مدينة تشبه بيروت إلا بيروت...
فيروز،
إمرأة تختصر ذاكرتنا، أوجاعنا، انتظاراتنا، نضالنا وآمالنا. ندين لصوتها بلمحات الفرح كلما عزّ الفرح وتقلصت مساحاته. نفيء الى نبضها فيعود النبض إلى شراييننا اليابسة.
بيروت،
عاصمتنا وقلبنا، مدينة ما فتئت تبحث عن وجهها، عن وجهتها في وطن مشرعة أبوابه ونوافذه لكل الرياح.
مفارقة أن تكون مسرحية لفيروز في بيروت، والمدينة في غليان...
هنا إذاعة لبنان
ذاكرة الأجيال وبهاء زمن الكبار
في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانت الإذاعة اللبانية «ملكة» الأثير، وكانت رفيقة النهارات والأمسيات. فـ«الترانزستور» الذي خلف الراديو الأسود الكبير المتصدّر الصالون، بات يتنقل من مكان إلى آخر في المنزل. أحيانًا يستقر على حافة نافذة أو شرفة، وأحيانًا يرافق العاملين في الحقول نهارات طويلة.
بؤرة اشعاع
ذلك الزمن الذي يحنّ إليه من عرفوا جماله، كانت الإذاعة اللبنانية شريكًا أساسيًا...
وللبحر مغاويره...
باقون على العهد ما دام في القلب نبض
وللبحر مغاويره، هادئاً كان موجه أم هائجاً.
قرب البحر مودعاً آخر أيام الصيف زرناهم، وهناك أيضاً انصتنا الى حكايات.
بكلام قليل يخبرون عن القتال، وبتأثر كبير يتذكرون الرفاق الشهداء والجرحى. أمّا النتيجة الواحدة التي يخلص اليها الجميع فمفادها أنهم خاضوا معمودية الدم وفاءً لعهد قطعوه للبنان، والعهد باقٍ ما دام في القلب نبض وفي الشرايين دماء.
جاهز سيدي
من مجموعة زوارق القتال الأولى نلتقي...
في المجوقل صرخة واحدة
وعدنا البقاء على مستوى شهادة الرفاق
في جنبات الثكنة عسكريو المجوقل يزرعون الأرجاء حيوية ونشاطاً، نشاهد مجموعة تتدرب على الهبوط بالحبال, يهتف رتيب معرفاً باسمه وقطعته معلناً استعداده الدائم للدفاع عن لبنان ورفع رايته عالياً. يجيبه الرفاق بعبارات وهتافات خاصة بهم.
وإذ ينهي جولته، يتقدم من رئيسه
طالباً الإذن بالمغادرة:
«أنا مأذون سيدي، يجب أن أذهب الى البيت، يمازحه أحد الرفاق: لا أحد يغادر الثكنة، يرد ممازحاً بدوره، يجب أن ننجب...
يا مغاوير العزم والواجب انتهت المعركة فماذا تقولون؟
عادت الحياة الى ثكنة المغاوير، أصداء خطواتهم تتردد في العرين الذي افتقد أسوده أشهراً.
مهمة ليست ككل المهمات، أنجزوها بكل ما في شرايينهم من دماء وبكل ما في قلوبهم من إيمان. وأنجزوها بكل الكفاءة التي نعهدها في هذا الفوج العريق. كانوا مغاوير الإقدام والعزم والمناقبية، مغاوير الواجب.
بالإرادة والعزم حققوا المستحيل
نحاول استكشاف رؤية العسكريين لما حققوه للبنان من خلال حسمهم معركة نهر البارد، نطرح السؤال على نقيب من السرية الثانية...
في مخيم نهر البارد ماذا تقول الأماكن للمقاتلين
... وكما الأم تنسى في لحظة سماعها صرخة وليدها كل آلام المخاض والولادة، ينسون في لحظة النصر أهوال القتال والخطر وكل الصعوبات.
في لحظة النصر وحدها هامات الشهداء وأعلام العزّة المرفوعة تحتل مساحات الرؤية والذاكرة، وتؤكّد من جديد التزام العسكري شرف الحفاظ على وطنه حتى الرمق الأخير.
انتهت المعركة بالنصر ومع المقاتلين عدنا الى ساحتها.. فماذا يقول المقاتل العائد الى ساحة المعركة بعد أن بات الصمت سيداً فيها؟ وماذا تقول الأماكن لمن مكثوا فيها...
هذا شعب يستحق أن نموت لأجله
... والى الفوج المجوقل، فوج المقاتلين الأشداء وعشرات الشهداء والمصابين. قائد الفوج العقيد الركن جورج نادر تسلّم قيادة المجوقل إثر إصابة قائده العقيد الركن شربل الفغالي.
من مكتبه في كلية القيادة والأركان أتى الى أرض المعركة التي لم يكن أصلاً بعيداً عنها.
كان يأتي اليها في يوم المأذونية الأسبوعية، يحيي الرفاق ويشدّ على أياديهم.
هو في الأساس مغوار وفي معركة هي معركة الجيش والوطن لم يكن قادراً على البقاء بعيداً. في ثكنة الفوج في غوسطا...
لولا دعم الشعب لما استطاع جيش أن يواجه ما واجهناه
يفصح العقيد الركن صالح قيس عن الوجع الذي يسكن أعماق القائد العائد الى ثكنته منتصراً، وإنما ليس مع جميع من صنعوا النصر. وجع يظل في ساحة المعركة «مكموشاً» في الداخل حيث يتحول أمراً يتلقاه الجميع من دون كلام: التراجع ممنوع، حيث سقط شهيد لا تلوّث قدسيّة الأرض أقدام إرهابي. ينفذ الأمر فوراً ويتقدم الرفاق أكثر.
وإذ يروي قصصاً عن محطات حرجة في سير المعركة يشيد بأداء عسكرييه، لكنه يقول: هذا واجب العسكري وشرفه، لا أحد يتحدث عن بطولات.
هنا الحديث...
أنجزوا مهمة بدت أقرب الى المستحيل وعادوا من معمودية الدم أبطالاً
من ثكناتهم نحدثكم
فإليكم فصلاً من فصول الشرف والتضحية والوفاء
سقط آخر معاقل الإرهابيين.
سكتت المدافع، هدأ أزيز الرصاص، وانقشع الغبار. الإرهابيون مجموعات من القتلى وأخرى من الجرحى والمعتقلين. قلّة نجحت في الفرار يتم تعقبها. أنجز العسكريون مهمة بدت أقرب الى المستحيل منها الى الممكن، وعادوا الى ثكناتهم.
عادوا متوجين بانتصارهم، وإنما أيضاً مجلّلين بحزن كبير. فقدوا رفاقاً أحباء، قاسوا من الأهوال ما يصعب إدراكه أو تصوره.
ها هم اليوم في...











