مسرح

«صح النوم» في البيال
إعداد: الهام نصر تابت

لا امرأة تشبه فيروز  ولا مدينة تشبه بيروت

لا أحد يشبه فيروز إلا فيروز... لا مدينة تشبه بيروت إلا بيروت...
فيروز،
إمرأة تختصر ذاكرتنا، أوجاعنا، انتظاراتنا، نضالنا وآمالنا. ندين لصوتها بلمحات الفرح كلما عزّ الفرح وتقلصت مساحاته. نفيء الى نبضها فيعود النبض إلى شراييننا اليابسة.
بيروت،

عاصمتنا وقلبنا، مدينة ما فتئت تبحث عن وجهها، عن وجهتها في وطن مشرعة أبوابه ونوافذه لكل الرياح.
مفارقة أن تكون مسرحية لفيروز في بيروت، والمدينة في غليان يفيض من قلبها وأطرافها! غليان ضجيج وساحات هادرة، وصوت امرأة قد يكون الوحيد القادر على صياغة الهدير مساحة لقاء وطمأنينة وفرح، ولو مؤقتاً، لوقت خارج الوقت، وفي مكان هو في قلب الهدير وخارجه في آن.
يحصل هذا فقط إذا كانت المدينة بيروت، ويحصل فقط، إذا كانت المرأة فيروز، وهو فعلاً حصل.
وجدت المدينة بين ساحاتها المختنقة بالحشود ممرات يعبر منها الوافدون إلى البيال للقاء فيروز.

 

ساحة القلق والانتظار

«صح النوم» الثالثة كانت ثابتة... فالمسرحية التي عرضت في البيال ثلاث ليالٍ متتالية، كان مقدراً أن تعرض صيفاً في بعلبك، وحصل ما حصل. قبل ذلك، حصل أن توقف عرض المسرحية التي وقّعها الأخوان رحباني العام 1970 بسبب وفاة الرئيس جمال عبدالناصر. هذه المرة وعلى الرغم من أن الموعد كما المكان كانا محفوفين بأسئلة القلق والترقب، كانت الثالثة ثابتة. زياد الرحباني المشرف على العمل، كان حاسماً في تأكيده لصحيفة «السفير» عشية العرض الأول: «هذه المرة لن نترك المسرح إلا اذا قامت اسرائيل بانزال فوق الهنغار».
إذاً الموعد قائم، لكن الوصول إلى البيال كان مسألة أخرى. مسألة تستلزم الانطلاق قبل الموعد بساعات. طلائع الجمهور المحتشد أمام البيال بدأت تصل باكراً. ناس من كل الأعمار؛ متقدمون في السن، كبار، وشباب بنسبة ملحوظة. قلائل وجدوا حافة يجلسون إليها، آخرون يتمشون، يدخنون، أو يتفرسون في الوجوه. في حفلات فيروز ثمة احساس ما يسري بين الجمهور، احساس لطيف بالود، بالتقارب التلقائي بين غرباء لا يعرف الواحد منهم الآخر، مع ذلك ليس غريباً أن يتبادلوا الحديث: متى وصلتم؟ كيف كانت طريقكم...
كويتي أربعيني كان بين المنتظرين، ضرب رقماً قياسياً في الانتظار والوصول المبكر، سألته احداهن: هل كنت في لبنان أم أنك أتيت من أجل المسرحية؟». «أنا هنا من أجل فيروز، من المطار توجهت إلى البيال فوراً.. خشيت لو مررت بالفندق ألاّ أستطيع الوصول في الوقت المحدد.. فكرت ربما أقفلت الطرقات بسبب التظاهرة، أنتظر هنا منذ الساعة الواحدة بعد الظهر، انها فيروز...».

 

مشهد من الداخل

حوالى الساعة السابعة يبدأ الجمهور دخول الصالة، مجموعات تدخل على التوالي. الأماكن الستة آلاف وخمسمئة محجوزة بالكامل للّيالي الثلاث. لكن مع اقتراب الساعة الثامنة الموعد المقرر لبدء العرض، لم يكن وصول الوافدين قد اكتمل. مئات من المقاعد ما زالت بانتظار وصول العالقين على مداخل العاصمة. اعلان عن تأخير العرض يأتي بعد انتظار، وذلك احتراماً لحق الذين لم يتمكنوا بعد من الوصول وأخذ أماكنهم لملاقاة فيروز. الاتصالات الخلوية ناشطة، تخفف وطأة الانتظار، وتتيح للعالقين على الطرقات الاستفادة من خبرة الواصلين. شاب إلى جانبي يسدي نصيحة لمتصل به: «يا زلمي اتركوا السيارة وانزلوا مشي، نحنا وقفنا بساحة ساسين وجينا مشي». أكثر من ساعة ويظل الانتظار معقوداً على الفرح، اعلان أول عن اقتراب البدء، ثم ثانٍ وثالث، والجمهور في غاية الاستنفار.

 

بين هدير الساحات وساحة العرض

تصدح المقدمة الموسيقية، تعود إلى أسماعنا نبرة ايقاعية سكنت الوجدان عقوداً، تعود في تسجيل جديد (كما كل الموسيقى والأغاني في المسرحية التي أعيد تسجيلها) وبكل البهاء والروعة، يتحرك الحنين موجات لها فعل السحر في جمهور انتقل في لحظة من هدير الساحات المجاورة، إلى ساحة العرض الذي يحمل توقيع برج فازليان مخرجاً وزياد الرحباني مشرفاً. عصب «صح النوم» وأساس حبكتها، الانتظار: أناس ينتظرون من شهر إلى شهر إطلالة البدر ومعها صحوة واليهم «القاعد في قصر النوم، أكل وشرب ونوم لمصلحة الأهالي». الانتظار معقود على القلق، فقد ينفقس مزاج الوالي (أنطوان كرباج) ويعود إلى النوم. وتظل البيوت المحتاجة إلى سقوف بلا سقوف، والأراضي البور بوراً، وكل أمر من أمور الحياة عالقاً معلقاً بانتظار شهر آخر، وشهور وسنوات أخرى. قرنفل (فيروز) تكسر رتابة الانتظار، تخربط الاحتفال بحصوة الوالي، تشاكس، تطرح الأسئلة التي لم يجرؤ أحد على طرحها، ترمي حجراً  في البركة الراكدة، فتخربط لعبة الخضوع والقبول. زيدون المستشار (ايلي الشويري) يحاول ضبطها من دون أن ينجح. وتتوالى المشاهد والأحداث في اطار فولكلوري، وفي سياق محبوك بدقة، مبهج بتلاوينة البصرية والموسيقية. فيروز تتنقل بين الايقاعات وعلى المسرح برشاقة ونضارة، انطوان كرباج وايلي شويري (وكلاهما معلم) أعادانا إلى أيام العز التي عاشتها الحركة المسرحية مع أعمال الرحابنة. وكذلك حركة الممثلين والراقصين والديكور في تناغمها الجميل، الموقّع بإخراج برج فازليان. زياد الرحباني الذي شذب بعض الحوارات ظل أميناً لروحية الموسيقى الرحبانية المحتفظة بكل قدراتها على التغلغل في النفوس والإدهاش، كما لو انها تحل في سمعنا للمرة الأولى. علماً ان لمسات زياد الخاصة واضحة (أغنية عَ هالبير المهجور مثلاً). المسرحية كما يراها زياد «مسرحية غير مباشرة... لا تتحدث عن أي شيء يحصل حالياً في الوطن..». لكن بالنسبة للجمهور لم يكن الأمر كذلك بالتأكيد. تجاوبه مع «القفشات» وردات فعله على المواقف، تفصح انه رأى العمل الفولكلوري الموضوع منذ ثلاثين عاماً، وكأنه ابن المرحلة، بل اللحظة الراهنة. في أي حال، هذه واحدة من أبرز سمات المسرح الرحباني.

 

مشهد أخير

ينتهي العرض، الجمهور لا يريده أن ينتهي. يحتفي بفيروز وبالعمل الرائع، تحية طويلة، غابت عنها عادة جميلة: رفع «القداحات» مشتعلة تحية للسيدة. رُفعت أجهزة الخلوي بكثافة في محاولة لالتقاط صورة؛ طبيعة المكان والظرف ربما أوحت بأن الخلوي أكثر ملاءمة من «القداحات» والشموع. ذلك «الهنغار» كما يسميه زياد، كان إطاراً لاحتفال كبير. بعض الأشخاص يغيرون شكل الأمكنة، حضورهم يصنع الاحتفال والمكان، وهي فيروز...
الخروج من «البيال» كان يقتضي انتظاراً جديداً. خرج الناس ببطء، في السيارة التي وصلت من الموقف بعد ساعة، أول حركة كانت، البحث عن إذاعة يأتي منها صوت فيروز، محاولة لتمديد فسحة العيش في مساحة أخرى. إبرة المذياع توقفت على صوت جوزف صقر: «قوم فوت نام وصير حلام انو بلدنا...».
تتفرق الجموع بعضها إلى ساحة، بعضها إلى أخرى، والبعض إلى بيوتهم.
فعلاً، لا أحد يشبه فيروز إلا فيروز.
لا مدينة تشبه بيروت إلا بيروت.