اقتصاد ومال

آفاق حلول الازمة الاقتصادية و«باريس 3»
إعداد: تريز منصور
تصوير: شربل طوبيا

إنعقد المؤتمر الدولي لمساعدة لبنان «باريس 3»، في زمن لبناني صعب للغاية، سياسياً ومالياً واقتصادياً. وعكس نجاحه دعم المجتمع الدولي الصريح للبنان الكيان والدولة في أزمته المالية الخانقة. لكن يبقى أن تبادر الحكومة ومجلس النواب اللبنانين الى تنسيق الجهود للإفادة القصوى منه، علماً أن القدرة على تعبئة المبالغ الموعودة واستعمالها، ستحدد في السنوات المقبلة مدى نجاح هذا المؤتمر أو فشله.

وكما بات معلوماً، بلغ حجم الأموال التي تقررت في «باريس 3» دعماً للبنان 7.6 مليارات دولار، قسم منها قروض وقسم آخر هبات. وقد وصل جزء منها فعلاً الى لبنان.

غير أن الورقة الاصلاحية التي نال لبنان على أساسها هذا الدعم، تواجه إنتقادات وتشكيكات داخلية حول مضمونها ورؤيتها الاقتصادية والشروط المحتملة والمترتبة على تنفيذها.

في ظل الاجواء التي يعيشها لبنان، الى أي حد يمكن التفاؤل بإيجاد حلول للازمة الاقتصادية؟ وهل يمكن اعتبار «باريس 3» بما يتضمنه من تعهدات واصلاحات وبما يؤمنه من تمويل، حلاً فعلياً على المدى البعيد؟ أم أن جلّ ما توصل اليه مجموعة حلول آنية؟ وما هي آفاق الحلول اذا استمر التأخير في إقرار المشاريع المتعلقة بالاصلاحات...

هذه الاسئلة وسواها، حملتها «الجيش» الى كل من وزير المال الحالي جهاد أزعور، ووزير المال السابق دميانوس قطار.

 

أزعور:

 

أمامنا فرصة لإعادة تغيير المسار الاقتصادي لكن الدعم الدولي قد لا يأتي إذا تأخرت الاصلاحات.

 

قطّــار:

السياسات القطاعية غابت عن

الورقة الاصلاحية ولا حل بدون فلسفة اقتصادية

 

ازعور:

«باريس 3» ركز على برنامج اصلاحي كبير

وزير المال جهاد أزعور ذكر في سياق حديثه إن أكثر من 30 دولة و20 مؤسسة دولية، من الصين الى روسيا مروراً بالدول العربية والدول الأوروبية  وأميركا وكندا، إضافة الى كل المؤسسات الدولية الهامة، شاركت في المؤتمر دعماً للبنان الذي حصل على 7.6 مليار دولار، جزء منها هبات (أكثر من مليار و300 مليون دولار).

وقال الوزير أزعور:

ما يميز «باريس 3» عن باقي المؤتمرات هو أنه برنامج حكومي شامل، فبالإضافة الى الأمور المالية التي تعالج مشكلة الدين العام، ركّز المؤتمر على برنامج إصلاحي كبير، تضمن خطة إجتماعية، خصصت لها مبالغ هامة، إضافة الى الشق الأساسي وهو برنامج خاص لدعم النمو، رصد له نحو مليار و660 مليون دولار.

إنها المرة الأولى التي يتقدم فيها لبنان من المجتمع الدولي، ليس لطلب الدعم للموازنة والدين وحسب، إنما لدعم قطاعاته. ومنذ 25 كانون الثاني الفائت، أحرزنا تقدماً كبيراً في هذا المجال، إذ أجرينا العديد من الاتصالات مع الدول والمؤسسات، للتأكيد على دعم القطاعات ولتحديد المبالغ والاهداف.

عملية التنفيذ من قبل الداعمين قد بدأت على الرغم من الظروف الصعبة التي يمرّ بها لبنان، وأولها كان التوقيع مع دولة الإمارات على 300 مليون دولار لمدة عشرين عاماً، بفائدة 2 في المئة مع خمس سنوات فترة سماح. ويعتبر هذا المبلغ بجزئه الأكبر، دعماً للبنان، لأن الفائدة منخفضة جداً.

أما المملكة العربية السعودية، فقد قدمت مئة مليون، كهبة لتخفيض حجم الدين العام. وسوف تقدم مليار دولار كقرض لدعم الاصلاحات وإنشاء المشاريع.

وسوف يتم التفاوض حول هذا المبلغ مع المملكة العربية السعودية والصندوق السعودي خلال الاسابيع القليلة المقبلة.

وقدمت سلطنة عمان هبة بقيمة 60 مليون دولار لمعالجة آثار العدوان الاسرائيلي.

أما مساعدات البنك الدولي فمقسمة الى جزءين:

الجزء الأول يركّز على دعم الاصلاح في القطاعين العام والخاص.

والجزء الثاني مخصص لمواكبة عملية الاصلاح التي ستقوم بها الدولة اللبنانية. قيمة هذا الدعم 400 مليون دولار، ولقد تم تحديد الاصلاحات والبرامج.  

في ما خص صندوق النقد الدولي، تفاوضت الحكومة مع البعثة الخاصة الموجودة في لبنان لدعم معالجة آثار ما بعد الحرب بقيمة 75 - 100 مليون دولار. ولقد وقّع رئيس مجلس إدارة صندوق النقد على الإتفاقية في 9 نيسان المنصرم.

الى ذلك تم التنسيق مع الإتحاد الأوروبي، وثمة مفاوضات تجري حالياً مع اللجنة الفرعية الأوروبية - اللبنانية، حول المساعدات التي سوف يقدمها الإتحاد من خلال «باريس 3».

أما المساعدات من الولايات المتحـدة، فقـد بـدأت أولى جـولاتهـا التفاوضيـة مع وزير الاقتصـاد والتجارة الدكتور سامي حداد، وسوف تليهـا الجولـة الثانيـة في منتصـف الشهر الحالي (نيسان)، على هامش حضور إجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين.

من جهته أرسل صندوق النقد العربي ملاحظاته، وسوف يرسل بعثة الى لبنان خلال الاسابيع القليلة المقبلة، حيث سيتم التوقيع على 50 مليون دولار.

 

آلية عمل

بالتزامن مع قدوم المساعدات والقروض، يضيف الوزير ازعور، وضع مجلس الوزراء برنامجاً وآلية تنفيذ له. في الماضي كانت البرامج توضع من دون آلية تنفيذ لها. أما اليوم فقد وضعنا آلية لمتابعة كيفية حصول الاصلاح في كل وزارة.

 

كيف سيتم العمل في القطاعات الاخرى؟

- لقد توزعت القطاعات على ثلاثة محاور رئيسة: المحور الاجتماعي، المحور الاقتصادي والمحور المالي، اضافة الى الخدمات العامة والخصخصة. وهناك هيئة عليا يترأسها رئيس الحكومة مهمتها متابعة سير العمل في الوزارات والتنسيق بينها والمؤسسات الداعمة، ووضع الخطط التنفيذية، وإصدار تقرير مفصل حول تقدم العمل، ترفعه الى رئيس الحكومة. ومن ثم تصدر الهيئة تقريراً فصلياً يرفع الى مجلس النواب، يشرح تقدم العمل الاصلاحي، إن كان لناحية تحضير القوانين أو إتخاذ الاجراءات.

وهناك أمر أساسي، فنتيجة تجاربنا في ما يتعلق بالعلاقة مع الدول المانحة، تقرر إنشاء مكتب أو مجلس للمحافظين، سوف يؤسس في وزارة المالية، ومهمته تنسيق التعاطي مع الدول المانحة. ومن خلال هذا التنسيق، تعقد إجتماعات نصف سنوية مع اعضاء هذا المجلس من الدول والمؤسسات المانحة، والاجتماع الاول سوف يتم قريباً. في واشنطن، على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين، وهكذا نكون قد أرسينا قاعدة جديدة للعمل، تبيّن حجم الاموال التي تسلّمها لبنان، طريقة استعمالها والجهات التي إستفادت منها. وسوف يصدر هذا المجلس تقارير مفصلة حولها. هذا بالاضافة الى ورش الاصلاح التي تنشط والمتعلقة بالخصخصة والضمان والكهرباء والمالية العامة والاقتصاد.

 

استراتيجيات قطاعية

عما تواجهه الورقة الاصلاحية من انتقادات وتشكيك في بعض بنودها، قال الوزير ازعور:

هذا البرنامج قطاعي شامل، يتضمن الاصلاحات المالية والاجتماعية والاقتصادية وتطوير الخدمات العامة.. البعض اعتبره برنامجاً مالياً فقط، وإنما الجواب هو في محاوره.

هناك ورش عمل واستراتيجيات قطاعية وضعت. لقد وضعنا برنامجاً اجتماعياً واضحاً يؤمن برامج متخصصة لمجموعة مهمّشة مثل المعاقين ويؤمن تغطية صحية كاملة لهم.

وهناك برامج خاصة بالمسنين، تشكل المدخل الرئيس لما يسمى بالحماية الصحية الشاملة. كما أن هناك برامج خاصة بالاطفال ذوي حالات الترسّب المرتفعة، وهناك برامج خاصة بالنساء الفقراء...

وتعمل الحكومة أيضاً على برنامج هام لما يسمى بضمان الشيخوخة ويتوافق الجميع على هذا البرنامج الذي يؤمن حماية للموظفين وخصوصاً في القطاع الخاص.

وأضاف قائلاً: لقد حوّلت الحكومة المطالبة بالاصلاح ومحاربة الفساد ومراجعة حسابات الدولة الى مشاريع قوانين وارسلتها الى مجلس النواب منذ نيسان 2006. ومن هذه المشاريع مشروع قانون محاسبة الدولة الذي تضمن بنوداً تدعو الى مراجعة حساباتها منذ انتهاء الحرب، كما تدعو الى رفع مرور الزمن (أي ملاحقة المختلسين منذ سنوات طويلة). ويعطي هذا المشروع المؤسسات الدولية حق المحاسبة أو المراقبة الدولية، وليس وضع التقارير وحسب.

والجدير بالذكر أن الحكومة كانت قد ارسلت ايضاً الى مجلس النواب مشروع قانون المناقصات. وسوف تصدر وزارة المالية في الاسابيع القليلة المقبلة، تقريراً يتضمن كل التفاصيل المتعلقة بالانفاق والايرادات ومصادرها، منذ العام 1996، باعتبار انها تمكننت منذ هذا التاريخ.

 

الاصلاح الضريبي

ماذا عن الاصلاح الضريبي؟

- يندرج الاصلاح الضريبي ضمن شقين: الأول، مجموعة الايرادات، والثاني، تحسين الاداء الضريبي.

ولقد أنجزت الحكومة، على الرغم من الظروف السياسية، مشروع قانون أساسي في اللجنة الفرعية المتخصصة، هدفه تحديث الاجراءات الضريبية وتطويرها. كما يشمل هذا المشروع اجراءات جديدة تمنح المكلف حقوقاً، وتجبر الادارة على اعتماد طريقة معينة في العمل، ومن ايجابياته انه يلغي الاستنساب.

وهناك مشروع قانون لإعادة هيكلة الضرائب من دون رفع مستوياتها، ولكنه ينظّمها ويحدثها ويطوّرها، إضافة الى إلغاء مجموعة كبيرة من الرسوم، أصبحت غير مجدية مالياً ومزعجة للمكلفين.

الى ذلك، هناك مجموعة اجراءات مالية اضافية، كالضريبة على القيمة المضافة. فالاصلاح الاساسي، يكمن في توفير النفقات، حيث يجب ان تنخفض بنسبة 3 في المئة من الناتج المحلي، وتصبح بعد خمس سنوات تدريجاً، أقل مما هي عليه، أي نحو 300 مليون دولار.

ولكن في المقابل، فإن الضريبة على القيمة المضافة لن ترتفع قبل منتصف 2008، ويكون هذا الارتفاع النسبي قد تلا خطوة الخفض الجزئي للأكلاف في قطاع الكهرباء والهاتف. فخصخصة قطاع الاتصالات بسرعة، قد تخفّض جزءاً مهماً من فاتورة الهاتف، وكذلك بالنسبة الى قطاع الكهرباء، وتكون النسبة أقله ما بين 30 و40 دولاراً في الشهر، فيما ضريبة الـ«TVA» قد تزيد نحو 8 دولارات في الشهر فقط.

 

الوضع السياسي والدين العام

حول ما إذا كانت هذه الاصلاحات قد تتم في غياب عمل المؤسسات وفي ظل الاجواء السياسية

السائدة، قال ازعور:

إذا استمر الوضع السياسي كما هو عليه اليوم، فلن يتحقق أي شيء تم التخطيط له. لذا علينا إعادة النظر بمستقبل لبنان الاقتصادي. فالامور مرتبطة البعض ببعضها الآخر، وعلى كل محلل سياسي، أن لا يسأل عن سبب تراعج الامور. الاصلاح حجمه كبير ومفيد للمواطنين.

وعن وضع المالية العامة قال الوزير ازعور: حجم الدين العام بلغ حتى نهاية 2006 41.6 مليار دولار. اما خدمة الدين العام، فقد بلغت في العام 2006 3 مليارات دولار، وارتفعت عن الاعوام 2004 و2005، نتيجة ارتفاع الفوائد بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

واضاف: عندما تسلّمت الحكومة في تموز 2005، كان الاقتصاد يعاني مشاكل كبيرة، اهمها تراجع كبير بالعجز وبالايرادات التي تحسنت بنسبة 10 في المئة، وانخفضت النفقات خارج خدمة الدين 6 في المئة. وهذا الذي جعل الفائض الاولي للموازنة (حجم العمليات المالية قبل الدين) ثلاث مرات أكثر، بالاضافة الى انخفاض الفوائد على العملات الاجنبية وتحسّن ميزان المدفوعات. ويعتبر هذا انجازاً كبيراً حققته الحكومة في مرحلة كانت صعبة، لا سيما ان حرب تموز قد سببت نكسة كبيرة على الاقتصاد، وكان تأثيرها كبيراً على المالية، وسبب خسارة أكثر من مليار و200 مليون دولار.

لقد شهدنا تحسناً ملموساً في آخر فصل من العام 2006، ولكن ما لبث ان انحسر مع بدء التشنج السياسي، وترجم بتراجع الفصل الاول من العام 2007 مقارنة مع الفصل الاول من العام 2006. إن الوضع السياسي الراهن، والخوف، والقلق الذي يشعر به المستثمرون والسواح، ينعكس سلباً على الاقتصاد. 

 

مفاعيل بدأت تتآكل

إن مفاعيل «باريس 3» التي ظهرت في الاسبوعين الاولين بعد المؤتمر، بدأت تتآكل بسبب الوضع السياسي. ولأجل ذلك، أطلقت الصرخة ودعوت الى عدم التراخي في هذا الموضوع. فهناك ملفات اصلاحية اساسية مثل ملف الكهرباء، الذي يعاني مشاكل كبيرة، ونزيف هذا القطاع يفوق المليار دولار سنوياً، وتأثيره ليس على مالية الدولة، وحسب، بل يطال قدرتها على التصرف بالعملات الاجنبية، لأنه خلال العامين 2005 و2006، إستنزفت الدولة 1.9 مليار دولار عملات اجنبية.

موضوع الكهرباء متشعب، والطريقة التي يدار بها هذا المرفق العام، لا تتناسب وحجم المشكلة. فالورشة كبيرة جداً، والارقام الصادرة عنها ضعيفة وغير صحيحة وتشوبها الاخطار. اما طريقة ادارة المعامل والانتاج فتطرح تساؤلات كبيرة، حول ضرورة المحافظة على هذه القدرات الانتاجية، هذا بالاضافة الى المشكلة الكبرى في استيراد الفيول وكمياته وكيفية ادارته، الى التعدي على الشبكة. ولا بد من الاشارة هنا، الى ان هناك اصلاحات عديدة تجري بمساعدة دولية في مجال تجديد الطاقة الانتاجية.

 

ماذا عن الملفات الاخرى؟

- اضافة الى ملف الكهرباء هناك ملفات اصلاحية كبيرة وهامة، كملف الضمان الاجتماعي حيث يعرّض الاداء السيء داخل الادارة، الاستقرار الاجتماعي للخطر. وكذلك ملف الاستشفاء وملف الادوية وملف التعليم الذي يشكل ثروة لبنان الحقيقة.

اما في ما يتعلق بالتعويض على المتضررين من الحرب الاخيرة فقال:

لا علاقة لأموال «باريس 3» بالتعويض على متضرري حرب تموز، كما أن اموال التعويض لن تستعمل لأي غرض آخر.

وختم اخيراً بالقول: مؤتمر «باريس 3» ليس مساعدات مالية وحسب، إنما هو فرصة كبيرة للبنان لإعادة تغيير مساره الاقتصادي. إنه مستقبل الاقتصاد اللبناني وكذلك مستقبل الفرص، التي تنهال على لبنان، وعلينا إقتناصها.

تنقصنا اليوم مراجعة داخلية للاولويات. فلا يمكننا تحقيق ما نطمح اليه، اذا استمرت الاوضاع على ما هي عليه. فالوقت انتهى وساعة الصفر قد دقّت، وعلى الجميع حسم خياراتهم. إننا ندفع ثمن هدر الوقت هجرة الادمغة، وبطالة وخروج الإستثمارات.

هناك قانون يسمح للحكومة بتنفيذ جزء كبير من «باريس 3» ولكن الجزء الاكبر من الاصلاحات يحتاج الى اقراره في مجلس النواب. والاصلاح لمصلحة لبنان، وينعكس على جوانب الحياة فيه جميعها.

 

قطار:

غياب السياسات القطاعية

الوزير قطّار قوّم «باريس 3» وصنّفه في مستويات أربعة. وقال شارحاً بالتفصيل:

المستوى الاول، سياسي حيث يعتبر «باريس 3» إنجازاً هاماً جداً للبنان، لأنه وضعه مرة اخرى على خارطة سياسية عالمية واستراتيجية ولقد اعلن عرب واجانب، مسلمون ومسيحيون أن «لبنان حاجة دولية».

المستوى الثاني، إعلامي، حيث حصل حشد إعلامي دولي عزّز موقع لبنان في العالم.

المستوى الثالث، مالي، لأنه ما من شك أن هاجس الورقة الاصلاحية هو المالية العامة، وهي تهدف بعمقها وباستراتيجيتها التقنية، الى تمويل العام 2007، هرباً من الضغط وكسر النظام المالي في لبنان.

المستوى الرابع، إقتصادي، وفيه تبرز نواقص عديدة منها:

غياب السياسات القطاعية بأكملها. فأين هي القرارات التحفيزية للتصدير الى أوروبا (لا يستطيع لبنان تصدير الألبان والأجبان الى أوروبا). لقد تمّ تخفيض التعريفات الجمركية لكن لبنان لم يأخذ في المقابل أياً من بطاقات الحماية، المنصوص عنها في قانون منظمة التجارة العالمية (W.T.O) مثلاً: «ممنوع على كل الصناعات التي تدعم بلادها مادة الكهرباء، الدخول الى لبنان بدون تعرفات جمركية».

هذا بالاضافة الى غياب الخطط الصناعية والزراعية والتنموية عن الورقة. فعندما نقرأ ان مجموع التسليفات في القطاع الخاص منذ العام 2000 ولغاية اليوم، قد حافظت على مستوياتها، فهذا يعني إنعدام النمو، وان الاستثمارات المباشرة هي توظيفات مالية فقط.

وبالتالي، فإن هذه النواقص في الورقة، تضعف قدرة المفاوض على التفاوض، وتحرم لبنان من محطات تفاوضية اساسية، لا سيما في مجالات التصدير. فالاردن مثلاً يصدر الى اميركا نحو مليار دولار في السنة.

واضاف الوزير قطّار: علينا ان لا نسخّف المجهود التقني الذي يتم اليوم وهو برأيي ممتاز، ولكن المشكلة تكمن في ماهية الفلسفة الاقتصادية، لا سيما وانها نصّت على البنود نفسها التي نص عليها البيان الوزاري العام 1994. والأسئلة المطروحة، هل ترتكز الخطة على تطوير المناطق وتطوير الانتاج أم لا؟ ما هي آلية التنفيذ؟ ماذا علينا ان نعمل بديون القطاع الخاص؟ ما هو حجم كفالات القطاع المصرفي مقابل حجم تسليفاته؟ وكيف يمكن لمناطق الجنوب والشمال والبقاع ان تنمو، ومجموع تسليفاتها 9 في المئة، اما بيروت فمجموع تسليفاتها 81 في المئة. في حين ان نسبة الودائع على نسبة الحسابات المصرفية مخيفة جداً!

لقد تكلمنا العام 2005 عن «باريس 3»، وقلنا إذا اقتصر على النواحي التمويلية وحسب مثل «باريس 3»، فسوف يكون ناقصاً، لأن لبنان يحتاج الى منح. وحينها اعترف صندوق النقد الدولي، ان مشكلة لبنان الاقتصادية لا تحل بالخصخصة وحسب. وهذا يعني اننا بحاجة الى قدرة تفاوضية، تجمع مداخيل الخصخصة مع مداخيل المنح. الى ذلك، التزم العالم العربي خلال ثلاث قمم عربية تقديم منح مادية ونقدية للبنان نحو 6 مليارات دولار (مبالغ متراكمة)، فأين هي ومن يفاوض بخصوصها؟

 

جدوى الخصخصة واهميتها

عن جدوى الخصخصة واهميتها اليوم قال الوزير قطار:

إن الخصخصة ضرورة حتمية للبنان كآلية لتفعيل الاصلاح الاقتصادي. لكن الخصخصة بمفردها لا تعني شيئاً، ولا تحلّ مشكلة الدين العام. والأسئلة المطروحة هنا، إذا أردنا خصخصة الكهرباء والهاتف، من هو الذي سوف يستثمر في هذه القطاعات؟ فهل ان شروط الخصخصة الموجودة في العالم متوافرة في لبنان، إن لناحية الثبات التشريعي او الثبات الضرائبي؟

وماذا عن عملية التسعير، هل ستكون بالليرة اللبنانية أم بالدولار؟ كيف تتم الجباية في المناطق المحظورة؟ ماذا عن عملية التنصّت على الهاتف، وعن ارتفاع اسعار النفط؟ والى ما هنالك من مخاطر ضخمة تواجه الاستثمار في البنية التحتية في لبنان.

والجدير بالذكر، هنا، ان البنك الدولي يتساءل اليوم عن جدوى الخصخصة اذا كانت مثل الخصخصة في التسعينيات.

والسؤال الكبير المطروح اليوم بقوة، ماذا عن استقلالية الهيئة الناظمة وثباتها، في وجه التطورات والتدخلات السياسية؟

واشار قطار الى ان «فعالية السهم الذهبي» والذي بموجبه تستعيد الدولة حقها في الملكية او ادارة المرفق العام، لم تعد موجودة من العام 2000 ولغاية اليوم. ولقد اثبتت التجارب ان الشركات الاوروبية التي تملك فيها الدولة النسبة الأكبر من الاسهم، لم تتعرض للإفلاس، إثر الأزمة التي طالت قطاع الاتصالات.

وتطرق الوزير قطار الى عدم تضمين الورقة الاصلاحية المسؤولية الاسرائيلية في تفاقم الدين العام من جراء التدمير المبرمج، وكذلك المسؤولية في تراكم عجز الموازنة، وعدم المحاسبة على الانفاق غير المجدي. وهذا النقص يظهر في الورقة، ان اللبناني فاشل بدّد ثروته وأوصل دينه الى 42 مليار دولار.

 

برنامج ينقصه الاقتصاد السياسي

كخلاصة، ان البرنامج الاصلاحي للحكومة، سياسي واعلامي ممتاز، تمويلي وتقني خبير، لكنه في ما خصّ الاقتصاد غير واضح. ينقصه الاقتصاد السياسي في التفاوض، ويصوّر الخصخصة وكأنها الحل السحري، لغته اقرب الى لغة البنك.

وعن الضرائب الاضافية قال الوزير قطّار: ان الوزير ازعور على حق، بأن المواطن لن يدفع اكثر من 8 دولارات في الشهر، كضريبة على القيمة المضافة (TVA)، ولكن السؤال الى معالي الوزير، ما هو عدد المواطنين الذين يتقاضون الف دولار في الشهر؟ أنا مؤمن أن الضريبة على القيمة المضافة  في الاقتصاد الاستهلاكي والسياحي في بلد كلبنان، يجب ان تكون المصدر الرئيس لدخل الدولة. ففي فرنسا مثلاً 50 في المئة من مدخول الدولة مصدره هذه الضريبة. لكن المشكلة في لبنان ان الورقة الإصلاحية لم تربط ارتفاع قيمة الضريبة المضافة بنسبة معينة (اقله 4 في المئة)، انما ربطتها بجدول زمني. الخبراء اقترحوا في الورقة انه في حال تمت اصلاحات معينة في بعض القطاعات، سيؤدي ذلك الى نمو، وبالتالي سوف تلجأ الدولة الى رفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة، لنفترض ان النمو لم يتحقق، فكيف نرفع قيمة الـ«TVA»؟

الواقع ان الشعب اللبناني عانى الأمرّين من سياسات الدولة المالية، ويفترض ان الدولة سوف تدعي حصول نمو نسب معينة، وتتلاعب بالارقام، وتلجأ الى رفع نسبة الضريبة، ملتزمة بذلك بنود الورقة التي أقرّت في مؤتمر «باريس 3». الشفافية لدى الدولة تفترض في حال عدم حصول نمو اعلان ذلك، وبالتالي لا يمكنها رفع قيمة الـ«TVA» في بلد يعاني محنة اقتصادية وخطراً تمويلياً وعجزاً غير معقول بالمالية العامة وإنفاقاً غير مضبوط.

 

خطر الانهيار قائم منذ 1996

عن رأيه حول تأثير الوضع السياسي القائم على مفاعيل «باريس 3»، وبالتالي على مالية الدولة والاقتصاد، قال الوزير قطّار:

إن لبنان دخل مرحلة خطر الانهيار النقدي منذ العام 1996، حيث أصبح الدين العام يوازي الحجم الكلي للاقتصاد. فثقل الدين العام على الاقتصاد، يؤدي الى رفع الفوائد والى رفع كلفة الانتاج ويضعف الثقة بالدولة، نتيجة التخوف من تحكم الدائنين بمصير البلد.

فإذا استقر الذهب في مستوياته المرتفعة وحافظت الودائع على وتيرتها التصاعدية ونموها في المصارف (60 مليار دولار)، وفي ظـل غياب القيود على عملية الدين (حيث ان الدولة يمكنها ان تستدين بالطرق التي تناسبها وفي الوقت الذي تختاره)، وتزايد عدد الفقراء وكذلك الاغنياء، فإن الوضع الحالي سوف يستمر لسنوات ولسنوات.

الاصلاح الحقيقي هو إعادة البنك المركزي الى دوره الطبيعي وتخفيف المخاطر عن المصارف.

«باريس 3» سوف تكون كافية لحلّ المشكلة العام 2007 فقط واوائل العام 2008. الاصلاحات الجذرية يجب ان تتم على مستوى الفلسفة الاقتصادية. في الستينيات كانت هذه الفلسفة متمحورة حول اقتصاد القناعة، وتطورت لتصل الى اقتصاد صناعي جيد، حيث كان لبنان يصدّر اكثر من كوريا الجنوبية، وسمي ذلك الاقتصاد في حينه اقتصاد المناعة، باعتبار ان مناعة الدول الصناعية هي في صناعتها. وتطورت الفلسفة ليصبح سائداً مفهوم اقتصاد البراعة بعد ان نجح قطاع الخدمات والسياحة والتعليم العالي بشكل ملفت وقوي. اليوم اذا لم نعمل انطلاقاً من فلسفة اقتصادية محددة فالامور ذاهبة من سيء الى أسوأ.

أنا أدعو اخيراً الى نظرة اقتصادية جديدة للبنان في 2020. إننا نملك اليد العاملة الماهرة والامكانات الفكرية والتقنية والمياه لكي تكون لنا زراعة وصناعة ذات قيمة مضافة.

إن الموقع الجغرافي للبنان مميز، فهو يقع في مثلث ازدهار تحيط به اوروبا والخليج وافريقيا، اضافة الى الكتف السوري الاقتصادي وكذلك الكتف العراقي. الاصلاح هو أولاً فكر وثانياً ارتباط وثالثاً رؤية ورابعاً التزام. وهذه عملية طويلة تستغرف اقله 20 سنة. كما يشمل الاصلاح الاقتصادي ايضاً المحاسبة والقدرة على المحاسبة، واعادة احياء المبادرة، وتكوين الفكر والقدرة التنافسية. من هنا ادعو الوزير ازعور الى اصدار بيان توضيحي بأرقام المداخيل والانفاق منذ العام 1992 وليس من العام 1996، حيث اصبح الدين العام يوازي الاقتصاد.

 

قطّار:

لماذا لا تقسّط الدولة متوجبات سلسلة الرتب والرواتب للعسكريين؟

شدد الوزير دميانوس قطّار على ان القوى الامنية تحتاج الى الحصول على حقوقها لتحافظ على معنوياتها، لا سيما انها تتولى مسؤوليات جسام منذ إلغاء خدمة العلم، مروراً بحرب تموز وصولاً الى التشنجات السياسية وما نتج عنها.

ورأى ان الدولة يمكن ان تدفع متوجبات سلسلة الرتب والرواتب العالقة منذ سنوات وفق برنامج تقسيط ربما لمدة 7 او 8 سنوات. وهكذا يشعر انه سيحصل على حقه وبالتالي يمكنه برمجة ظروف حياته وفق هذا التقسيط.

 

تعهدات «باريس 3» بالارقام والتفاصيل

في تقرير هو الاول من سلسلة تقارير ستصدر في اطار متابعة نتائج «باريس 3»، قدم الوزير جهاد ازعور عرضاً شاملاً للتفاصيل المتوافرة عن كل تعهد من حيث وجهة استخدامه وطبيعته، لجهة كونه هبة او قرضاً ميسراً. ومما جاء في التقرير:

• بلغ مجموع المبالغ التي تم التعهد بتقديمها خلال المؤتمر 7.609 مليارات دولار، وهو دعم يوازي أكثر من ثلث الناتج المحلي المجمل. وقد تعهدت تقديم هذه المبالغ 38 دولة ومؤسسة.

• بلغ مجموع تعهدات المانحين العرب مليارين و712 مليون دولار، أي ما نسبته 36 في المئة من مجمل التعهدات، بينها مليار و462 مليوناً من دول عربية، ومليار و250 مليوناً من مؤسسات عربية. اما الحصة الاكبر من التعهدات العربية فكانت للمملكة العربية السعودية (41 في المئة من مجمل التعهدات العربية)، تلاها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي (28 في المئة)، ثم الامارات العربية المتحدة (11 في المئة)، فصندوق النقد العربي (9 في المئة)، والبنك الاسلامي للتنمية (9 في المئة)، ثم سلطنة عمان والاردن.

• اما التعهدات الاوروبية، فبلغت مليارين و906 ملايين دولار، اي 38 في المئة من اجمالي التعهدات، بينها مليار و171 مليون دولار من دول اوروبية، ومليار و734 مليوناً من مؤسسات. وكانت الحصة الاكبر من التعهدات الاوروبية للبنك الاوروبي للاستثمار (43 في المئة)، تلته فرنسا (22 في المئة)، ثم المفوضية الاوروبية (17 في المئة)، وبعدها ايطاليا (5 في المئة)، فألمانيا وبريطانيا واسبانيا وبلجيكا والنروج وغيرها.

• ساهمت دول اخرى (هي الولايات المتحدة وتركيا وكندا واوستراليا والصين واليابان والبرازيل وماليزيا وكوريا الجنوبية) بمبلغ 941 مليون دولار، اي 12 في المئة من مجمل التعهدات. ومن المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)، حصل لبنان على مليار و50 مليون دولار، وهو ما نسبته 14 في المئة من اجمالي التعهدات. ومن مجموع هاتين الفئتين البالغ ملياراً و991 مليون دولار، تعهد البنك الدولي 49 في المئة، والولايات المتحدة 45 في المئة، وتوزعت البقية بين صندوق النقد الدولي وتركيا وكندا واوستراليا وغيرها.

• تبلغ الاموال المخصصة لدعم الموازنة، مليارين و383 مليون دولار، بينها مليار و403 ملايين دولار قروضاً ميسرة.

• تبلغ المبالغ المخصصة لتمويل مشاريع، مليارين و684 مليون دولار، وسيكون قسم كبير منها على شكل قروض ميسرة (ملياران و486 مليون دولار). اما القسم الثالث من الدعم للحكومة، فهو عبارة عن 75 مليون دولار لدعم البنك المركزي، وهو قرض سيقدمه صندوق النقد الدولي.

• تندرج الفئة الثانية من التعهدات في اطار «الدعم للقطاع الخاص وغيره» والذي يقدر بـ 1.51 مليار دولار (20 في المئة من مجمل التعهدات).

ويتضمن هذا المبلغ 231 مليون دولار على شكل هبات للمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الدولية العاملة في لبنان وخصوصاً قوات الامم المتحدة في جنوب لبنان (يونيفيل) ووكالات الامم المتحدة. وهذا المبلغ مصدره الهيئة الاميركية لليونيفيل والتي يجب ان يوافق عليها الكونغرس، بالاضافة الى هبات من بريطانيا والنروج والدانمارك وفنلندا.

اما بقية التعهدات في هذه الفئة، وهي تلك المخصصة لدعم القطاع الخاص، والبالغة ملياراً و279 مليون دولار، فهي في معظمها، على شكل قروض ميسرة. وسوف تسهم هذه المبالغ في تزايد امكان حصول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم على قروض، من خلال اتفاق يتم بين المانحين وجهات وسيطة (مؤسسات مالية محلية لبنانية) يمكّن من الوصول الى المستفيدين النهائيين. ومصدر هذا النوع من التعهدات البنك الاوروبي للاستثمار والمفوضية الاوروبية وبلجيكا والولايات المتحدة وفرنسا.

• الفئة الثالثة من التعهدات هي «الدعم للمشاريع الجاري تنفيذها» ويقدر المبلغ المخصص لها بـ874 مليون دولار (11 في المئة). وهي مساعدات تم التفاوض في شأنها قبل مؤتمر «باريس 3» لا سيما خلال مؤتمر استوكهولم (230 مليون دولار)، لدعم مشاريع لا تزال في مراحلها الاولى.

• اما الفئة الرابعة من التعهدات، فتشمل مبالغ ما يزال التفاوض جارياً في شأنها وهي تقدر بـ 82 مليون دولار.