نحن والقانون

إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
إعداد: د. نادر عبد العزيز شافي
دكتوراه دولة في الحقوق محام بالإستئناف

«سيداو» والتحفظات على المادة 16 منها

عانت المرأة عقودًا طويلة من الظلم والاضطهاد والازدراء، وحرمت حقوقها الاجتماعية والسياسية والمالية، ونُظِر إليها في كثير من الأحيان نظرة غير عادلة نالت من كرامتها وحطت من قدرها وإنسانيتها. فقد اعتبرت أحياناً بمنزلة أدنى من منزلة الرجل، بل إن بعض القوانين اعتبرها متاعًا يُباع ويُشترى. وقد بدأت المرأة نضالها منذ سنوات عديدة؛ فالعام 1880 رفضت سيدة فرنسية دفع الضرائب المكلَّفة بها من السلطات الفرنسية الرسمية قائلة: «بما أنه ليس لي حق التصويت وليس لي حقوق، فليس عليَّ واجبات ولن أدفع الضرائب...». لقد حاولت المرأة خلال ردح طويل من الزمن الحصول على حقوقها واعتبارها الإنساني، وتحقيق المساواة مع الرجل، علمًا أن حقوق المرأة ليست شيئاً يُعطى أو يُؤخذ، بل هي في صلب حقوق الإنسان.

 

حقوق المرأة وحقوق الإنسان
يؤكد ميثاق الأمم المتحدة على الإيمان بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية. كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد مبدأ عدم جواز التمييز، ويعلن أن جميع الناس يولدون أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق، وأن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، من دون أي تمييز، بما في ذلك التمييز القائم على الجنس. كما ورد في العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان وجوب ضمان حق الرجال والنساء في التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية. كذلك، أكَّدت الاتفاقيات الدولية والدساتير على المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، بما في ذلك الدستور اللبناني في المادة السابعة منه.
إلا أنه على الرغم من تلك الصكوك المختلفة، إستمرّ التمييز ضد المرأة في عدة دول. وقد كان من نتيجة الجهود المبذولة لمكافحة هذا التمييز، أن اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18/12/1979 اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، التي دخلت حيّز التنفيذ بتاريخ 3/9/1981.

 

مضمون اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
تعتبر هذه الاتفاقية بيانًا عالميًا بحقوق المرأة الإنسانية، وهي تتكون من ثلاثين مادة تدعو إلى المساواة المطلقة بين المرأة والرجل في جميع الميادين، مع تأكيدها على مبدأ الفردية، بمعنى النظر إلى المرأة كفرد، سواء كانت عزباء أو متزوجة أو مطلقة أو أرملة. وتدعو الإتفاقية إلى إلغاء التمييز ضد المرأة، وتؤكد على «تمكينها» سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا. كما تتعرض لقوانين الأسرة والزواج وتحديد سن الزواج. وقد وقَّعت على الاتفاقية عدة دول، بما فيها غالبية الدول العربية، ومنها لبنان (بموجب القانون رقم 572/96 تاريخ 24/7/1996)، مع بعض التحفظات والتي تركَّزت على المواد 9 و15 و16 و29. وتقع هذه الاتفاقية في ستة أجزاء.


• الجزء الأول: مفهوم التمييز ضد المرأة:
يعني مصطلح «التمييز ضد المرأة» أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه النيل من الاعتراف بالمساواة بين الرجل والمرأة، في الحقوق والحريات الاساسية وفي الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو إبطال الاعتراف للمرأة بهذه الحقوق أو تمتعها بها وممارستها بغض النظر عن حالتها الزوجية.
وتشجع الاتفاقية الدول على اعتماد سياسة القضاء على التمييز ضد المرأة من خلال القيام بما يلي:
(أ) تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها.
(ب) اتخاذ المناسب من التدابير لحظر كل تمييز ضد المرأة.
(ج) إقرار الحماية القانونية لحقوق المرأة بالمساواة مع الرجل.
(د) الامتناع عن أي عمل أو ممارسة تمييزية ضد المرأة.
(هـ) اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة.
(و) اتخاذ جميع التدابير المناسبة لتعديل أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات القائمة التي تشكل تمييزاً ضد المرأة.
(ز) إلغاء جميع أحكام قوانين العقوبات الوطنية التي تشكل تمييزاً ضد المرأة.
(ح) إتخاذ جميع التدابير المناسبة، في جميع الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين، وذلك ضمانًا لممارستها حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل.
(ط) تعديل الانماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة، بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية وكل الممارسات الأخرى القائمة على فكرة دونية أو تفوّق أحد الجنسين، وعلى أدوار نمطية للرجل والمرأة.
(ي) تبني التربية الأسرية الأمومة بوصفها وظيفة اجتماعية، والاعتراف بالمسؤولية المشتركة لكل من الرجال والنساء في تنشئة أطفالهم وتطورهم، على أن مصلحة الاطفال هي الاعتبار الأساسي في جميع الحالات.
(ك) إتخاذ جميع التدابير المناسبة لمكافحة الاتجار بالمرأة واستغلالها في الدعارة.


• الجزء الثاني: حقوق المرأة للقضاء على التمييز ضدها:
فرضت الاتفاقية على الدول أن تتخذ التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد، وبوجه خاص تكفل للمرأة، بالمساواة مع الرجل، الحق في:
(أ) التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، وأهلية الانتخاب بالاقتراع العام لجميع الهيئات.
(ب) المشاركة في صياغة سياسة الحكومة وتنفيذ هذه السياسة، وشغل الوظائف العامة، وتأدية جميع المهمات العامة على جميع المستويات الحكومية.
(ج) المشاركة في جميع المنظمات والجمعيات غير الحكومية التي تعنى بالحياة العامة والسياسية للبلد.
(د) كفالة حق المرأة، وعلى قدم المساواة مع الرجل ومن دون أي تمييز، في تمثيل حكومتها على المستوى الدولي والاشتراك في أعمال المنظمات الدولية.
(ه) إعطاء المرأة حقًا مساويًا لحق الرجل في اكتساب جنسيتها أو الاحتفاظ بها أو تغييرها، على ألّا يترتب على الزواج من أجنبي أو تغيير جنسية الزوج في أثناء الزواج، أن تتغير جنسية الزوجة تلقائيًا، أو أن تصبح بلا جنسية أو أن تفرض عليها جنسية الزوج.
(و) أن تمنح الدول الاطراف المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل في ما يتعلق بجنسية أطفالها (وقد تحفَّظ لبنان على هذا الأمر الوارد في البند (2) من المادة (9) من هذه الاتفاقية لتعارضه مع أحكام القانون اللبناني).
كما فرضت الاتفاقية على الدول أن تتخذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة لكي تكفل للمرأة حقوقاً مساوية لحقوق الرجل في ميدان التعليم، وللوصول إلى الدراسات والحصول على الدرجات العلمية في المؤسسات التعليمية وفي التعليم العام والتقني والمهني والتعليم العالي، وتوفير الفرص للمرأة للاستفادة من المنح التعليمية نفسها المتاحة للرجل، وكذلك الأمر في ما يتعلق بالمشاركة في الألعاب الرياضية والتربية البدنية.
وفرضت الاتفاقية على الدول أن تتخذ جميع التدابير للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان العمل لكي تكفل لها، على أساس تساوي الرجل والمرأة، الحقوق في العمل وفي حرية اختيار المهنة والعمل والترقي والأمن الوظيفي والتدريب المهني، والمساواة في الأجر وفي الضمان الاجتماعي وفي الوقاية الصحية وحماية وظيفة الإنجاب وحظر الفصل من الخدمة بسبب الحمل أو إجازة الأمومة المدفوعة الأجر...


• الجزء الثالث: التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان الرعاية الصحية:
فرضت الاتفاقية على الدول أن تتخذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة التي تضمن لها، على أساس تساويها مع الرجل، الحصول على خدمات الرعاية الصحية، بما في ذلك الخدمات المتعلقة بتخطيط الأسرة، والخدمات المناسبة في ما يتعلق بالحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة، وتوفير الخدمات المجانية والتغذية الكافية في أثناء الحمل والرضاعة، وفي المجالات الاقتصادية والاجتماعية، ولاسيما: الحق في الاستحقاقات الأسرية، والحصول على القروض المصرفية، وفي الأنشطة الترويحية والرياضية والثقافية.
كما فرضت الاتفاقية على الدول أن تضع في اعتبارها المشاكل الخاصة التي تواجهها المرأة في المناطق الريفية، وفي تنميتها، والعمل على محو الأمية والحصول على فرص اقتصادية متكافئة مع الرجل.
 

• الجزء الرابع: منح المرأة المساواة مع الرجل أمام القانون:
فرضت الاتفاقية على الدول أن تمنح المرأة المساواة مع الرجل أمام القانون، ومنحها الأهلية القانونية المماثلة لأهلية الرجل، في الشؤون المدنية وفي إبرام العقود وإدارة الممتلكات، وتعاملها في المحاكمة والهيئات القضائية.
وفرضت الاتفاقية في المادة 16 منها على الدول أن تتخذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في جميع الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية.


• الجزء الخامس: انشاء لجنة للقضاء على التمييز ضد المرأة:
أنشأت المادة 17 من الاتفاقية لجنة للقضاء على التمييز ضد المرأة، لمراقبة تنفيذ هذه الاتفاقية. وتتألف اللجنة عند بدء نفاذ الاتفاقية من ثمانية عشر خبيرًا، وبعد تصديق الدولة الطرف الخامسة والثلاثين عليها أو انضمامها إليها يصبح عدد الخبراء ثلاثة وعشرين خبيرًا من ذوي المكانة الخلقية الرفيعة والكفاءة العالية في الميدان الذي تشمله هذه الاتفاقية، تنتخبهم الدول الأطراف من بين مواطنيها، ويعملون بصفتهم الشخصية، مع إيلاء الاعتبار لمبدأ التوزيع الجغرافي العادل ولتمثيل مختلف الاشكال الحضارية والنظم القانونية الرئيسة. ويتم انتخاب أعضاء اللجنة وفق الآلية المحدَّدة في الاتفاقية تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة.
تتعهد الدول الاطراف بأن تقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة، للنظر من قبل اللجنة، تقريرًا عما اتخذته من تدابير تشريعية وقضائية وإدارية وغيرها من أجل إنفاذ أحكام هذه الاتفاقية، وعن التقدم المحرز للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والصعوبات التي تواجه ذلك.
وتجتمع اللجنة سنوياً في مقر الأمم المتحدة أو في أي مكان مناسب آخر تحدده، لفترة لا تزيد على أسبوعين للنظر في التقارير المذكورة. وتقدم اللجنة تقريرًا سنويًا عن أنشطتها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بواسطة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ولها أن تقدم مقترحات وتوصيات عامة مبنية على دراسة التقارير والمعلومات الواردة من الدول الاطراف. ويحيل الأمين العام تقارير اللجنة إلى لجنة مركز المرأة العالمي، لغرض إعلامها. ويحق للوكالات المتخصصة أن تمثل لدى النظر في تنفيذ ما يقع في نطاق أنشطتها من أحكام هذه الاتفاقية. وللجنة أن تدعو الوكالات المتخصصة إلى تقديم تقارير عن تنفيذ الاتفاقية في المجالات التي تقع في نطاق أنشطتها.


• الجزء السادس: أحكام ختامية للاتفاقية والانضمام إليها ونفاذها:
ورد في الاتفاقية أنه ليس فيها ما يمس أي أحكام تكون أكثر تيسيراً لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة تكون قد وردت في تشريعات الدول أو في أي اتفاقية أو معاهدة أو اتفاق دولي آخر. وتتعهد الدول الاطراف باتخاذ كل ما يلزم من تدابير على الصعيد الوطني تستهدف تحقيق الاعمال الكامل للحقوق المعترف بها.
ويكون باب التوقيع على هذه الاتفاقية والإنضمام إليها مفتوحًا لجميع الدول. ويجوز لأي دولة من الدول الاطراف أن تطلب إعادة النظر في هذه الاتفاقية، ويتلقى الأمين العام للأمم المتحدة نص التحفظات التي تبديها الدول وقت التصديق أو الانضمام، ويقوم بتعميمها على جميع الدول. ولا يجوز إبداء أي تحفظ يكون منافياً لموضوع هذه الاتفاقية وغرضها. ويجوز سحب التحفظات في أي وقت بتوجيه إشعار بهذا المعنى الى الأمين العام للأمم المتحدة. وقد دخلت هذه الاتفاقية حيّز التنفيذ بتاريخ 3/9/1981.

 

التحفظات على المادة 16 من الإتفاقية
نصت المادة 16 من هذه الاتفاقية على أنه:
 1- «تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية كافة، وبوجه خاص تضمن على أساس تساوي الرجل والمرأة:
(أ) الحقوق نفسها في عقد الزواج.
(ب) الحقوق نفسها في اختيار الزوج، وعدم عقد الزواج إلا برضاها الحر الكامل.
(ج) الحقوق والمسؤوليات نفسها في أثناء الزواج وعند فسخه.
(د) الحقوق نفسها وأيضًا المسؤوليات كوالدة في الأمور المتعلقة بأطفالها بغض النظر عن حالتها الزوجية، وفي جميع الاحوال، تكون مصالح الاطفال هي الراجحة.
(هـ) الحقوق نفسها في أن تقرر بحرية وبشعور من المسؤولية عدد أطفالها والفترة بين إنجاب طفل وآخر، وفي الحصول على المعلومات والتثقيف والوسائل الكفيلة بتمكينها من ممارسة هذه الحقوق.
(و) الحقوق والمسؤوليات نفسها في ما يتعلق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنيهم، أو ما شابه ذلك من الانظمة المؤسسية الاجتماعية، حين توجد هذه المفاهيم في التشريع الوطني، وفي جميع الاحوال تكون مصالح الاطفال هي الراجحة.
(ز) للزوج والزوجة الحقوق الشخصية نفسها، بما في ذلك الحق في اختيار اسم الاسرة، والمهنة والوظيفة.
(ح) لكلا الزوجين الحقوق نفسها في ما يتعلق بالممتلكات وحيازتها، والاشراف عليها، وإدارتها، والتمتع بها، والتصرف بها.
2- لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أي أثر قانوني، وتتخذ جميع الاجراءات الضرورية، بما فيها التشريع، لتحديد سن أدنى للزواج ولجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمرًا إلزاميًا».
إنضم لبنان إلى هذه الاتفاقية بموجب القانون رقم 572 الصادر بتاريخ 24/7/1996 شرط التحفظ بعدم التزام ما يلي:
- البند «2» من المادة 9 المتعلق بمنح المرأة حقًا مساويًا لحق الرجل في ما يتعلق بجنسية أطفالها.
- الفقرات ج، د، و، ز من البند «1» من المادة 16 المتعلقة بالحقوق المتساوية في الزواج، وبحقوق الوالدة في الأمور الخاصة بأطفالها، وبالولاية والقوامة والوصاية على الاطفال وتبنيهم وفي ما يتعلق باسم الأسرة.
- البند «1» من المادة 29 المتعلق بعرض الخلافات بين الدول على محكمة العدل الدولية حول تفسير الاتفاقية أو تطبيقها.

 

مطالبة بإلغاء التحفظات
تطالب عدة مؤسسات وجمعيات ومنظمات نسائية برفع التحفظات عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة- «سيداو»، لا سيّما التحفظات على المادة 16 التي تتناول تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في العلاقات الأسرية والزوجية. وقد نفذت منظمة «كفى عنف واستغلال»، بالشراكة مع جمعيات نسائية عربية عدة حملات في هذا الاطار. وقد تضمنت الحملة الإعلامية للمشروع، شريطًا اعلانيًا يعاد فيه تمثيل مشهد من مسلسل «آلو، حياتي» الشهير، للممثلة الراحلة هند أبي اللمع والممثل عبد المجيد مجذوب. حيث تُسأل الممثلة: كيفِك؟ فتجيب: «منيحة، انتَ كيفَك؟»، فيجيبها: «أنا ما بينخاف عليّ، أنتِ كيفِك، وأحوالك الشخصية كيفها؟»، فتجيب: «مش منيحة، مش منيحة». كما تتضمن الحملة إعلانًا يشير إلى تدني درجات حرارة الأحوال الشخصية في لبنان إلى ما دون 16 درجة، وإعلان آخر يقول إن «الأحوال الشخصية 16 تحت الزفت».
وقد اعتبرت تلك الجمعيات أن التصديق على الاتفاقية المذكورة لم يحدث تغييرًا في أوضاع النساء في الدول العربية، لأن غالبيتها وضعت تحفظات على بعض بنودها التي تطال الجانب الخاص من حياة النساء، وبالتالي أبقت هذه الدول على السلطة الذكورية المكرسة في قوانين الأحوال الشخصية.
في المقابل ثمة وجهة نظر أخرى تعتبر أن المادة 16 الخاصة بالأسرة هي من أخطر مواد الاتفاقية على الإطلاق، فهي تمثل حزمة بنود تعمل على هدم قانون الأحوال الشخصية بأهم فقراته من زواج وطلاق وقوامة ووصاية وولاية، وحقوق وواجبات الزوجين والأبناء. باختصار، إن هذه المادة تمس بقوة كل ما يمس الأسرة كمؤسسة ونظام وقيم وهي تمثل نمط الحياة الغربية، وتتجاهل معتقداتنا وقيمنا، وتدعو إلى تجاوز الدين وإبداله بأنظمة غربية أدت الى تخريب المجتمع وأسره وأنظمته العائلية والاجتماعية.
ومن الحجج التي يتبناها الفريق المناهض لرفع التحفظات على المادة 16 من هذه الاتفاقية أن البند (ج) يسقط مثلاً ما يفرضه الإسلام على الزوج من حقوق للمرأة، وهي تتمثل بالمهر، وتجهيز مسكن يليق بها، وتأثيثه، وتوفير خادمة لها إن استطاع، وكذلك الإنفاق عليها في ما تحتاجه. فالمادة 16 المذكورة لم تحل ذلك إلى الزوج - الرجل، بل جعلته أمرًا متساويًا بين المرأة والرجل، وهو ما يؤدي إلى جعل المرأة كالرجل في توفير احتياجاتها ونفقاتها، ويجبرها على الخروج إلى سوق العمل من أجل كسب المال للوفاء باحتياجاتها، مما يؤدي إلى تحميلها أحمالاً زائدة فوق أحمالها، ويجعل العمل واجبًا عليها بدل أن يكون حقًا لها. فإذا استطاعت هذه الاتفاقية أن تجعل الإنفاق والأمور المالية أمرًا متساويًا بين الرجل والمرأة، فكيف ستجعل الحمل والولادة والإرضاع أمرًا متساويًا بينهما، أليس في هذا إجحاف وظلم بحق المرأة نفسها؟!
كما أن البند (ز) الخاص باسم العائلة، يطالب بإعطاء المرأة حق اختيار اسم عائلتها على قدم المساواة مع الرجل، بينما الأديان السماوية لا تجيز نسبة الأولاد لغير آبائهم، كما أن الزوجة نفسها تنتسب إلى عائلتها وليس إلى عائلة زوجها.
إن أي دعوة للقضاء على التمييز ضد المرأة لا تعني بحال من الأحوال التدخل في شؤون المجتمعات والأسر والتقاليد والمعتقدات وأحكام الأديان، وإنما هي دعوة يجب أن تقوم في جوهرها على تفعيل دور المرأة، وعلى إكسابها القوة والمنعة في الحياة .
في الختام، لا بد من القول، بأن أحدًا لا يستطيع أن ينكر أهمية دور المرأة في المجتمع، وضرورة أن تنال جميع حقوقها كإنسان له مكانته ومركزه ودوره الجوهري في المجتمع وفي الأسرة وفي الحياة وعلى الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كافة، إلا أنه يجب الانتباه الى مبدأ أن مقابل كل حق هناك واجب، وأنه كلما ازدادت الحقوق إزدادت الواجبات، فلا يمكن لأحد أن يطالب بإكتساب حقوق من دون أن يلتزم تحمّل واجبات ومسؤوليات مقابل تلك الحقوق. ويجب الانتباه أيضًا الى القيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية الجوهرية التي تحكم المجتمع الشرقي.

 

المراجع:
 • Convention on the elimination of all Forms of Discrimination against women (CEDAW).
• الأستاذ وسام الأحمد: حماية حقوق المرأة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2009، ص5.
• http://eeas.europa eu delegations / Lebanon press_corner/all_news news/2011/20110307_01_ar.htm
• http://www.iicwc.org/lagna/iicwc/iicwc.php?id=753