قضايا إقليمية

اسرائيل والعرب
إعداد: إحسان مرتضى
باحث في الشؤون الاسرائيلية

الصراع على الوعي

 

تعتبر معركة الوعي الميدان الأول في أي حرب من الحروب مهما كان نوعها، وذلك لارتباطها المباشر بمعنويات المتقاتلين وصمودهم، في حين تأتي جبهات القتال دائمًا في المرتبة الثانية. وقد كان تزييف الوعي جزءًا دائمًا من المعركة التي يشنّها العدوّ الإسرائيلي على الفلسطينيين وعلى العرب عمومًا.


الأمن النفسي المفقود
الواقع أنّ المعركة على الوعي في الصراع العربي الإسرائيلي، في الوقت الراهن، تأتي مع تصعيد الهجوم الذي يشنّه اليمين الصهيوني العنصري الحاكم داخل كيان العدو، إلى درجة التخوين، ضدّ كل من يخالفه الرأي في مواضيع بالغة الأهمية في السياستين الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الاستيطان المنفلت من كل الضوابط القانونية والشرعية، وتاليًا كل ما يتعلّق بالحلول السلمية لقضايا المنطقة العالقة منذ أجل بعيد. وهنا يطرح السؤال: هل الموقف الإسرائيلي السلبي من المساعي السلميّة مع الفلسطينيين والعرب، نابع من الطروحات السلميّة نفسها باعتبارها لا تلبّي (من المنظور الإسرائيلي) المطالب الإسرائيلية السياسية والأمنية؟ أم أنّ هذا الموقف السلبي يعود إلى ما هو أبعد من الرؤية المبدئيّة السياسية، ليصل إلى جذور الأمن النفسي الاستراتيجي المفقود، في مجتمع يبحث عن هويّته العقيديّة (من هو اليهودي). وعن هويّته الجيو - سياسية التي تعاني حالات اهتزاز قوية ومستمرة من جرّاء الفعل العدواني المتمثّل في الاحتلال والتوسع الاستيطاني، وما يقابله من ردات فعل للمقاومة والانتفاضة، وتشكيل شبكات الوقاية لدى الطرف العربي المعتدى عليه؟ ولعلّ أسطع مثال على ذلك، هو مسارعة أكبر تحالف «مُعارض» لليمين في كيان العدو إلى خوض آخر انتخابات عامّة في إسرائيل (2015) تحت مُسمّى «المعسكر الصهيوني»، ردًّا على اتّهام نتنياهو لليسار الإسرائيلي نفسه بأنه: «نسي ما معنى أن تكون صهيونيًا ويهوديًا الآن وهنا»! على حدّ تعبيره. بالتّالي إن مسألة طغيان الاصطفافات اليمينيّة والجنوح نحو التطرّف، باتت أمرًا مستفحلاً داخل كيان العدو، وباتت معه السياسات العنصرية متجذّرة. فالعنصريّة والطغيان نموذجان أطلقهما ليبراليون إسرائيليون، وتجذّرا منذ العام 2000 إثر اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والتزام الجميع الصمت عندما قتلت الشرطة الإسرائيلية ثلاثة عشر مواطنًا فلسطينيًا يحملون الهوية الإسرائيلية، لمجرّد أنهم هبّوا لنصرة شعبهم داخل المناطق المحتلّة في العام 1967 من خلال التظاهر السلمي. وإمعانًا في التطرف والتشدد ضدّ من يسمّون عرب 1948، المعتبرين خطرًا داهمًا على أمن الكيان ومجتمعه، برز قانون «الولاء لإسرائيل كدولة يهودية» وتوافقت عليه مختلف الأحزاب الإسرائيلية. وهذا يعني إرغام الفلسطيني داخل المناطق المحتلّة في العام 1948 على التنازل عن وعي وجوده وكيانه، وسلخه عن قضيّته وهويّته وتاريخه، لإرضاء الهواجس الأمنيّة والمعنويّة الصهيونيّة.


الحروب داخل حلبة الوعي
تجري الصراعات والحروب في ساحات الوغى حقًا، لكنّها تحسم في كثير من الأحيان، آخر المطاف، داخل حلبة الوعي والإدراك الخاضعة لعوامل الحرب الناعمة في الميادين الإعلامية والسياسية والدبلوماسية، لأنها في الأساس معركة على وعي الآخر ومعنويّاته. فإسرائيل مثلًا ضحّت في بنت جبيل جنوب لبنان في العام 2006 بعدد جنود من جنودها خلال محاولاتها الفاشلة لرفع العلم الإسرائيلي على سطح أحد منازل البلدة. وكان هدفها من ذلك، صناعة صورة افتراضية للانتصار وتوظيفها في التأثير على وعي المقاومة ووعي الإسرائيليين معًا. وفي الواقع تحتاج إسرائيل إلى الحرب النفسيّة ليس فقط لدفع مقاوميها إلى الإذعان والاستسلام، بل لأن المجتمع الإسرائيلي يشهد تحولات جوهريّة. فقد بات مجتمع معنويّات هابطة ومجتمع رفاهيّة ورخاء، وأقل جاهزيّة للتضحية والإيثار، وتقدم فيه مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة. وبالتالي بات مجتمعًا بالغ الحساسيّة للخسائر البشريّة، بل وحتى الماديّة. ومن أجل ذلك تسعى إسرائيل بأجهزتها المختلفة في الحرب الحالية على الوعي أولاً، إلى تقديم الصدمة العسكرية والترويع النفسي لحسم المواجهة في ساحة الوعي مع الجهات المقاومة وجماهيرها المساندة، في محاولة لتجنب تسديد الأثمان البشرية المنوطة بتحقيق أهدافها المعلنة والخفيّة. فخلال مراحل عدوانه المتعاقبة، اعتمد العدو الإسرائيلي استراتيجية استخدام كميّات هائلة من النيران العشوائيّة والمباغتة، بهدف زعزعة معنويّات الجهّات التي تقاومه، وتقصير الطريق نحو الهدف العسكري والسياسي الذي يريد تحقيقه. وقد شهدنا ذلك بوضوح خلال اعتداءات إسرائيل المتكرّرة في لبنان وفلسطين بشكل خاص. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل أرييل شارون أحد أنصار هذه النظرية وهو طالما ردّد مقولته: «إنّ ما لا يتأتى بالقوة يتأتى بالمزيد منها». وشدّد رئيس أركان جيش العدو الأسبق موشيه يعلون، من ناحيته أيضًا، في كتابه «طريق طويل قصير» على حيوية ما أسماه «كيّ وعي العرب» لثنيهم عن مجرّد التفكير بمقاومة إسرائيل أو التحرش بها، من خلال استخدام النيران المفرطة عن بعد، وزرع مظاهر الموت والخراب في الجانب الآخر، من دون اكتراث بحياة المدنييّن أو المؤسسات المدنيّة. وتأكيدًا لهذه المعاني يشدد قادة العدو على أن إسرائيل لن تقبل بانتهاء المواجهة العسكرية في المرة المقبلة بوجود شكوك حول نتائجها وهويّة المنتصر فيها. وهم يشدّدون على ضرورة استعادة معادلة الإنذار والردع والحسم وصون الهيبة. وفي المجال نفسه يقول العميد الإسرائيلي كوبفرفاسر «إنّ تطوير المعركة على الوعي في الساحة الإسرائيلية، إنما يشكّل جزءًا من الحرب النفسيّة الرامية لمساعدة المجهود الحربي في تحقيق النصر».


النسيان ممنوع
في المقابل نرى أن المنادين بضرورة منع التطبيع الثقافي والسياسي والأمني مع كيان العدو في ساحتنا، إنما ينطلقون في الأساس من إدراكهم لأهمية المعركة على مناعة الوعي من أجل بلوغ التحرير الناجز والكامل. ويلحظ هؤلاء على وجه الخصوص وجوب عدم نسيان كل فرد عربي حقيقة أن إسرائيل عدوّ دائم، وأنها اغتصبت أرضًا وحقوقًا ودمّرت واقعًا وصادرت مستقبلًا. وبالتالي فإنّ من أهم عناصر معركة الوعي اليوم وحيثيّاتها، مواجهة مخطط الفتنة الصهيوني، ومخطط اصطناع عدوّ وهمي من داخلنا وتجهيل الناس، وتضليلهم عن العدوّ الحقيقي، ودفع الأمة إلى معركة وإلى مواجهة لا يستفيد منها سوى العدوّ لوحده. إنّ صمود «الجبهة الثقافية»، التي يشكّل الوعي لبّها وأساسها، إنما يشكّل آخر معاقل الأمل والكرامة العربية التي منها يمكن الانطلاق لشن الهجوم المعاكس لتحقيق التحرير والنصر الكاملين في المستقبل.
إنّنا لا نخوض صراع وجود في فلسطين فحسب، ولكنّنا نخوض معركة كينونة فرضتها علينا المؤسّسة الاستعمارية. فإمّا أن نكون أو لا نكون. إما أن نمتلك وعيًا حقيقيًا بالذات، ونحافظ بالتالي على كينونتنا، وإما أن نستسلم لمحاولات الاختراق فنخسر وعينا. ومن يخسر وعيه يخسر أهم عناصر كينونته.