مستمرون

الإرادة التي أثمرت أمانًا صحيًا...

يا رب كل شي إلا الصحة! تختصر هذه العبارة دعوات اللبنانيين الذين يعيشون أحلك أيامهم وأكثرها قسوة، ويحتل عجزهم عن تأمين نفقات الطبابة رأس لائحة همومهم الطويلة... وفي حين يعاني العسكريون كما سواهم من المواطنين تداعيات الضائقة الاقتصادية، تبقى طبابتهم مصدر شعور بالأمان، فقد يمكن تدبّر كل شيء بما تيسّر، لكن ما العمل أمام انعدام القدرة على تأمين نفقات عملية جراحية طارئة، أو نفقات علاج مرض مزمن؟


تُعدّ الطبابة العسكرية اليوم الجهة الضامنة الأولى في لبنان، وهي في ذلك تسير عكس الواقع السائد فيه. ففي حين تتهاوى القطاعات تحت ضغط الوضع الاقتصادي السيئ، تحقق طبابة الجيش خطوات إلى الأمام معززة خدماتها، وموسّعة أقسامها، لتوفر الأمان الصحي الكامل لنحو 10 في المئة من اللبنانيين الذين هم على عاتقها. وهذه الخدمات لا تقتصر على ما تقدمه الطبابة في لبنان، فهي ما زالت توفّر العلاج في الخارج لمن هم بحاجة إليه وإن كانت الكلفة طائلة. هنا نستذكر صرخة أحد المستفيدين: لولا الجيش لخسرنا ابننا، علاجه يفوق بكثير كل ما نملكه...
 
أيًا كانت التحديات
منذ 4 سنوات وضعت قيادة الجيش الطبابة العسكرية على رأس أولوياتها، وصممت على تطويرها وتحسين خدماتها أيًا كانت التحدّيات. تحقيق هذا الهدف لم يكن ممكنًا لولا أمرين: الأول دراسة شاملة لواقع الطبابة وحاجاتها، والثاني وهو الأهم، توفير الأموال اللازمة لتطويرها في ظل الشح الذي تعانيه موازنة الجيش. وهكذا بدأت ورشة تضافرت فيها جهود جبارة، وكان من ثمارها ترشيد الإنفاق واستخدام الموارد بأفضل ما يمكن، بينما كانت الثقة بالجيش المعقودة على تقدير جهوده وشفافيته كفيلة بتأمين مساعدات له تم تحوّيل معظمها لدعم الطبابة.
 
خطوات متلاحقة
كانت الخطوة الأولى ورشة تطوير وتحديث شملت المستشفى العسكري المركزي وطبابات المناطق الخمس، إضافة إلى استحداث 4 مستوصفات جديدة في برقايل ورأس بعلبك والفياضية (ثكنة شكري غانم) وجزين.

وبهدف تقديم أفضل خدمة طبية للمضمونين العسكريين وعائلاتهم تعاقدت الطبابة مع عدد من المستشفيات والمراكز الطبية والمختبرات المدنية داخل لبنان وخارجه ووقّعت معها اتفاقيات. فيما أُضيف طابق في المستشفى العسكري المركزي يتّسع لـ23 سريرًا، و3 غرف بسعة 6 أسرّة إلى فرع العلاج الكيميائي، كما تمّ استحداث قسم جديد لغسيل الكلى بمواصفات عالمية يتّسع لـ16 سريرًا، وعيادات جديدة لقسم العظم، وأخرى لتفتيت الحصى، ومطبخ جديد في المستشفى.

وفي سياق متّصل تمّ تجديد عدة أقسام في المستشفى المركزي، منها قسم الأمراض الداخلية، وقسم القلب الذي جُهّز بمختبرين لتمييل الشرايين، وقسم العناية الفائقة مع رفده بـ10 أسرّة إضافية، وفرع التنظير الذي بات يضمّ 4 مشاغل و8 غرف إنعاش و6 غرف للمراقبة. وأُضيف إلى مختبر تمييل شرايين القلب مختبرٌ جديد مزوّد أحدث الأدوات والمعدات الطبية، ما يسمح بتصوير شرايين الأطراف بعد أن كان التصوير يقتصر على الشرايين التاجية للقلب. أما قسم جراحة اليوم الواحد فقد اتّسع ليضمّ 12 سريرًا.

النقلة النوعية الأبرز كانت بإنشاء طابق جديد للعمليات الجراحية في المستشفى المركزي بمواصفات عالمية، والذي ضمّ 5 غرف عمليات، فتحت المجال أمام إجراء عمليات حديثة سبّاقة ورائدة في لبنان والشرق الأوسط.

وفي إطار ترميم المباني وإضافتها واستثمارها إلى حدّها الأقصى، ولتخفيف المركزية في المستشفى المركزي أنشأت الطبابة مكتبًا متخصصًا بالشؤون الاستشفائية للضباط المتقاعدين وآخر لعائلات الشهداء وذوي الاحتياجات الخاصة، ما سهّل عليهم إنجاز المعاملات والحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها.

على الصعيد التنظيمي تضافرت الجهود لتحسين العمل الإداري والمكننة، خصوصًا لجهة ضبط الفاتورة الاستشفائية، وأعداد الكادر الطبي، والاستخدام الرشيد للمعدّات والمستلزمات الطبية والأدوية، داخل وخارج المستشفى المركزي والطبابات العسكرية.
كذلك، وبهدف استيعاب أكبر عدد من المستفيدين وتأمين الخدمات الطبية لهم، تمّ التعاقد مع مستشفى رفيق الحريري الجامعي لاستخدام 3 غرف عمليات و35 سريرًا من قبل الطبابة العسكرية في حرم المستشفى. كما جرى استحداث طابق في المستشفى اللبناني الكندي يضم 46 سريرًا و4 أسرّة داخل غرفة العناية الفائقة خلال جائحة كورونا.
 
الآتي أفضل...
لا تقف مشاريع قيادة الجيش بالنسبة للطبابة العسكرية عند هذا الحد، فهي تتطلّع دومًا للأفضل، لذا سوف يتم، في وقت قريب، استكمال العمل على الفاتورة الاستشفائية الإلكترونية Ebill، خصوصًا وأنّه جرى تغيير في عمل جهاز مراقبة الخدمات الطبية وصلاحياته قضى بإنشاء «فرع تلقّي الاتّصالات» Call Center الذي يعمل 24 ساعة في اليوم لضبط عملية دخول المرضى إلى المستشفيات المدنية وفاتورتها الاستشفائية. كما يؤمّن التواصل بين المريض والطبابة، ويتابع وضعه في المستشفى المدني من خلال مندوبين يتولون معالجة أي شكوى. وتكتسب هذه النقطة الأخيرة أهمية كبرى في ظل الأوضاع القائمة، إذ يُمنع على المستشفيات المتعاقدة مع الجيش تحميل المستفيدين من الطبابة العسكرية أي نفقات.

لمزيد من الشفافية وتسهيلًا للمعاملات الإدارية أتت فكرة توحيد رمز (Code) العمل الطبي بين الطبابة العسكرية والمعنيين (الوزارات، الدوائر، المستشفيات...)، وذلك بعد متابعة عدد من العسكريين دورة ترميز في الجامعة اليسوعية بهدف توحيد لغة العمل، واستخدامها في المعاملات الطبية كافة.

وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وبهدف تأمين الطاقة الكهربائية للمستشفى المركزي من دون الاعتماد على مصادر خارجية، يأتي مشروع تركيب ألواح الطاقة الشمسية لتزوّد المستشفى الكهرباء النظيفة 24/24 ساعة.
 
إلى جانبنا في الخدمة أو التقاعد
سواء كان العسكري في الخدمة الفعلية أو في التقاعد فإنّ الطبابة العسكرية ستكون إلى جانبه، وخبرة الرقيب أول المتقاعد فادي عون في هذا المجال تركت أبلغ الأثر في نفسه. يقول: «لا تمييز بين المتقاعد ومن هو في الخدمة. لقد أرسلتني الطبابة إلى فرنسا حيث أُجريت لي عملية زرع كبد ولم يكن ممكنًا إجراؤها في لبنان». ويضيف تكبّد الجيش مبالغ طائلة لعلاجي وتغطية إقامتي»... وتتكفل نظراته بالإفصاح عن الامتنان العميق للمؤسسة التي لا تتخلى عن أبنائها، فهي تضمنهم مع عائلاتهم مدى الحياة، بل تنقذ هذه الحياة مهما كلفها ذلك.
 
أغلى من الصحة؟
ليس أغلى من الصحة إلا صحة الأولاد، وما أصعب أن يمر الإنسان بتجربة مرض أحد أولاده وهو غير قادر على تأمين كلفة علاجه. «لولا الجيش لشاهدت طفلي يموت أمام عيني من دون أن أستطيع أن أفعل شيئًا لإنقاذه» يقول الرقيب اسماعيل شكر الذي احتاج إبنه إلى عملية زرع شريان في القلب تمّت بنجاحٍ. وهو يضيف: «رغم أنّ العملية مكلفة جدًا وقفت قيادة الجيش إلى جانبي ولم أتكلّف ليرة واحدة».

بدوره، يتحدث الرقيب أول زياد المغبط عن تجربته الصعبة: «ابنتي ذات السنتين ولدت بحالة صحية دقيقة وكانت بحاجة إلى زراعة نقي العظم ولا علاج لها في لبنان، تكفّلت الطبابة العسكرية بإرسالنا إلى إيطاليا لمدة سنة ونصف رغم التكاليف الباهظة للعلاج والإقامة في الخارج. قيادة الجيش لم تبخل علينا بأي مصاريف بفضل الله والجيش عادت ابنتي إلى الحياة».

حالة الطفل مارون الليطاني ابن الرائد ميشال الليطاني كانت أيضًا صعبة جدًا، ما اقتضى إرساله إلى فرنسا لإجراء عملية زرع كبد احتاج بعدها للبقاء هناك عدة أشهر لمتابعة العلاج، وكما في الحالات التي سبق ذكرها تكفّلت قيادة الجيش بكل النفقات. أما والدة الطفل فتعجز عن وصف شعورها، لكنها تؤكد: «لولا الجيش لما استطعنا معالجة طفلنا لأنّ العملية تفوق إمكاناتنا بكثير، ولما كنا وجدناه بصحة جيدة اليوم».

التكفّل الكامل بالعلاج ليس بالطبع الميزة الوحيدة في تقديمات الطبابة العسكرية التي تحيط المستفيدين منها بأفضل الخدمات داخل المستشفى العسكري، وهو بات يضاهي أفضل المستشفيات، ويجري عمليات صعبة ومعقدة بنجاح تام. في هذا السياق يقول السيد محمود عدوية الذي خضع لعملية اسئصال المريء في المستشفى العسكري المركزي: إنّها أفضل مستشفى في لبنان، من يخضع لعملية خارج المستشفى العسكري سوف يضطر أن يبيع ما «فوقه وتحته» كي يتطبب، الحمدلله...

رغم كل السواد الذي يحيط بنا تبقى الإرادة في التقدم إلى الأمام بادرة أمل بالنهوض، والطبابة العسكرية تُقدم خير مثال لهذه الإرادة التي أثمرت أمانًا صحيًا للمستفيدين منها، في حين بات هذا الأمان «عملة» نادرة في لبنان...

 

إلى جانبكم دائمًا...
يدرك العسكري أنّ حياته سلسلة من المخاطر، ومن لحظة ارتدائه البزة وأدائه القسم تبدأ مسيرته مع التضحية التي لا تقف عند حدود. يدرك هذا العسكري أيضًا أنّه ينتمي إلى مؤسسة ستبقى إلى جانبه طول العمر وخصوصًا في الأوقات الصعبة.

قصة العريف حسن شعيب نموذج للعديد من القصص التي تؤكد أنّه رغم الظروف الصعبة التي تمر بها المؤسسة فهي مصرّة على توفير أفضل الخدمات الطبية لعناصرها، فكم بالحري عندما يتعلق الأمر بعسكري أُصيب إصابة بالغة خلال تنفيذه مهمة أمنية؟ ستُبذل كل الجهود لإنقاذه، ولن تقف الجهود عند حدود ما يتوافر في لبنان إذا كان من الأفضل التوجّه إلى الخارج. وهذا بالضبط ما حصل في حالة العريف شعيب الذي أمضى 6 أشهر و10 أيام في مستشفى PERCY العسكري الفرنسي المختصّ بالإصابات العسكرية الجسيمة، إثر إصابته أثناء تنفيذ مهمة أمنية في منطقة البقاع في تموز العام الماضي. تابعت القيادة وضع العريف المصاب بدقة منذ لحظة دخوله المستشفى، وظلّت على تواصل مع الجهاز الطبي الذي يقدم له العلاج، إلى أن تحسّن وضعه وبات بالإمكان إعادته إلى لبنان. وقد وصل من باريس على متن طائرة إسعاف خاصة مجهّزة بجميع الوسائل الطبية اللازمة. وكان في استقباله في المطار قائد الجيش العماد جوزاف عون والملحق العسكري الفرنسي العقيد Gregory MEDINA ممثلًا السفيرة الفرنسية السيدة Anne GRILLO وعدد من أفراد عائلته.

هناك اطمأنّ القائد على صحة شعيب ومعنوياته، وأكّد له أنّ المؤسسة ستكون دائمًا إلى جانبه، ومنحه ترقية استثنائية مقلّدًا إيّاه وسام الجرحى وشهادة تنويه.