وجهة نظر

البابا لاوون:”لبنان أمانة لدى الفاتيكان“
إعداد: جورج علم – كاتب سياسي

البابا لاوون الرابع عشر، أول أميركي يُنتخب بابا بتاريخ الكنيسة الكاثوليكية. انطلق من مدينة شيكاغو، ليصل إلى الكرسي الرسولي، ويحمل عصا الراعي، ويجلس على كرسي بطرس زعيمًا روحيًّا لأكثر من مليار ونصف كاثوليكي في العالم.

أحب لبنان. خصّه بأول تحرّك خارجي له بُعيد انتخابه. وأشعل بصيص أمل فوق هذه الرواسي التي تحتضن مغاور النسّاك، ومحابس القديسين.

خاطب الكنيسة. دعا إلى ثورة تجدد في الدور، والرسالة.

«السينودس من أجل لبنان» واضح. هل أخذتم بإرشاداته، أم وضعتموه في أرشيف الذكريات؟

خاطب المسيحيّين: أين وصل الحوار والتنسيق ما بين الكنائس؟ هل تفاهمت وتآزرت بروح المسؤولية لخدمة شعبها ومجتمعاتها؟

خاطب الشباب. استمع إلى أوجاعهم، وآمالهم، وطموحاتهم. دعاهم إلى تحطيم قيود اليأس، والقنوط، والانطلاق بعزيمةٍ وإيمان لبناء لبنان الجديد.

خاطب الحوار البنّاء بين المجموعات اللبنانية، لتمتين روابط الوحدة الوطنية،  وترسيخ أساسات الوطن السيد الحر المستقل.

خاطب المسؤولين. استمع إليهم. اطّلع على ما عندهم من هواجس، نتيجة التحديات الخارجية الضاغطة، ومدّهم بعزيمة الإيمان، وقوّة الرجاء «لا تخافوا نحن معكم حتى منتهى الدهر!».

ينتسب «بابا الحوار والوحدة» إلى أصول أميركية. يحجّ من الغرب إلى الشرق. من حاضرة الفاتيكان إلى جبال الصوّان. من صفاء النوايا إلى قدّيس عنّايا…

يأتي بحثًا عن حبّة الخردل في وطن القدّيسين، عن إشعال مبخرة في مغارة. عن مسبحة لمست حبّاتها أصابع خشنة عادت للتو من كروم العنب، بعدما قطّرت الدوالي خمرًا في الأجاجين الدهرية. يعرف تمامًا أنّ «الصيّاد» انطلق من هنا، ومركب «الفتيان» هنا. والصوت الهادر بطرح الشباك يمين الشراع هنا. والصيد الثمين هنا، رغم الأمواج العالية، والأعاصير العاتية.

هل هذا زمان مضى، ولم يبقَ من شباك، ولا من شراع؟ هل ترك البحّار مجذافه عند رصيف الوحشة والفراغ، وهجر المراكب المتهادية في الحوض الصغير، تلهو بأشرعتها الرياح العابرة؟

قرأ تاريخنا الطويل، وجده منحوتًا بحروفٍ مروّسة. من عرس قانا.. إلى مجزرة قانا..  ومن أبجدية جبيل.. إلى صولات الخيل والويل. لا تنقصه فاصلة، ولا تفوته معلومة. بضاعتنا مفروشة على مدى هذا الأثير، من أرجوان صور.. إلى نبش القبور.. ولكلٍ قاموسه، وناموسه ضمن بوتقة اجتماعية متمايزة كألوان قوس قزح.

حمل البابا لاوون الرابع عشر شمعة الأمل لينير ليل عتمتنا، ويبدّد عن جفون عيوننا هذا النعاس الطويل، وتلك الوحشة التي تلف ديارنا منذ عقود وعقود.

قال بالحوار والوحدة، بعدما بلغه الضجيج المتصاعد من الهيكل حيث يعبث في أرجائه كتبة وفريسيّون، يبيعون ويشترون.

لا يحمل سوطًا بل أمنية وأمانة. قال جوزاف ستالين يومًا: كم دبابة يملك البابا؟، عند سماعه أنّ البابا لديه رأي في القضايا السياسية. وجاءه الجواب: بأنّه يملك سلطة معنوية لا تنال منها دبابات، ولا صواريخ!

إنّه أول أميركي يتولّى قيادة الكنيسة الكاثوليكية في التاريخ. وأول بابا من أصل أميركي يزور المنطقة من بوّابتَيها اللبنانية والتركية، ليؤكد «ضرورة التقارب بين الشعوب»، في مرحلة وصفها بأنّها «تشهد صراعًا قويًّا قد يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة».

وأول بابا يأتي ليرسم خطًّا بيانيًا واضحًا في زمن التحولات الكبرى في هذا المقلب من العالم. همّه، وسعيه في أن ينبت البذار الذي زرعه الفاتيكان في كلّ من الإرشاد الرسولي حول لبنان، والإرشاد الرسولي الثاني حول المنطقة، في تربة الشرق الأوسط الجديد، ويتحوّل إلى جنائن وارفة بالتفاهم والتعايش بين جميع المكونات.

رصيده، علاقات فاتيكانية شفّافة ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا، لا تفسدها مصالح تجارية، ولا مطامح آنيّـة أو مستقبلية، ولا مطامع مادية، تنافسية، احتوائية. يريد أن يعمّ السلام، والوئام بين الجماعات والمجموعات، خصوصًا في هذا الشرق المكلوم، وقد كان يومًا موطئ الحضارات، ومهد الديانات، والرسالات السماوية.

 

أمانة لدى الكرسي الرسولي

نعود بالتاريخ إلى الوراء، لرسم حدود العلاقات بين لبنان والفاتيكان، وقد اكتست حلّتها الرسمية في العام 1947، لكنّ الجذور تتوغل عميقًا في أديم السنوات والدهور، نظرًا للصلات التي نشأت بين الموارنة والفاتيكان منذ أكثر من ألف عام، وقامت على الإيمان المشترك، والدعم المتبادل.

كان الموارنة جزءًا من كنيسة أنطاكيا. وتشير الوثائق التاريخية إلى أنّ أول اتصال بين الكنيسة المارونية، والكنيسة الرومانية الكاثوليكية، حصل في العام 1099 عندما أرسل البطريرك يوسف الجرجسي الذي كان يقيم في دير سيدة يانوح، رسالة إلى البابا أوربان الثاني مع الوفد الذي أرسله الصليبيّون إلى روما ليبشّر الحبر الأعظم بوصولهم إلى القدس. فتلقى البابا الرسالة، وأرسل مع الوفد العائد إلى الشرق «التاج والعصا» هدية للبطريرك الماروني. وأصبح منذ ذلك الوقت تتويج بطاركة الموارنة من قبل البابا تقليدًا ساريًا.

وفي سنة 1131 أرسل البابا إينوسنت الثاني قاصدًا رسوليًا إلى الشرق في عهد البطريرك غريغوريوس الحالاتي، فلاقاه الموارنة، وأقسموا على الدخول في طاعة الحبر الأعظم.

وأرسل الموارنة في العام 1182 وفدًا إلى البابا لوشيوس الثالث في روما معلنين وحدتهم الكاملة مع الكرسي الرسولي. ومنذ ذلك التاريخ لم تنقطع الشراكة بين الموارنة والفاتيكان.

وفي سنة 1213 تلقى البطريرك إرميا العمشيتي دعوة من البابا إينوسنت الثالث لحضور مجمع (لاتران)، فسافر أواخر سنة 1215، وهو بذلك يكون أول بطريرك ماروني يزور الكرسي الرسولي.

وفي العام 1584 أسس البابا غريغوريوس الثالث عشر الكلية المارونية في روما لتعليم الإكليريكيين الموارنة، وكان لهذه المدرسة وخرّيجيها دور ثقافي كبير، ومن بين هؤلاء الخريجين البطريركان جرجس عميره، واسطفان الدويهي.

وأرسل الفاتيكان مبعوثين إلى لبنان لمساعدة الكنيسة المارونية في تنظيم شؤونها، والإشراف على المجامع المارونية التي ساهمت بتحديث الكنيسة، بخاصة مجمع قنوبين 1580، ومجمع اللويزة 1736.

وخلال القرن التاسع عشر تم إنشاء علاقات دبلوماسية مع الفاتيكان في عهد البطريركين يوسف حبيش (1823 – 1845)، ويوسف الخازن (1845 – 1854).

ولعب الفاتيكان دورًا مهمًا في أحداث 1860 عبر مبعوثيه. فقد أرسل البابا بيوس التاسع مندوبين لتقديم المساعدة، والتنسيق مع البطريرك بولس مسعد في مساعيه لتحقيق الاستقرار.

وبدعم مباشر من الفاتيكان، أسس اليسوعيون سنة 1875 جامعة القديس يوسف في بيروت، والتي أصبحت من أهم الجامعات في لبنان والشرق. كما تم تأسيس مستشفى أوتيل ديو دو فرانس في العام 1923.

ودعم الفاتيكان عبر الرهبانيات اللبنانية واللاتينية، المدارس والجامعات الكاثوليكية، والتي ساهمت في النهضة الفكرية والثقافية اللبنانية.

كما وقف الفاتيكان خلال القرن العشرين إلى جانب مطلب البطريرك الياس الحويك بإنشاء «لبنان الكبير» العام 1920، وكان داعمًا أساسيًا لاستقلاله في العام 1943. واعتبر لبنان بما يمثله من تعددية دينية «أمانة لدى الكرسي الرسولي»، كما ورد في جريدة «الأنباء» الالكترونية. وأقام علاقات وثيقة بالدولة اللبنانية.

وكانت للفاتيكان دعوات مستمرة إلى السلام، ووقف العنف خلال فترة الحرب اللبنانية. كما نسّق برنامج مساعدات إنسانية من دون تمييز طائفي. وشجّع الفاتيكان البطريرك انطونيوس خريش على البقاء صوتًا وطنيًا جامعًا. كما دعم البطريرك نصرالله صفير في مساعيه للمصالحة الداخلية، ورفضه لأي وصاية أجنبية على لبنان.

 

مسار ومصير

لم تقتصر علاقة لبنان بالكرسي الرسولي على طابع ثقافي – روحي مميز، أو علاقات دبلوماسية وبروتوكولية  فحسب، بل توسّعت لتشمل دوائر القرار الدولية، إذ برز الفاتيكان كلاعبٍ دبلوماسي مؤثر في تحقيق التوازنات الدولية، ومعالجة الكثير من الملفات المعقّدة بين الدول سعيًا  إلى الاستقرار وتوطيد مبدأ التعايش بين الشعوب والتعدديات والثقافات.

وبرز دور مؤثر للفاتيكان في أثناء مفاوضات اتفاق الطائف (1989) إذ فعّل دوره الريادي الرصين، وعلاقاته المعنوية مع العواصم المؤثرة لتوفير ضمانات دولية لوقف إطلاق النار.

ورسم خارطة طريق لمسار سياسي – مؤسساتي في لبنان، وتأطير الفكرة الوطنية بين المجموعات اللبنانية، لإنعاش الثوابت التي استندت إليها كيانية «لبنان الكبير».

ولم يقتصر دور الفاتيكان على دعم سيادة لبنان، واستقلاله، وسلامة أراضيه، وعيشه المشترك، بل كانت له مواقف بارزة في النادي الدولي، إذ كان في طليعة المطالبين بانسحاب الجيوش الغريبة من أراضيه، وأخذت هذه المطالبة طابعها العلني خلال السينودس الخاص بلبنان في العام 1997 الذي دعا إليه البابا القديس يوحنا بولس الثاني، وأكّد بشكلٍ صريح على «استعادة الأمانة التاريخية التي يحملها الفاتيكان تجاه لبنان»، والتي «لا تتحقق إلّا عبر انسحاب جميع القوى الأجنبية»، تمهيدًا لاستكمال بناء الدولة على قواعد دستورية سليمة.

ولم يَغِب عن بال اللبنانيين ذلك الدور الذي لعبه الفاتيكان بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في شباط 2005، إذ أصدر الكرسي الرسولي سلسلة بيانات داعمة لقرار مجلس الأمن الدولي 1559، مؤكدًا أنّ تحقيق السيادة الكاملة شرط أساسي لاستقرار لبنان، ووحدة شعبه.

واستخدم الفاتيكان دوره الدبلوماسي الفاعل في حرب تموز 2006 للضغط على المجتمع الدولي بهدف وقف الحرب، والاعتداءات الإسرائيلية. وكان  الصوت الدبلوماسي المسموع داخل أروقة الأمم المتحدة عن حق لبنان في الدفاع عن سيادته ضمن القوانين الدولية، ووفق القرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن  الدولي التي تؤكد احترام سيادة البلاد.

واعتمد الفاتيكان استراتيجية تجاه لبنان تقوم على مرتكزين:

– استثمار الطابع الفريد للبنان كمركزٍ حضاري للحوار بين الأديان والثقافات والمعتقدات.

– ترجمة هذا البعد عبر نشاط دبلوماسي مكثف متّسم باليقظة والحزم، قوامه دعم استقلال لبنان وسيادته، واستقرار مؤسساته بعيدًا عن أي نفوذ خارجي ضاغط.

 

المحفظة الدبلوماسية اللبنانية

تحوي المحفظة الدبلوماسية اللبنانية وثائق ذات قيمة حول علاقة لبنان مع الفاتيكان، وتؤكد إحداها أنّ اهتمام الكرسي الرسولي بلبنان هو من الثوابت السياسية للفاتيكان منذ زمن طويل. أحدثها اهتمام البابا فرنسيس شخصيًّا بمتابعة الوضع في لبنان في ظل الأزمات التي مرّ بها، من جائحة كورونا، وانفجار المرفأ، إلى التوترات المتعاقبة، وقد تبرّع من ماله الخاص لمساعدة العائلات اللبنانية، وثمة مساعدات متواصلة تُرسل إلى لبنان من الفاتيكان، ومن مؤسسات كاثوليكية مختلفة حول العالم.

ولم يقتصر الدعم على المساعدات المالية فحسب، بل تجلى أيضًا في المبادرات واللقاءات المباشرة، وأبرزها اللقاء الأول من تموز 2021 وضم رؤساء الكنائس الشرقية الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية بحضور قداسة البابا وكبار معاونيه. وكان هذا اللقاء تاريخيًا، وغير مسبوق، إذ خُصص له يوم كامل من الثامنة والنصف صباحًا حتى السابعة والنصف مساءً، واختُتم بصلاة مسكونية بعدة لغات شارك فيها البابا والمدعوون. وقد خُصص هذا اللقاء لدراسة وضع لبنان. وقُدمت فيه أوراق عمل، ونوقشت قضاياه، وكان البابا منصتًا طوال الوقت للتأكيد على أهمية الوضع اللبناني.

تميزت دلائل هذا الحرص بخطواتٍ من بينها متابعة كبار المسؤولين في إدارة الفاتيكان، وعلى رأسهم الكاردينال باولو بارولين الذي زار لبنان مرتين، إلى جانب مسؤولين آخرين، واكبوا التطورات عن كثب.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الفاتيكان لا يتدخل في تفاصيل السياسة الداخلية أو الخارجية لأي دولة كما تفعل دول أخرى. فموقفه ومبدؤه هو دعم الدول، كما هو حال لبنان، من دون أي مقابل. لا ينتظر شيئًا من هذا البلد، خلافًا لمصالح الدول التقليدية، سوى أن يكون الوضع فيه سليمًا ومستقرًا وطبيعيًا.

 

الزيارات البابوية إلى لبنان

تقاطر عدد من البابوات على زيارة لبنان: يوحنا بولس السادس، ويوحنا بولس الثاني، وبينديكتوس السادس عشر، وأحدثهم لاوون الرابع عشر.

كانت الزيارة الأولى للبابا بولس السادس في 2 كانون الأول 1964، إلا أنّها اختُصرت فقط بمطار بيروت، وقد توقف في لبنان، وهو في طريقه إلى بومباي  للمشاركة في المؤتمر الكنسي العالمي المنعقد هنالك. واستقبله الرئيس شارل حلو محاطًا بأركان الدولة على أرض المطار، ورافقته وفود شعبية جاءت من مختلف المناطق اللبنانية للمشاركة في هذا الحدث الذي استمر لساعات معدودة.

وألقى البابا بولس كلمة باللغة الفرنسية في تلك المناسبة أكّد فيها «أنّ لبنان يحتل مكانة فخرية بين الأمم بفضل تاريخه العريق، وثقافته، والطبيعة المسالمة لشعبه، مما أكسبه صداقة شعوب العالم وتقديرها له».

وبعد اندلاع الحرب في لبنان، واظب بولس السادس  على الاهتمام عن كثب، وكانت له اتصالات حثيثة مع عواصم الدول الكبرى، ونداءات لوقف الاقتتال بين الإخوة، وتحييد المدنيين.

قديس حضن لبنان بقلبه

قام البابا القديس يوحنا بولس الثاني بزيارة تاريخية إلى لبنان في 10 أيار 1997.

وللبابا يوحنا قصة علاقة مميزة مع لبنان، إذ سبق له أن وجّه للّبنانيين رسالة في العام 1984، بعد لقائه الطوائف المسيحية اللبنانية في روما، ومما قاله: «إنّ المودة العميقة التي أكنّها منذ زمن طويل لهذا البلد، وشعبه المعذب، تخولني أن أدعو من أعماق قلبي جميع اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، إلى الحوار والسير على درب السلام والمحبة».

ولم يتوقف عن بذل جهود مكثفة على أكثر من صعيد لحل الأزمة اللبنانية، ووقف القتال، إلى أن تمكّن  بعد انتظار دام 19 عامًا – كما قال – بزيارة إلى لبنان عدّها أهم زياراته، ووصف فيها لبنان «بالوطن – الرسالة» في خطبة شهيرة قال فيها: «أنتم المدعوون إلى هدم الجدران التي ارتفعت بينكم خلال السنوات الأولى من تاريخ وطنكم… إنّ رسالتكم هي مد الجسور بين الأسر والطوائف، والذهاب نحو المصالحة واستعادة الثقة».

وبعدها، لم يتوانَ عن جعل لبنان في قلبه وصلاته في أكثر من محطة مفصلية  مرت بها البلاد.

وخلال زيارته التاريخية في العام 1997 أصدر البابا الإرشاد الرسولي «رجاءً جديدًا من أجل لبنان». وهو الذي حرص على إعطاء صفة «لبنان – الرسالة» ليؤكد أنّ هذا الوطن الصغير بمساحته، كبير برمزيته في احترام التعددية، والعيش المشترك.

 

رواية الأستاذ محمد السماك

ويروي المفكر الأستاذ محمد السماك ما يأتي: سألني البابا القديس يوحنا بولس الثاني مرة، وكنت إلى طاولة العشاء في شقته بالفاتيكان عن العلاقة بين اللبنانيين، وقال: «يقال إنّ اللبناني شاطر وذكي، وإنّه يعرف كيف يدبّر أموره». فقلت له: هل تسمح لي أن أروي لك نكتة عن اللبناني؟ فقال: بكل سرور.

تذكرت نكتة قرأتها في مجلة «التايم» الأميركية عن البولوني. فرويتها وكأنّها عن اللبناني، فقلت: «إنّ اللبناني من شدة تهذيبه يترك لك أن تمر قبله أمام الباب الدوار، ولكن من شدة دهائه يفاجئك بأنه يصل قبلك».

ضحك البابا، واحمرّ لون وجهه المضيء، ولكن لا أعرف حتى اليوم إذا كان قد ضحك للنكتة أو للاستعارة… لقد كان نهم القراءة، واسع الثقافة.

يضيف: ما أعرفه، وبثقة، أنّه كان يحب لبنان، حبّه لبولندا (وطنه الأم).

وفي عام انتخابه (1978) كان أول بابا يزور مالطا. يومئذ اتفق أن كنت في العاصمة «فاليتا» أشارك في مؤتمر دولي، فدعانا رئيس أساقفة العاصمة للسلام على البابا في كاتدرائية «سان جون» وسط الحي التاريخي للمدينة. تولّى رئيس الأساقفة تقديمنا إليه ذاكرًا اسم كل واحد منا، واسم بلده. وكنا مجموعة صغيرة من عدة دول. وكان البابا يصافحنا واحدًا تلو الآخر، مكتفيًا بابتسامةٍ عريضة. ولكن عندما وصل دوري، وسمع اسمي واسم لبنان، غابت الابتسامة، وعلت الجدية وجهه، وخلافًا لما فعله مع الآخرين، استوقفني وخلفي طابور طويل من الذين يتلهفون للسلام عليه، وقال لي: «من لبنان؟… ماذا تفعلون بلبنان؟» -(في ذلك الوقت كانت الحرب الداخلية متفجرة)- ماذا تفعلون بهذا البلد؟ وأذكر جيدًا أني أجبته: «وماذا تفعلون أنتم يا سيدي من أجله؟!».

انفجر وجه البابا بالاحمرار، وقال: «سترى ماذا سنفعل من أجله. أما الآن فالوقت لا يسمح بالحديث. انتظر، وسترى؟». كان ذلك أول لقاء لي مع البابا يوحنا بولس الثاني، وأول لقاء مع أي بابا.

في العام 1993، دعا البابا إلى السينودس من أجل لبنان. ودعا لأول مرة في تاريخ الكنيسة ممثلين عن المذاهب الإسلامية الثلاثة: السنة، والشيعة، والدروز للاشتراك في السينودس، وليس للحضور فقط. وشاءت الأقدار أن تكلفني رئاسة الحكومة (الرئيس الشهيد رفيق الحريري)، ودار الفتوى (المفتي الشيخ محمد رشيد قباني) أن أمثّل المسلمين السنة. هناك في قاعة الاجتماع في الفاتيكان تقدمت من البابا لأذكّره بلقاء مالطا. فكّر مليًا قبل أن يتذكر، ثم قال لي: «إنني سعيد أن تكون معنا لترى ماذا نريد أن نفعل من أجل لبنان، هذا البلد الذي نحبه ونريده أن يكون مثالًا للخير والمحبة. وأريدكم أنتم المسلمين أن تشاركوا في أعمال اللجان حتى تكون مشاركتكم فعالة ومثمرة».

يبقى، لماذا استحدث البابا يوحنا بولس الثاني سابقة الدعوة إلى سينودس من أجل دولة؟ ولماذا استحدث سابقة ثانية بدعوة مسلمين إلى سينودس؟ ولماذا جاء بنفسه إلى لبنان لإعلان وثيقة الإرشاد الرسولي؟ ولماذا واصل اهتمامه بتنفيذ الوثيقة بكل وجوهها اللاهوتية الكاثوليكية، والإيمانية المسيحية المشتركة، والحوارية المسيحية – الإسلامية، وخصوصًا دور مسيحيّي لبنان الثقافي في العالم العربي؟

يمكن الإجابة على كل هذه الأسئلة – يقول السماك – بعبارة واحدة: حبه للبنان، لبنان – الرسالة، كما أراد أن يكون، وليس لبنان المحاصصة والزبائنية الفاسدة والمفسدة. لكن دعوني أعترف أنّنا، نحن اللبنانيين، قليلًا ما نرتفع في سلوكنا إلى مستوى هذه الرسالة. وأذكر أنّني كتبت مقالة اعتذرت فيها من البابا «لأنّنا خيبنا أمله، وأسأنا إلى حسن ظنه فينا». أما هو فلم ييأس من إيمانه بأنّنا سوف ندرك يومًا ما أنّ لا حياة لنا، ولا مستقبل إلّا إذا احترمنا الرسالة، وعشنا الصيغة التي أراد لوطنه بولندا أن يكون عليها في كتابه «الذاكرة والهوية».

 

البابا بينديكتوس

بعد 15 عامًا على تلك الزيارة إلى بيروت، عاد البابا بينديكتوس السادس عشر ليسير على خطى سلفه، ويزور لبنان في أيلول 2012، وكانت آخر زيارة يقوم بها إلى الخارج قبل تنحّيه وانكفائه عن ممارسة مهامه.

وكان من العلامات الفارقة في تلك الزيارة أن شارك فيها عدد كبير من الطوائف الذين كانوا في استقباله رافعين الرايات الفاتيكانية إلى جانب الرايات اللبنانية.

وفي موعظته التي اختتم بها زيارته، قال: «إنّ التوازن اللبناني الهشّ يواجه أحيانًا خطر الانكسار بفعل التوتر والضغوط الخارجية التي غالبًا ما تكون مفروضة ومناقضة لطبيعة اللبنانيين السمحة والمسالمة والمحبة للحياة، الأمر الذي يقتضي من المعنيين التحلّي بالاعتدال والحكمة».

 

المسألة اللبنانية

أن يكون لبنان «أمانة لدى الكرسي الرسولي» فهذا يرتّب مسؤولية مضاعفة على البابا لاوون الرابع عشر.

ولقد تناول الإعلام الإيطالي الزيارة من زوايا عدة:

 

التوقيت

ليس من قبيل المصادفة أن يخصّ الحبر الأعظم لبنان في أول تحرّك خارجي له بعد اختياره رأسًا للكنيسة الكاثوليكية. وقد وصل إلى الشرق الأوسط من بوابتيه اللبنانية والتركية، في مرحلة مصيرية بالغة الدقة:

– قرارات مجلس الأمن الدولي لمعالجة أزمات المنطقة، وملفاتها الشائكة لا تأخذ طريقها نحو التنفيذ، وتبقى حبرًا على ورق، فيما المشكلات تزداد تفاقمًا واتساعًا.

– الأمم المتحدة: لا حضور فاعل لها في احتواء الصراعات المفتوحة من ليبيا، إلى السودان، إلى غزة، والضفّة الغربية، وإلى لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن.

– الحرب الإسرائيلية – الأميركية – الإيرانية لم تنته فصولًا، إنّها ما زالت مستعرة على جبهات ثلاث: الإعلام، الدبلوماسية، والعقوبات الاقتصادية. حتى الحوار لم يأخذ طريقه نحو مسار مضمون.

– ­إنّ الدعوات إلى شرق أوسط جديد بفعل الحديد والنار، إنما هي مقدمات لحرب عالمية ثالثة، لأنّ القوة لا تستطيع أن تغيّب الحقوق وتختزل الحقائق التاريخية. قد يمكن لها أن تفرض أمرًا على أرض الواقع، لكنه حتمًا سيكون مؤقتًا، ويؤسس لحروب جديدة متناسلة.

 

لبنان

لقد فتح البابا لاوون أبوابًا مغلقة كان قد ختمها النسيان. طرح الصوت بقوة حول مصير الإرشاد الرسولي. ماذا طُبّـق منه؟ وماذا لم يطبّـق؟ ولماذا؟

كان يفترض – من منظاره – أن يفتح مرحلة التجدد الروحي للطوائف الكاثوليكية الست، لتقوم بنقد ذاتي يتيح لها إدراك ما يجب الإبقاء عليه، وما يجب تعديله، لإعادة الأمل إلى المسيحيين الذين يشعرون بحيرةٍ ويأس عميق، وقد انقسموا زمرًا بعد سنوات الحرب، وذهب أولادهم ضحايا لها.

ولأنّ التعايش المسيحي – الإسلامي في لبنان هو القيمة الكبرى للبلد بما هو نموذج حياة، وعلاقة حوار­، فهل أنجز مهمته، وأدى غرضه، أم توقف أمام رشوة الفساد، وانهيار المؤسسات، وحجب أموال المودعين، وتناسل الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والصحية والتربوية؟

يبقى أنّ اللبنانيين، وبغالبيتهم قد أضاعوا البوصلة عندما استبدلوا الحوار الحقيقي المنتج للحلول والمعالجات، بالخطاب الشعبوي الفئوي الطائفي، وهذا ما أسهم في إضعاف الدولة، ومواردها، وبناها التحتية، وجعلها صورة رمزيّة معلّقة على حائط  الانتظار، لعل رياح المتغيّرات تهبّ لتفرض خيارات وتوازنات جديدة على أرض الواقع.

إنّ مواصفات النظام اللبناني منطلقة من مبادئ ونصوص وردت في الدستور «لبنان وطن نهائي بحدوده، وهويته، وانتمائه العربي»، وأيضًا من الميثاق، والصيغة.

ورغم كونه أمة متعددة القوميات والثقافات، هدفها أن تسعى دومًا إلى التنوّع ضمن الوحدة، فإنّ بعض المكونات المؤسسة للكيان اللبناني، يرى أنّه على الرغم من التمسك بإعادة بناء البلد، وارتباطه بالعالم العربي، إلّا أنّه يرغب في تجنيب لبنان فرضيتَي الاندماج والتكامل الذي – في حال حصوله – سيطيح بالطابع التعددي، ويفسح المجال أمام جولات ساخنة بين جميع المكونات الأخرى.

إنّ الرغبة لدى الغالبية أن يظل الانفتاح على الغرب مطلقًا، كما على الشرق، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الهوية، والجذور الشرق أوسطية.

 

إعادة بناء المؤسسات

يرى الفاتيكان أنّ إعادة بناء المؤسسات لم تنجح بعد بالشكل المطلوب، خصوصًا وأنّ هناك قسمًا كبيرًا من المواطنين يتحدثون بشكلٍ عام عن حرمانهم حقوقهم، وأيضًا عن التغيير الديموغرافي الذي قد يطيح بكل المرتكزات الوطنية بعدما تحول البلد إلى وطن لجوء نتيجة أعداد النازحين والمهجرين.

وهناك أسئلة جوهرية لا يمكن التعامي عنها، تتعلق بمصير البلد، ونظامه، واستقلاله، والديموقراطية فيه في ظل التحديات الضاغطة. 

 

محفظة واعدة

تقول «الواشنطن بوست» في تقرير لها عن «حج البابا الفاتيكاني الأميركي الأصل  إلى بوابتي الشرق الأوسط التركية واللبنانية»، أنه أجرى مسحًا شاملًا للسياسة الأميركية في المنطقة، خصوصًا في لبنان، وعاد وفي جعبته خلاصات ثلاث:

الأولى: على المسيحيين أولًا، واللبنانيين عمومًا تطبيق الإرشاد الرسولي نصًا وروحًا، عن طريق الحوار، لإنقاذ الوحدة.

وعلى تركيا ألّا تذهب بعيدًا في «طغيان اللون الواحد» وما قد يمثله من إفقار للتنوع المجتمعي التركي.

الثانية: تهيئة الأجواء لقيام حوار بنّاء دعا إليه الرئيس اللبناني لحماية الوطن من كل ما يهدّد سيادته، ووحدة أرضه وشعبه.

«لن يقبل البابا الفاتيكاني – الأميركي الأصل، التفريط «بلبنان – الرسالة» خلال فترة ولايته كحبرٍ أعظم».

الثالثة: إنّ الشرق الأوسط الجديد لا يقوم على وأد الظلم باقتراف ظلم أكبر عن طريق الحديد والنار. وعلى الإدارة الأميركية مراجعة الكثير من الحسابات والرغبات الطموحة في الشرق الأوسط الذي تسعى إليه.

«العدالة، سيف الحق، ويجب إعادة الحقوق إلى أصحابها».

جاء البابا لاوون الرابع عشر إلى المنطقة تحت شعار: «طوبى لفاعلي السلام»، ويعود من المنطقة رافعًا شعار: «وجوب السعي لتحقيق السلام؟!».