علامات فارقة

البهية حتى في أقسى أحزانها فيروز..
إعداد: د. إلهام نصر تابت

أيقونة الجلال المرتقي إلى ما فوق الجمال

في تسعينيتها تبقى السيدة فيروز امرأة يمتد سحرها ليغمر أوطانًا وأجيالًا من دون أن تمسّ السنون بريقه.

وفي زمن صناعة النجوم والأضواء المبهرة، تبدو في عزلتها التي تقارب النسك والزهد بكل ما تورثه الشهرة من ضوضاء وبريق، نجمة الأجيال المشعّة في ذاتها، المستأثرة بحيزٍ كبير من مساحة ذواتنا الحميمة والعامة على السواء.

ما سر هذه السيدة التي يتنقّل صوتها بين الناس والأوطان والمدن منذ أكثر من سبعة عقود، فلا تتعب أغنيتها ولا تشيخ، بل تواصل تألقها جيلًا بعد جيل؟ ما سر هذه السيدة التي حرقتنا دمعتها على ابنها زياد وكأنّه ابن كل منّا؟ في وداعه لم نبكِ فقط فنانًا استثنائيًا قلّ أن يجود الزمن بمثله، وإنما كانت الدموع في عيون الملايين إثباتًا تقدمه الأجيال المتعاقبة على مكانة فيروز في وجدان اللبنانيين والعرب، وحتى الكثيرين ممن لم يفهموا يومًا كلمة من أغانيها، وإنما ساروا خلف صوتها مأسورين بسحرٍ لا يوصف.

في عيد فيروز الذي يتزامن مع عشية عيد الاستقلال نحيّي هذه السيدة التي تُمثل واحدًا من أهم رموزنا الوطنية، تحيّـتنا يثقلها الحزن الكبير. حزنٌ تتحمله معتصمة بكِبَرها وصلابتها وشموخها وإيمانها. حزنٌ كم تمنينا أن نتحمّل بعضًا من ثقله عنها. فيروز البهية حتى في أقسى أحزانها كانت وستبقى أيقونة الجمال في أسمى مستوياته، بل إنها أيقونة الجلال الذي يرتقي إلى ما فوق الجمال. كم زرعتِ من الجمال والفرح في أعمارنا يا فيروز؟ وكم حملتِ الأحزان وحيدةً ! يا للقدر…

 

الغموض الساحر والرمزية

بدايةً، لا بد من الإشارة إلى جانب الغموض في شخصية هذه المرأة، بدءًا من تاريخ ميلادها. ففي حين يشير معظم ما كُتِب عنها إلى أنّها وُلدت في 21 تشرين الثاني 1935، تُظهر الوثائق الرسمية أنّ تاريخ ميلادها هو في 20 تشرين الثاني 1934. وهذا ما جعلنا نتساءل عما إذا كان ذلك عائدًا إلى عدم الدقّة، أو إلى عدم توافر المعلومات من مصادرها، أو أنّه في مكان ما التباس شاركت في صياغته عوامل أخرى؟ صورة فيروز مثلًا؟ فهذه الصورة تحمل في ثناياها الكثير من مشاعر الجمهور وتصوّراته، بمعنى أنّ التماس القائم بين فيروز وجمهورها، يشارك على الأرجح في صياغة صورتها لديه.

وأكثر ما يلفت انتباهنا في هذه النقطة هو تحديد يوم ميلاد فيروز، إذ ثمّة يوم واحد بين التاريخين، لكنّ هذا اليوم يشكّل فارقًا كبيرًا. إنّه الفارق بين يوم عادي من أيام السنة، وبين عشية عيد الاستقلال. ولذلك، سنرى أنّ الاحتفال بعيد فيروز يقيم رابطًا بين التاريخَين: ولادة امرأة هي بمنزلة الأيقونة وطنيًا وعربيًا وفنيًا، وولادة استقلال لبنان.

يمكن القول هنا، إنّ ثمة رمزية سوسيولوجية للربط بين عيد ميلاد فيروز وعيد الاستقلال في لبنان، فربما يكون تأخيره يومًا واحدًا نتيجة خطأ، وربما يكون فعلًا مقصودًا. لكن المهم هو أنّ الذاكرة الشعبية الجماعية، عملت من خلال آلياتها النفسية والاجتماعية، على إقامة رابط بين يوم ميلاد هذه الفنانة وعيد استقلال لبنان. وهذا يحيلنا إلى إحدى دلالات صورة فيروز، باعتبارها رمزًا ارتبط باسم لبنان واستقلاله.

فقد بدا لافتًا خلال السنوات الأخيرة (منذ 2011 تقريبًا)، الربط بين عيد ميلاد فيروز وعيد الاستقلال، واعتبار الكثيرين ومن بينهم سياسيّون وفنّانون وإعلاميّون، أنّ الأمر ليس صدفةً، بل ذهب بعضهم إلى اعتباره تدبيرًا إلهيًا وفق ما جاء في أحاديث ومقالات نشرتها وسائل الإعلام المختلفة.

وبينما أدّت وسائل الاتّصال الاجتماعي دورًا كبيرًا في إحياء عيد فيروز، إذ نشط محبّو السيّدة في المناسبة ونظّموا مبادرات مختلفة، شهد العام 2016 مبادرة لافتة من محافظ بعلبك والبقاع بشير خضر، إذ أُضيئت قلعة بعلبك بصور فيروز وعلم لبنان إحياءً لعيد ميلادها، في حضور عدد كبير من جمهورها فضلًا عن الإعلاميّين وبعض الشعراء والفنّانين. وقال خضر في الاحتفاليّة «فيروز هي العلم والأرزة التي تتوسّطه، وهي الاستقلال في عيده. تشكّل هذه الشهادة أنموذجًا لإشهار الهويّة الوطنيّة من خلال فيروز. ولكن ليست الهوية الوطنية فقط هي موضع إشهار من خلال هذه المطربة، وإنما الهوية الفردية أيضًا»، وها هو الشاعر المصري عبد المنعم رمضان يكتب في جريدة السفير مناجيًا فيروز في عيدها الواحد والثمانين: «يا مأواي، يا حارستي، ويا بلدي المحبوب» (رمضان، 2016، ص 10)، ممثلًا بذلك شريحة واسعة جدًا من الجمهور الفيروزي. أما الجريدة (السفير) فقد كتبت في المناسبة نفسها تحت عنوان «إنت الأساسي ومنحبك بالأساس»: قد يكون عيد فيروز العيد الوحيد الذي يستحق أن نحتفي به في هذه الجمهورية السعيدة… لأنّه العيد الوحيد الذي يبدو له معنى في ظل كل هذا الجنون الذي يحيط بنا.

 

”بترك صوتي وما بترك وطني“

هنا لا بد من الإشارة إلى أنّ اعتبار فيروز رمزًا لبنانيًا لا يعود إلى ما غنته للبنان فقط، بل يمتد ليشمل عشقها لهذا البلد الذي رفضت طوال الحرب أن تغني في أحد شطريه دون الآخر. عشقها للبنان كان التزامًا طبع مسيرتها الفنية، كما مسيرتها الشخصية. فها هي تحمل صوتها إلى مشارق الأرض ومغاربها مغنيةً آلام لبنان وهمومه وجمالاته، وما يمثله للإنسانية من قيم حضارية وثقافية، مذكرة المغتربين بجذورهم، لكنها لم ترضَ أبدًا مغادرته، ظلت متمسكة بالإقامة فيه حين غادره الجميع. «بترك صوتي وما بترك وطني»، تقول في أغنية «ما تنسوا وطنكن». وفي حديث إلى مجلة الصيّاد الصادرة في 8 أيار 1987، تقول فيروز: «الجرح الكبير الذي يسكنني هو جرح الوطن. بقيت في بيروت لأنني لا استطيع أن أغادرها. أفضّل البقاء فيها في ظل الخوف، لأنّ الحزن الذي يتملّكني عندما أغادرها أقوى من الخوف».

على كلٍّ، لا يقتصر الاحتفال بعيد فيروز على اللبنانيين بل يشمل مختلف الدول العربية، فهذا العيد يحظى باحتفاليّـة في بعض هذه البلدان تفوق ما يحظى به في لبنان. وفي حديث خاص مع الناقد والباحث الفنّي المصري محمّد دياب، يخبرنا بأنّ جميع وسائل الإعلام في مصر (الإذاعات، ومحطّات التلفزيون والصحف والمجلّات) تخصّص حيّـزًا واسعًا لعيد فيروز من خلال بثّ أعمالها واستضافة نقّاد وفنّانين وسواهم في مقابلات للحديث عنها، طوال يوم 21 تشرين الثاني من كلّ سنة، فضلًا عن الملفّات والأعداد الخاصّة التي تصدرها بعض المجلّات العريقة.

إلى كونها رمزًا وطنيًا، ينظر جمهور فيروز الواسع إليها كرمزٍ عربي وفني وجمالي. وهذا ما جعلها عرضة لمحاولات استقطاب عبر نَسَب أصل والدها وديع حداد، فهو وفق ما جاء في كتاب فيروز، حياتها وأغانيها (طراد، وخليفة، ص 9، تاريخ النشر غير مذكور)، «قدِم إلى لبنان من مدينة حلب». وقيل، من المنطقة الحدودية الفاصلة بين سوريا وتركيا، وقيل كذلك، من قرية فلسطينية (طراد وخليفة، وأبي سمرا، 1985، ص 8). وفي هذا السياق يرى الباحث صقر أبو فخر أنّ فيروز أودعت في أغنياتها الفلسطينية ذروة ما جاد به صوتها من الغناء، ولهذا اعتقد كثيرون من الفلسطينيين أنّها فلسطينية، ونسجوا حولها سيرًا مختلفة، فتارةً جعلوا مولدها في شفا عمرو، وتارةً في الناصرة… وكان ذلك يعكس عشق الفلسطينيين لها وتعلّقهم بها (أبو صقر، 2010، ص 94).

وفي ذروة تألّق أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وسواهم من أساطير الغناء المصري والعربي، اعتبر الرئيس جمال عبد الناصر، أنّ ظهور فيروز في لبنان «من الأمور غير الحسنة لمصر» كما يروي الأديب والبرلماني المصري يوسف القعيد، وهو يضيف أنّ عبد الناصر طلب من محمد حسنين هيكل، الذي كان وزيرًا للإعلام، أن يهتم بعفاف راضي «علّها تعوّض مصر غياب فيروز» (القعيد، 2015، ص 48 – 50).

 

فيروز وزياد

لم يكن زياد قد تجاوز السابعة من عمره حين طلب منه والده أن يعيد عزف مقطوعات سمعه يعزفها على البيانو ليتولّى كتابتها موسيقيًا. وهذا ما حصل، إذ كتب عاصي النوتة لــ 12 مقطوعة ألّفها زياد وهو طفل (مروّة، 1998، ص 304، وشتوي، 2016، ص 34). يوضح زياد رحباني في حديث تلفزيوني مع جاد غصن (2019) أنّ والده أعطى كلًا من تلك المقطوعات اسمًا، وقد سمّى إحداها «عيد الولاد». هذه المقطوعة أصبحت في ما بعد أغنية «الوداع» التي تختتم فيروز حفلاتها بها («بكرا برجع بوقف معكن»)، وهي واحدة من أشهر أغانيها.

أما باكورة ألحانه التي غنّتها فيروز فكانت أغنية «قدّيش كان في ناس» اشتراها منه والده، وقد كان في الرابعة عشرة من عمره عندما كتب مطلعها ولحّنها كاملة، فأكمل عمّه منصور الكلمات (شتوي، 2016، ص 36). قدّمت فيروز هذه الأغنية في ما بعد في بعلبك ضمن «قصيدة حبّ» سنة 1973، لكن سبق ذلك احتفاء الجمهور بأغنية «سألوني الناس» التي لحّنها زياد وغنّتها فيروز في مسرحيّة «المحطّة» (قُدّمت في شباط 1973 على مسرح البيكاديللي بعد الأزمة الصحّية التي ألمّت بعاصي في العام 1972).

تكرّرت حكاية «قديش كان في ناس»، في العام 1974 مع «نطّرونا كتير» ضمن مسرحيّة «لولو»، وفي العام التالي ألّف زياد مقدّمة الفصل الأوّل من مسرحيّة «ميس الريم» ولحّن لفيروز أغنية «حَبّوا بعضن»، كما ألّف مقدّمة حفل منوّعات معرض دمشق الدولي، ولحّن أغنية «يا جبل الشيخ». تواصلت هذه الشراكة في العام 1976، فألّف مقدّمة الفصل الأوّل من مسرحيّة «بترا» (الزيباوي، 2010، ص 5)، وغنّت فيروز من كلماته وألحانه أغنية «عا هدير البوسطة» في حفلة منوّعات على مسرح البلاديوم البريطاني (1978)، وفي حفلات لاحقة في باريس والشارقة. كانت تلك الأغنية قد اشتهرت بصوت جوزف صقر، اشتراها عاصي من ابنه بـ 500 ليرة لبنانيّة وفق ما روى زياد في مقابلة تلفزيونية مع منى الشاذلي (2013).

صدرت سنة 1979، أولى أسطوانات فيروز مع زياد تلحينًا وتوزيعًا، وهي أسطوانة «وحدن» التي ضمّت خمس أغانٍ من بينها «عا هدير البوسطة» التي سبق أن أشرنا إليها. ويروي الباحث محمود الزيباوي (2010، ص 5) أنّ هذه الأسطوانة تعرّضت إثر صدورها لحملة تجريح فنّي لا تنفصل عن التجريح الشخصي الذي واجهته فيروز بترفّعٍ وصمت عجيبَين. وقد انصبّت الحملة تحديدًا على أغنية «البوسطة». فقيل «إنّ فيروز تتدهور على هدير البوسطة»، وقيل «إنّها قرّرت التخلّي عن لقب سفيرتنا إلى النجوم لتأخذ لقب مطربة عربات الخضر». نجحت الأسطوانة نجاحًا كبيرًا وباتت من كلاسيكيّات فيروز، تمامًا كما نجحت جميع الأسطوانات التي أصدرتها لاحقًا مع زياد، وانضمت إلى إرثها الغني الراقي (لتفاصيل أكثر عن أعمال فيروز وزياد يمكن مراجعة مقال أكرم الريّس في «الجيش» العدد 468).

أسهمت أعمال فيروز مع ابنها زياد في استقطاب جمهور واسع من الشباب وقد أثبت هذا الجمهور حضوره بشكلٍ واسع في حفلة بيروت التاريخية سنة 1994، ومن ثم في حفلات بيت الدين لأربع سنوات متتالية اعتبارًا من العام 2000. وبتجربتها مع زياد بعد تجربتها مع الأخوين رحباني، كانت فيروز رائدة الأغنية العربية مرتين كما يقول عباس بيضون…

 

مراجع

– شتوي، طلال، 2016، زمن زياد قديش كان في ناس، دار الفارابي، بيروت، لبنان.

– ديب، كمال، 2010، بيروت والحداثة، الثقافة والهوية من جبران إلى فيروز، دار النهار، بيروت، لبنان.

– عبيد، جوزف، 1987، الصلاة في أغاني فيروز، ط. 2، منشورات جامعة الروح القدس، الكسليك، لبنان.

– رحباني، ريما، 2015، كانت حكاية، فيروز بروداكشن، لبنان.

– مروّة، نزار، 1998، في الموسيقى العربية والمسرح الغنائي الرحباني، إعداد وتنسيق وتقديم محمد دكروب، دار الفارابي، بيروت، لبنان.

– طراد، مجيد وخليفة، ربيع، فيروز نشأتها، حياتها وأغانيها، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، لبنان.

– أبو صقر، فخر، 2010، فيروز والعودة المتجددة كزهر الجلنار، في: مجلة فكر (109-110)، بيروت، لبنان.

– دياب، محمد، 2017، فيروز عصفورة الشرق، في: مجلة الكواكب (عدد خاص)، دار الهلال، القاهرة، جمهورية مصر العربية.

– القعيد، يوسف، (كانون الأول 2015)، «فيروز المصرية»، ملحق: «فيروز يا جارة الوادي طربت … 80 عامًا يا زهرة الجبل»، في: مجلة المصور (ملحق خاص في مناسبة عيد فيروز الثمانين)، مركز الهلال للتراث الصحفي، القاهرة، جمهورية مصر العربية.