تعاون وصداقة

التعاون اللبناني – الألماني في تحقيق لمجلة ألمانية لدينا سمعة مميزة عند شركائنا اللبنانيين

تؤدي البحرية الألمانية منذ العام 2006 دورًا مؤثرًا في حماية الحدود اللبنانية. وهي أدت في الوقت نفسه الدور الأساسي في مجال تدريب القوات البحرية اللبنانية. وقد تم وضع الأهداف بالإنسجام مع القرار 1701 لتمكين البحريّة اللبنانيّة من تنفيذ جميع المهمات السياديّة. بعد مرور سبعة أعوام، حان وقت القيام بتقرير مؤقّت.
بهذه السطور يبدأ النقيب البحري الألماني بيار شوبيي التحقيق الذي أجراه حول التعاون بين البحريتين اللبنانية والألمانية والذي ننشر في ما يلي أبرز ما جاء فيه.

 

مشاركة في المهمات
منذ بداية العمليّات البحريّة في إطار قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، التي استجدت عقب حرب الـ 33 يومًا بين اسرائيل ولبنان، وعلى أساس قرار مجلس الأمن الرقم 1701، يشارك الجيش الألماني طوال الوقت في القوّة البحرية (Maritime Task Force)، بطلب من الحكومة اللبنانية. وقد كلفت هذه القوة بمهمّة دعم القوات البحرية اللبنانية في مراقبة المياه الإقليمية كما في بناء وتحسين الإمكانات لتأمين الحدود البحريّة اللبنانيّة، علمًا أن الجمهورية الألمانية الإتحادية أبدت اهتمامًا خاصًا لدعم القوات البحريّة اللبنانية في بناء إمكاناتها الخاصّة.
يستند التعاون من جهة إلى مشاركة البحرية الألمانية في قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، ومن جهة أخرى إلى برامج التعاون الثنائيّة المموّلة من وزارة الخارجية، بحيث أن ضابط الإرتباط في التمثيل الخارجي الألماني في بيروت ينظّم برامج التدريب والدعم.
قائد المهمّة الألمانية في سياق العمليات البحريّة في قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان هو المسؤول الحصري عن التدريب، وبالتنسيق مع ضابط الإرتباط، تحقّق وسوف يتحقّق العديد من برامج التسليح، وسيتم تأمين المتابعة الفنية اللازمة لجميع المشاريع بمساعدة من ضابطين ألمانيين من أركان قائد مجموعة المهمات (CTG) بالإضافة إلى بعض فرق التدريب الألمانية. كذلك نشأت في السبع سنوات الأخيرة علاقات صداقة وثقة متينة مع القوات البحرية اللبنانيّة، وإن منح لبنان مركبين سابقين لخفر السواحل ومركب حماية، يظهر مدى حسن رؤية المساهمة الألمانية وتماسكها.
بعد أن دمّرت شبكة الرادار الساحلية القديمة سنة 2006، أسهمت الجمهوريّة الألمانية في بناء تسع محطات راداريّة جديدة ومتطوّرة، وزودتها تقنية تواصل حديثة، بالإضافة إلى ذلك أسهمت بإنشاء مركزقيادة في المقر الأساسي في بيروت، كما أن قسمًا من هذه المساعدة كان عبارة عن تدريب العناصر العاملة في هذه الشبكة في ألمانيا.
في إطار مهمّة قوات الأمم المتّحدة المؤقتة في لبنان تجري متابعة هذا القسم من التدريب من قبل عناصر التدريب على الأرض، أما في البحر فتتولاه وحدات القوًات الدوليّة البحريّة العاملة في لبنان.
إن تمكين البحرية اللبنانيّة من تسلّم جميع المهمات المنوطة بها داخل المياه الإقليمية، لا يقتصر أبدًا على المشروع الناجح في بناء شبكة الرادار الساحليّة وحسب، بل يجري تدريس وتدريب طواقم المراكب اللبنانيّة على مكافحة الأضرار.
ويضيف التحقيق:
تشارك مراكب الدوريّات والإنزال اللبنانيّة دائمًا مع وحدات القوة البحرية في قوات الأمم المتحدة العاملة في لبنان في التمارين التي تقوم بها هذه الأخيرة، وفي المناورات البحريّة، وفي تمارين البحث والإنقاذ. إلى جانب هذا التدريب تسهم البحريّة الألمانيّة في تنشئة الجيل الجديد من الضباط البحريين اللبنانيين، فيجري من جهة تدريب التلامذة الضباط في المدرسة البحريّة في جونيه بمعدل مرّة أسبوعيًا على العديد من المجالات البحريّة، نظريًا وعمليًا، ومن جهة أخرى يشارك تلامذة ضباط لبنانيون في دورة التدريب البحري في ألمانيا في إطار المساعدات التدريبية العسكريّة. ولا يجب أن يدفعنا التركيز على الإلتزام الألماني بتدريب القوات البحريّة اللبنانية إلى صرف الإنتباه عن مشاركة باقي الوحدات الدوليّة العاملة، والتي لولاها لما تحقّقت التدريبات التكتيكية مع المراكز الرادارية، وأيضًا مشاركة التلامذة الضباط على السفن.
تتوزع تمارين العمليّات البحرية لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان على مركزين، الأول بري يقع في الناقورة، والثاني بحري على متن البارجة البرازيلية.
يهدف هذا التوزيع لتحسين التنسيق بين التمارين الداخلية والخارجية، ويشغل ضابط بحري ألماني منصب الضابط المسؤول عن التدريبات وهذا ما يبرز الدور القيادي الألماني في مجالات التدريب.

 

التطويرات
بعد سبعة أعوام على التعاون التدريبي مع البحرية اللبنانيًة أصبح من المناسب تقييم ما توصّلنا إليه اليوم، وتعريف بعض النقاط المهمّة للمستقبل. يمكننا دون شك تقييم مشروع بناء شبكة الرادار الساحليّة والتدريب عليها بأنه قسم ناجح جدًا من هذا التعاون، فلقد حصلت البحرية اللبنانية من خلال هذا القسم على أداة تمكنها من مراقبة مياهها الإقليمية بشكل كامل ومن دون فجوات، وعلى قدرة مؤكدة ودائمة للمحافظة على هذه الشبكة.
وهكذا أصبحت القوات البحرية اللبنانية وبالإرتباط مع سلطات بحريّة أخرى، تملك المعلومات اللازمة عن كل مركب في منطقة مسؤوليتها، وتستطيع بذلك تعريف وتمييز جميع السفن التجاريّة ومراكب الصيد التي لا تلتزم القوانين المرعية، كما بات بإمكان القوات البحرية اللبنانيّة وبمساعدة مراكب الدوريّات التابعة لها، اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد أي دخول غير مصرّح به لمراكب غريبة إلى المياه الإقليميّة اللبنانيّة. أما في ما يتعلق بمكافحة تهريب الأسلحة عبر البحر، فقد التزمت القوات البحريّة اللبنانيّة المعيار الأساسي لمفوضيّة البحريّة في قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.
في مجال شبكة الرادار الساحليّة، تتمتّع البحريّة بعناصر ذوي خبرة عالية وتدريب جيّد، لدرجة أنّه يمكن إقامة دورات تدريبية مستقلة. وهنا يستطيع التعاون التدريبي التراجع خطوة إلى الوراء بحيث يقتصر التركيز في المستقبل على دور المراقب الإستشاري. إن تدريب الوحدات البحريّة يتطلّب في الواقع نظرة مختلفة، فبإمكاننا من جهة ملاحظة تقدّم في العديد من المجالات (مثلاً فرق البحرية لمكافحة الأضرار)، وهذا التقدّم ينتج عن التدريبات العديدة الجيدة للضباط في الخارج وعن التدريبات المقامة في لبنان في إطار قوات الأمم المتحدة المؤقتة... من جهة أخرى لم تصل قدرة البحريّة اللبنانيّة إلى المستوى اللازم بعد، لتستطيع المحافظة أو بالأحرى تحسين مستوى التدريب بنفسها، خصوصًا في مجال مكافحة الأضرار والحرائق، الذي يحتاج إلى تدريب مكثّف ودائم لجميع العناصر. صحيح أن البحريّة اللبنانيّة تتمتّع بجنود مدرّبين جيدًا ومتحمّسين، ولكن عدم ثبات الطواقم على المراكب الكبيرة وهيكليّة التدريب يؤديان دائمًا إلى تكبيل العناصر ذوي الخبرة، وهكذا يصبح من الصعب نقل القدرات والمعرفة والمحافظة عليها بشكل كاف.
عند تقييم قدرة تحمّل مراكب الدوريّات الكبيرة، أي تلك التي تملك في إطار عمليّات الإعتراض البحريّة (MIO) القدرة على البقاء لوقت طويل في البحر، فسنجد أيضًا الحاجة للتدريب في المستقبل.
يمكننا اعتبار المساهمة الألمانيّة في تدريب الضباط ناجحة، عندما يبدأ عدد الضباط المتدربين في البحريّة اللبنانية بالتضاعف مستقبلاً. وإن تطوير ونقل الكفاءة بين الثقافات هو أيضًا عامل لا يمكن الإستهانة به، فهو يفتح الرؤيا لآفاق أخرى، كما يناقش بإهتمام وحيويّة من ناحية التلامذة الضباط كل ما يتعلق بمجالات فنّ القيادة وبالحصص التدريبيّة الخاصة بالقيادة الداخليّة.

 

التحديات
في ما يتعلق بتمكينه من مراقبة مياهه الإقليمية، أحرز لبنان تقدمًا ملحوظًا. مع ذلك على البحريّة اللبنانيّة التعامل مع الكثير من التحديات في المستقبل، التي من خلالها يمكن الحصول على مجالات جديدة للتعاون الثنائي.
علينا أن ندرك أن البحريّة اللبنانيّة ليست قسمًا مستقلاً من القوات المقاتلة وفق المفاهيم المحليّة، هذا يعني أنها في ما يخص التمويل تعتمد اعتمادًا تامًا على حصولها ولو على قسم صغير من التمويل المخصص للجيش.
وعلى الرغم من أن لبنان دولة ساحليّة، ويعتمد على مصالح بحريّة ملموسة، فالوعي البحري في لبنان (في القطاع العام وأيضًا في أجهزة الأمن) ضعيف إلى حد ما. إن خطوط المعارك المعلومة في الوقت الحالي تجري أحداثها فقط على اليابسة إلى حد ما، وعلى سبيل المثال موضوع التصدي لتدفق اللاجئين من سوريا بسبب الحرب الأهلية فيها.
وهكذا تعاني البحريّة اللبنانيّة نقصًا حادًا في التمويل، المتصّل بدوره بمشكلة تنوع أنظمة المراكب المتوافرة، وبنقص في مخزون قطع التبديل ومحدوديّة القدرة على إصلاح الأعطال، مما يؤدي إلى تراجع في قدرة تحمل المراكب والشبكة الرادارية الساحلية. وبالتالي فمن الضرورة في المستقبل دعمها خصوصًا في المجالات التقنيّة واللوجستية.
في إطار التعاون الألماني – اللبناني الثنائي، تقام دراسات لإنشاء مشغل إلكترونيك (Electronic Workshop)، يهدف إلى تجهيز القوات البحريّة اللبنانيّة بمواد ومعدات، لتستطيع القيام بالتصليحات الإلكترونية بنفسها. هذا المشروع يشمل أيضًا تدريب وتحضير عناصر على يد فريق مدربين ألمان لتسليمهم أعمال التدريب لاحقًا. وهناك تصور للمستقبل أنه يمكننا تدعيم غرف التدريب الألمانية في لبنان بعنصر فنّي كهربائي.
على صعيد آخر حدّدت مشاكل البحريّة اللبنانيّة الهيكليّة، وهي القدرة على تطويع العناصر، فهذه المشكلة لا تحلّ إلا على صعيد القوات المسلحة بشكل عام. لقد أسهم التمثيل الألماني في الماضي في حلّ هذه المعضلة من خلال إبداء النصائح والإقتراحات لإجراء تعديلات تنظيميّة، وبالفعل فقد شكّلت القوات البحريّة اللبنانيّة اليوم لجنة متخصصة تتابع التغييرات الهيكليّة. ويمكن متابعة هذه العملية عن كثب وتشكيل حقل مهمات مستقبلي آخر في إطار التعاون التدريبي.
يشكّل قطاع البحث والإنقاذ تحديًا آخر في وجه تسلّم القوات البحرية اللبنانية جميع مهماتها السياديّة، فلبنان كعضو في منظمتي الطيران المدني الدولي والبحرية الدولية، ملزم تأمين وضمان منطقة البحث والإنقاذ التي تتخطى حتى مياهه الإقليمية. وبإمكان البحريّة اللبنانية الإسهام في هذا المجال ولكنّها بحاجة بعد إلى هيكليّة قيادة وسيطرة من أجل تحقيق القدرة على قيادة سيناريوهات بحث وإنقاذ معقّدة. وما زال العمل مع القوات الجويّة في بداياته، رغم أن الجهود قائمة وبإمكان القوى البحريّة التابعة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، ومن خلال مروحياتها المتوافرة، تكثيف وتحسين التدريب في مجال البحث، لتمكين القوات البحرية اللبنانية من العمل مع القوات الجويّة اللبنانيّة في هذا المجال المهم.
بإمكان البحريّة الألمانيّة الدعم في هذه المهمة من خلال تقديم النصائح والخبرات وإقامة مركز تنسيق للإنقاذ البحري (MRCC) وتطوير طرق القيادة والتواصل بين الوحدات.

 

رأي وخلاصة
إن جمهوريّة ألمانيا الإتحادية تبدي إهتمامًا واضحًا لتمتين قدرة لبنان البحريّة، والمشاريع المزدوجة والتدريبات المكثفة خلال السبعة أعوام الماضية للوجود الألماني لم تتمكن من بناء أعمال مشتركة مبنيّة على الصداقة والثقة والإحترام المتبادل مع القوات البحرية اللبنانيّة وحسب، بل أصبح بالوقت عينه دور وموهبة القيادة الألمانية في إطار التدريب معروفًا ومقدرًا.
إن التقدم المحرز حتى الآن يسمح بتركيز النظر على تكثيف التدريبات بعيدًا من عمليات الإعتراض البحرية، لتمكين القوات البحرية من استلام مهماتها السّياديّة في مياهها الإقليميّة بشكل مستمر، خصوصًا التدريبات التقنية التي يجب تحسينها وتكثيفها من أجل الإبقاء على جهوزية عالية في المراكز ومراكز الرادار. في هذا السياق تستطيع ألمانيا استلام دور مهم في الشرق، لأن البحرية الألمانية تنعم عند شركائها في لبنان بسمعة وتقدير مميّزين، وكما أنه باستطاعتها تأدية دور مفصلي في هذا المجال في المستقبل.

 

النقيب شوبيي
كان النقيب البحري بيار شوبيي قائد مركب مكافحة الألغام البحرية هومبورغ. كما شارك سابقًا في مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان حيث شغل منصب الـN7 فكان مسؤولاً عن التدريب لدى القوات البحرية اللبنانيّة من تموز حتى تشرين الأوّل 2013.