رحلة في الإنسان

التعلق الزائد بالاغراض النفيسة
إعداد: غريس فرح

هل يدخل في خانة الأمراض النفسية

نتساءل أحياناً عن الأسباب التي تدفع بالبعض الى الاحتفاظ بكل ما يدخل المنزل من أغراض حتى بعد استهلاك محتواها، أو بعدما تصبح بدون فائدة.

واللافت أن المعنيين بهذه الحالة يكتسبون رغماً عنهم سلوكاً غريباً ومتطرّفاً يدفعهم الى التعلّق بأكوام الأشياء المجمّعة والتي يحرصون على تكديسها في الخزائن والزوايا، وأحياناً في غرف الجلوس والنوم، ما يجعل من المنازل مخازن للخردة. فهل هنالك تبريرات منطقية لهذا السلوك، وما هو رأي الإختصاصيين النفسيين؟

 

مواصفات مدمني التجميع؟

إضافة الى أن مدمني التجميع هم محط إستهجان زائريهم والمقرّبين اليهم، والذين عادة ما يتندّرون بحرصهم الزائد على تكديس كل ما هو قديم وبالٍ، فهم قد شكلوا منذ زمن بعيد مصدراً قيّماً لأبحاث العلماء النفسيين الذين ربطوا ما بين الإدمان على التجميع، وبعض عوارض الأمراض النفسية، علماً أنهم حاولوا التفريق بين الهواة العاديين والمرضى، وسعوا الى اكتشاف الأسباب النفسية والبيولوجية الكامنة وراء المؤشرات المرضية الشاذة التي تميّز البعض.

وحسب الدكتور راندي فروست الذي وضع تقريراً بهذا الشأن، فإن ما يميّز المرضى من مدمني التجميع عن الأصحاء، هو مدى أهمية الأغراض المجمّعة، والفسحات التي تحتلها في المنازل، ونسبة الفوضى التي تحدثها، وكذلك التقزّز الذي تثيره في النفوس. وهو يشير بوضوح الى أن الهواة التقليديين يحتفظون عموماً بأشياء قيّمة ترضي توجّهاتهم وميولهم، ويحرصون على ترتيبها والعناية بها، بينما يتعلق مدمنو التجميع المرضى بكل مقتنياتهم، المهمة منها والتافهة، ويبقونها بشكل كدسات وكوم تخنق المنازل وتعيق تنظيفها في معظم الأحيان، وقد تصبح عوائق تتسبب بتعثر قاطنيها وسقوطهم، أو إصابتهم ببعض الأمراض الناجمة عن تكاثر عث الغبار، والبكتيريا والفطريات.

أما الأشياء التي يحرص المجمعون المرضى على الاحتفاظ بها فهي تراوح بين الصحف والمجلات القديمة، والبريد والأكياس والعلب الفارغة، وكذلك الثياب الرثة وسواها من المقتنيات وأنواع الخردة التي لا فائدة من وجودها. وحسب الدكتور فروست، فإن الميل الى الاحتفاظ بهذه الأشياء يترافق عموماً مع إهمال المعنيين صحّتهم ونوعية غذائهم وشكلهم الخارجي، بالاضافة الى نظافة منازلهم.  

 

التعريف العلمي لهذه الحالة الشائعة

يُعرّف اختصاصيو علم النفس الإدمان المرضي على التجميع كأحد عوارض مرض «إضطراب الشخصية الاستحواذي القسري» وكجزء من عوارض إضطرابات الدماغ الشائعة، ومنها «إضطراب الحركة اللاإرادي» «Tic Disorder»، وكذلك الإعاقات والاضطرابات العصبية المنشأ والتي تتخللها الوساوس والخوف على المصير. ويرى البعض ضرورة إعتبار هذه الحالة إضطراباً مرضياً مستقلاً باعتبارها أكثر شيوعاً بين الناس مما كان يعتقد سابقاً، وكونها ترتبط مباشرة بأمراض اضطرابات الشخصية.

ويجدر بالاشارة هنا أن ما بين 20 الى30 في المئة من المصابين «باضطراب الشخصية الاستحواذي القسري» يعانون عدم المقدرة على التخلص من كل ما يدخل منازلهم. وقد تبيّن أن حوالى 13 من بين 86 شخصاً من مدمني التجميع القسري يعانون خللاً بيولوجياً في وسط المنطقة الجبهية الأمامية من الدماغ، والتي تعتبر جزءاً من القشرة الدماغية المسؤولة عن تنفيذ الأنشطة المعرفية.

 

معلومات إضافية

من ناحية ثانية، فقد أكّدت نتائج دراسات  أجريت في مستشفيات الأمراض النفسية في غير مكان من العالم، على التشابه الموجود بين مرضى الاضطرابات العصبية الدماغية وبعض الاشخاص العاديين لناحية الحرص على تكديس الاغراض. وهذا يعني أن الميل الى الاحتفاظ بكل ما هو موجود في المنزل يبدو طبيعياً الى حدٍ ما من وجهة نظر علم الاحياء، لأنه يجسّد الخوف الفطري من نقص المؤن والحاجات الحياتية، وخصوصاً في الظروف الصعبة. هنا يجدر بالاشارة أن هذا الميل موجود عند الانسان والحيوان بأشكال مختلفة تخدم البقاء من منطلق التكيّف مع الواقع.

فحسب الدكتور ستيفن اندرسون الذي تطرّق الى هذه الناحية وأجرى دراسات تناولت عالم الحيوان في جامعة لوا الأميركية، فإنه على الرغم من أن الميل الى التجميع عند الحيوان ينحصر عموماً بالطعام، فقد تبيّن أن بعض الحيوانات البرية والطيور يلجأ الى الاحتفاظ بأشياء تشعرها بالاطمئنان. فالطيور مثلاً تخزّن الشرائط اللامعة والحشائش الطبيعية والقش لبناء الأعشاش. أما الفئران فتميل الى تخزين الطعام بكميات كبيرة تفوق حاجتها، وكذلك الحشرات وسواها من المخلوقات الحية. وقد أثبتت الدراسات التي أجريت على أدمغة بعض هذه الحيوانات، علاقة الميل الغريزي الى التجميع بأنشطة كيميائية دماغية مرتبطة بالميول الغرائزية ومنها الشهية والميول الجنسية، والانفعالات السلوكية. وحسب الدكتور اندرسون، فإن أي خلل في نشاط الدماغ الكهرو - كيميائي، قد يحدث اضطراباً في الميول المشار اليها، وقد يتسبب بعادات قسرية تستحوذ على الارادة ومنها عادة التجميع. 

 

هل يوجد علاج شافٍ؟

حتى الآن لم يتمكن الاختصاصيون من معالجة هذه الحالة بالعقاقير المضادة للإكتئاب، أو المستخدمة لعلاج أمراض الاضطرابات الشخصية. إلاّ أن الدكتور راندي فروس تمكن مؤخراً من تطوير علاج سلوكي معرفي قادر على الاحاطة بمسبّبات هذه الظاهرة وصولاً الى تخفيف حدّة شعور الهوس المرافق لها.  

فكما سبق وذكر، فإن فروست قد أشار الى أن مدمني التجميع المرضى يختلفون عن الهواة التقليديين لجهة عدم مقدرتهم على التمييز بين الحاجات المهمة والخردة، أما سبب ذلك فيعود الى شعورهم الراسخ بأن مقتنياتهم هي جزء من كيانهم، الأمر الذي يجعلهم غير قادرين على التخلص منها. الى ذلك فهو يشير الى وجود فئة كبيرة من المجمّعين القادرين على التمييز بين الأشياء الصالحة وبين التي بحاجة الى رمي، إلاّ أن إضطراباً ما في أنشطة أدمغتهم المعرفية التنفيذية قد يجعلهم يجدون صعوبة في تنظيم المقتنيات وتعريبها والتخلص من الخردة. ولا ينسى فروست الفئات التي تعيش في قلق وخوف دائم على المصير.

من هذا المنطلق، وضع ومعاونوه تقنية جديدة في العلاج السلوكي المعرفي هدفها مساعدة المعنيين على تغيير توجهاتهم بالاعتماد على خطوات أهمها:

- المساعدة على اكتشاف الأفكار والهواجس الكامنة وراء التجميع القسري وتوضيحها والتخلص منها تدريجاً.

- مساعدة المعنيين على التفرقة بين الذات والأشياء المستخدمة آنياً لتلبية الحاجات المادية.

- إقناع مدمني التجميع القسري بالمساوئ الصحية الناجمة عن تكديس المقتنيات. 

- تفعيل ثقتهم بأنفسهم وحبهم للتنظيم والترتيب والاستمتاع بجمال أمكنة إقامتهم وعملهم.

- تشجيعهم على القيام بجردة يومية تسمح بتمييز الأشياء الصالحة من غير الصالحة مع دفعهم الى تعلّم تقنيات حفظ الأشياء بالطرق الصحيحة.

- إن إقدام أفراد العائلة على تعنيف المعنيين أو رمي مقتنياتهم غير الضرورية رغماً عنهم، يزيد من تعلّقهم بها، وكذلك من قلقهم وخوفهم أو عدائيتهم. ومن هنا ضرورة مساعدتهم بالطرق العلاجية المدروسة، وعن طريق استشارة اختصاصيين لحثّهم على التخلص منها تدريجاً، وبملء إرادتهم.