تدريب

الجيش يدرّب عسكرييه على التعامل مع التجمّعات البشرية
إعداد: ندين البلعة

إنتبه:نواجه مواطناً لا عدواً

 

التجمّعات البشرية والتظاهرات تحصل لأسباب مختلفة، وقد تتطوّر أحياناً الى أعمال شغب أو مواجهات مع القوى المولجة حفظ الأمن. وانطلاقاً من الحرص على عدم وقوع إصابات وخسائر، ثمة أسس وتقنيات خاصة يتدرّب عليها المعنيون.
إن تولّي الجيش مهمات حفظ أمن إضافة الى مهماته التقليدية، جعل تطوير مهارات العسكريين في ما يتعلق بالتعامل مع التجمّعات الكبيرة والتظاهرات، أمراً ضرورياً، وهذا ما يحصل.


مركز التدريب
بطلب من قيادة الجيش، قدِم فريق بريطاني متخصص في مجال التعامل مع التجمّعات البشرية العام 2008 لتدريب بعض الوحدات في الجيش (المكافحة، أفواج التدخل والشرطة العسكرية)، بالتعاون مع ضباط من الجيش اللبناني، تابعوا دورات متعددة في هذا المجال، في لبنان وبريطانيا.
من هنا كان نشوء مركز التدريب على التعامل مع التجمّعات البشرية، الذي تميّز بتقنيات بصرية وسمعية حديثة، وبقعة تدريب مشابهة لشوارع المدن اللبنانية، ما يتيح تنفيذ المناورات في ظروف تحاكي ما يحصل في الواقع.
 

ماذا يتعلم المتدربون في المركز؟
أبرز الأهداف تدريب العسكريين على مواجهة التجمّعات والتظاهرات من دون اللجوء الى استعمال العنف مع المدنيين، والحفاظ على حياتهم وتقليل عدد الإصابات الى الحدّ الأدنى مع الحفاظ على النظام العام وإعادة الأوضاع الى حالتها السلمية.
يتواصل التدريب، على مدار السنة، وتتابعه سرايا وفصائل من وحدات الجيش وألويته كافة. أما التلامذة الضباط في المدرسة الحربية فيتابعون الأسس والخطوط العريضة ضمن المناهج الخاصة بتدريبهم.
للتدريب على التعامل مع التجمّعات والتظاهرة عدة مستويات لكل منها دورة خاصة. فدورة الضباط القادة (Commanding Officer´s Course) تتمّ على مستوى قادة الألوية والأفواج. أما دورة التخطيط (Planning Course) فتشمل رؤساء الأقسام والفروع وآمري السرايا والفصائل. بينما تجري دورة التكتية (Tactical riot control course) على مستوى سرية عضوية (ضباط، رتباء وأفراد). يضاف الى الدورات السابقة دورة التقييم التي تخضع لها الوحدات التي تمّ تدريبها سابقاً، بحيث يكون تطوير المعلومات والتقنيات (التكتيكات)، موضع متابعة مستمرة.

 

إنتبه: نواجه مواطناً لا عدواً
تستغرق كل دورة خمسة أيام لكل منها برنامجه. يتضمّن اليوم الأول دروساً نظرية وعملية، ويتمّ التركيز على بعض العوامل النفسية لجعل العسكري مدركاً الفرق الكبير بين مهمته في مواجهة التجمّعات والمهمات الحربية والمعارك، فهو لا يواجه عدواً بل مواطناً. وبينما يحتل التآلف مع العتاد والآليات كما تدريب السائقين، حيّزاً مهماً، ثمة تركيز على ديناميات التجمع وكيفية التعامل مع كل نوع من أنواعه.
كذلك يشمل التدريب قواعد الإشتباك من خلال شرح تعليمات قيادة الجيش المحددة كيفية إطلاق النار في أثناء مهمات حفظ الأمن. يركّز المدربون على هذه التعليمات حتى يتقن العسكريون ضبط استعمالهم الأسلحة. ويتمّ التركيز على التدرّج في استعمال القوة وإبقاء السلاح كآخر خيار للحظة الأخيرة، أي حين يتعرّض العسكري لخطر يهدد حياته أو حياة المدنيين.

 

سيناريوهات مختلفة
ضمن التطبيق العملي لقواعد الإشتباك، يتمّ تدريب العسكريين على سيناريوهات مختلفة تتدرّج من الأسهل الى الأصعب في استخدام السلاح الفردي والعتاد الخاص بمكافحة الشغب.
أما القاعدة الأهم فهي تعويد العسكري على ضبط أعصابه حتى مع وجود الإستفزاز، ليتصرّف بالشكل المناسب والصحيح. فالعسكري الذي ينفّذ مهمة حفظ الأمن ومواجهة التجمّعات البشرية مستعملاً العتاد الخاص لمكافحة الشغب، قد يجد نفسه مضطراً الى استعمال سلاحه الحربي عند تطوّر أعمال الشغب الى أحداث أمنية بسبب وجود عناصر مخرّبين مندسّين بين المواطنين والمتظاهرين.
بالإضافة الى ما سبق، يتمّ تزويد العسكريين المعارف الأساسية في الإسعافات الأولية.

 

إردع ولا تقتل
يتضمّن برنامج اليوم الثاني شرحاً مفصلاً عن كيفية استخدام الأسلحة الأقل قتلاً كبندقية الرصاص المطاط. هذه الأسلحة تساعد في تخويف المتظاهرين عندما يصعّدون، فتؤلمهم وتردعهم ولكنها لا تقتلهم. في هذا المجال يكتسب العسكري تقنيات استعمال هذه البندقية ويُشرح له عن الأماكن التي يُسمح بالتسديد صوبها، من الجسم.
ويشمل التدريب التعامل مع الحرائق لتجنّب أكبر قدر من الإصابات في حال أشعلها المتظاهرون بأي وسيلة كانت، كما يشمل التدليل والرماية، وصياغة الأوامر الواضحة المبسطة.
 

كوكتيل مولوتوف
تعتبر القنابل المحرقة «كوكتيل مولوتوف» من الوسائل التي يستخدمها المتظاهرون والمشاغبون في أثناء التصعيد في التظاهرة. من هنا يبدأ اليوم الثالث من الدورة، بدروس تعرّف بهذا النوع من القنابل وطريقة إطفائها واستعمال العتاد الخاص لتجنّب الإصابة بأي حرق.
يضاف الى ذلك تدريب راجل ومؤلل، واستعمال الدرع والهراوة ضمن ثلاثة مشاغل:
- مشغل راجل: يتضمّن توزيع العسكريين وتدريبهم على تلقي الأوامر الراجلة على الأرض وتنفيذها.
- مشغل مؤلل: تستخدم فيه ناقلات الجند لتدريب العسكريين على التمركز والتحرّك بحسب الأوامر والإشارات وإعادة التنظيم.
- مشغل الدرع والهراوة: هدف هذا المشغل تمكين العسكري من استخدام الهراوة والدرع والإستفادة القصوى من العتاد من دون التسبب بقتل أحد.
كما يخضع المتدربون في اليوم الثالث ايضاً لتمرين فصيلة تعامل مع التجمّعات البشرية، حيث يقابلون فصيلة مشاغبين (عسكريون يمثلون دور المشاغبين).

 

مناورات
اليوم الرابع هو عبارة عن مناورة أولية على صعيد محدود، تتضمّن تدريباً راجلاً ومؤللاً للفصائل وتمريناً للسرية بشكل تطبيقي منظم بحسب سيناريو معين. وبعد انتهاء هذا التمرين يتمّ تقييمه لتجنّب الأخطاء في المناورة النهائية.
أما اليوم الخامس فهو يوم المناورة النهائية التي تشمل مختلف التقنيات والتكتيكات التي تعلّمها العسكريون خلال الدورة التي تنتهي بتسليم الضباط شهادة الدورة ومن ضمنها شهادة للسرية المتدربة.
الهدف من المناورات إكساب العسكري قدرة السيطرة والتحمّل واحتواء عصبية المدنيين بعد امتحان قدرته على الصبر والمتابعة. وخلال التنفيذ، ثمة سيارتا إسعاف جاهزتان مع المسعفين تحسباً لوقوع إصابات. من جهة أخرى، يحضر ضابط مدرب بين العسكريين الذين يمثلون دور المشاغبين في مواجهتهم مع المتدربين، ليضبط أي انفعال زائد أو تصرّف عدائي مبالغ فيه. ويشار الى أنه في المناورة الأخيرة يتمّ التعامل على سيناريو أكبر وأدق، فيتمّ إشراك صحفيين ومسلحين وكل ما يمكن أن يصادفه العسكري مع رماية قنابل محرقة «كوكتيل مولوتوف» وغيرها.

 

تدريب الضباط القادة
يتمّ إطلاع قادة الوحدات الكبرى على التقنيات المتطورة والتكتيكات الحديثة في مجال التعامل مع التجمّعات البشرية والتظاهرات، بالإضافة الى كيفية السيطرة عليها واحتوائها في أثناء الأزمات الكبرى.
كما يتمّ تدريب الضباط من مختلف الرتب، لخمسة أيام، على مبادئ حفظ الأمن والسيطرة على الشغب، دينامية التجمع، التدرّج في استعمال القوة، العلاقات العامة، وسائل الدعم والتخطيط في عمليات حفظ الأمن، وذلك في إطار ما يعرف بدورة تخطيط.
 
 

خبرات
ينوّه مدير الدورات التدريبية في مجال التعامل مع التجمّعات البشرية بأهمية التدريب وما يضيفه من مهارات يكتسبها العسكريون.
ويقول أحد آمري السرايا من أفواج التدخل التي تابعت إحدى هذه الدورات: «عسكرنا يملك معلومات عامة عن مكافحة الشغب، وقد تختلف المعلومات من وحدة الى أخرى، من هنا أهمية هذا التدريب الموحّد، والذي يؤدي الى فاعلية خلال تنفيذ المهمات».
وعن الجديد الذي يتحصّل من متابعة دورة التعامل مع التجمّعات البشرية، يقول: «عسكرنا غير مدرّب على هذا النوع من العمل والعتاد. هذه الدورة أنتجت لديه تآلفاً مع العتاد الجديد فأصبح يعرف فائدته وكيفية التأثير على المشاغب وردعه من دون أذيته».
من جهته، يرى أحد آمري الفصائل الذين تابعوا هذه الدورة أن أهميتها تكمن في ما تقدمه للعسكري من خبرة وثقة بالنفس وحماسة...

 

لماذا هذا النوع من التدريب؟ عن هذا السؤال يجيب مدير الدورة:
الجيش يكرّس الكثير من الوسائل والإمكانات للتدريب على كيفية التعامل مع التجمات البشرية. هذه المبادئ يتمّ تطويرها باستمرار مع الوقت، مع الحرص بقدر الإمكان على أن يكون التدريب واقعياً، ويصل الى نتائجه المرجوة، أي الحفاظ على حماية المواطن بالدرجة الأولى.
ويشرح قائلاً: تبدأ هذه الدورة بتوزيع ملاحظات للعسكريين حول الإنضباط والنشاط والتقيّد بتدابير الحيطة والأمان والحفاظ على العتاد والتزام الوقت. وفي نهاية التدريب يكون كل عسكري قد اختبر قيمة الخطأ والعواقب التي يؤدي اليها، فيتجنب ارتكابه.
أخيراً يقول:
يبقى الأهم في التعامل مع التجمّعات البشرية هو البنية القوية والثبات وتحكيم التفكير والعقل. فالعسكري لدى وجوده في هكذا مهمات يتعرّض لعوارض جسدية ونفسية متنوعة.
من جهة أخرى، الهدف الأول للجيش، تجنّب الصدام مع المتفرّجين والتخفيف من نسبة المشاغبين والمشاركين وإتعابهم. من هنا على العسكري أن يكون حكيماً بتصرّفه حتى لا يزيد نسبة العدائية فيكون قوياً وحازماً. وكل ذلك يكتسبه من خلال التدريب الدائم والممارسة المستمرة لكل القدرات التي يكتسبها في الدورات التي يتابعها على اختلافها.


أهم مبادىء السيطرة
• التركيز على المهمة.
• تقدير الوضع.
• صياغة الأوامر بلغة واضحة.
• الصدقية.
• الإنضباط.
• الإحتفاط بالقدرة على المبادرة.