- En
- Fr
- عربي
موضوع الغلاف
شكّلت زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان صفحةً جديدة في تاريخ وطننا. فالزيارة لم تكن مجرد حدث بروتوكولي، بل محطة حج ورسالة محبة وسلام تحمل في طياتها دلالاتٍ تتجاوز الحدود الجغرافية، لتلامس عمق الإنسان وضميره. جاء قداسته إلى أرضٍ شاء الله أن تكون جسر تلاقٍ بين الشرق والغرب، وبين الأديان والثقافات، ليؤكد أنّ في لبنان ورغم كل ما يمرّ به، شعب يعرف أن يُولَد من جديد بشجاعة، معتبرًا أنّ صمود اللبنانيين هو علامةٌ لصانعي السلام الحقيقيين.
جاءت زيارة البابا تحت شعار «طوبى لفاعلي السلام»، لتحمل رسالة السلام والمصالحة والرجاء للشعب اللبناني ككلّ، وهي التي كان سيقوم بها البابا فرنسيس قبل وفاته. وقد حرص البابا لاوون على تنفيذ رغبة سلفه، إلى جانب رغبته الشخصية أيضًا بزيارة لبنان بعد مختلف الأزمات التي مرّ بها، ليؤكد للّبنانيين أنّه إلى جانبهم.
تخلّل الزيارة 11 محطة، ألقى خلالها قداسته أربع كلمات أساسية، فضلًا عن العظة خلال القدّاس الاحتفالي الذي أقيم عند الواجهة البحرية لبيروت قبل مغادرته لبنان.
لحظة وطنية استثنائية
مع وصول قداسة البابا إلى مطار رفيق الحريري الدولي، أُقيمت مراسم استقبال رسمي في حضور رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون واللبنانية الأولى السيدة نعمت عون، إلى جانب رئيسَيْ مجلس النواب نبيه بري والوزراء نواف سلام، بالإضافة إلى شخصيات دينية وسياسية وعسكرية. وبعد استراحة في صالون الشرف، انتقل موكب البابا إلى القصر الجمهوري وسط استقبال شعبي حاشد على طول الطريق المؤدي من المطار إلى القصر.
شكّل الاستقبال على طريق القصر الجمهوري محطةً استثنائية حملت الطابع اللبناني المفعم بالفرح والرمزية. وعندما وصل الموكب البابوي إلى أول طريق القصر، ترجّل البابا ليستقلّ سيارة الـ «بابا موبيلي» وسط آلاف المؤمنين وطلاب المدارس الذين تحدّوا المطر لاستقباله. وعند المدخل، أُقيم عرض فروسية رافق الموكب، تَلَته لوحة فولكلورية للدبكة اللبنانية حملت نبض الأرض وصوت الناس من فرقة هياكل بعلبك، شارك فيها أكثر من مئة شخص من مختلف الأعمار.
مشهدية رمزية لرسالة سلام
وفي لحظة مؤثّرة، ولدى وصوله إلى سارية العلم، انطفأت الإنارة في الباحة الخارجية ليبدأ عرضٌ ثلاثيّ الأبعاد Mapping 3D على الواجهة الأمامية للقصر، قدّم روايةً بصرية عن تاريخ اللبنانيين، وصمودهم، وانبعاثهم الدائم رغم الجراح، وصولًا إلى تعانق العَلَمين اللبناني والفاتيكاني في مشهدٍ رمزي لرسالة سلام يتشاركها البلدان. ومن عمق شجرة الأرز انطلقت حمائم من ضوء وزجاج ملوّن، ارتفعت فوق الواجهات قبل أن تظهر كلمة «سلام» باثنتي عشرة لغة. كان المشهد جامعًا بين الرمزية الروحية والهوية الوطنية، في لحظة مؤثرة لم يخفِ البابا تأثره الواضح بها.
وبعد الاستماع إلى رائعة السيدة فيروز «عا إسمك غنّيت» التي قدّمتها جوقة الصم، توجّه البابا إلى باحة القصر حيث غرس شجرة أرزٍ، ودوّن كلمة في السجل الذهبي، ليبدأ من ثم البرنامج الرسمي بخلوةٍ بين الحَبر الأعظم ورئيس الجمهورية ولقاء مع رئيسَي مجلس النواب والحكومة.
الرئيس عون: لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم
أكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في كلمة ألقاها في مستهل اللقاء الذي جمعه وقداسة البابا لاوون الرابع عشر مع السلطات السياسية والدينية والعسكرية والسلك الدبلوماسي، أنّ لبنان ليس مجرد أرض تاريخية، بل موطن القديسين العظام. ولفت إلى أنّ هذا الوطن تكوّن بسبب الحرية ومن أجلها، لا من أجل أي دين أو طائفة أو جماعة، مؤكدًا أنّ هذه هي فرادته في العالم كلّه ودعوته لكلّ الأرض.
واعتبر الرئيس عون أنّ من واجب الإنسانية الحفاظ على لبنان، «لأنّه إذا سقط هذا النموذج في الحياة الحرّة المتساوية بين أبناء ديانات مختلفة، فما من مكان آخر على الأرض، يصلح لها».
وأضاف متوجهًا لقداسة البابا: «نحن نجزم اليوم، بأن بقاء هذا اللبنان، الحاضر كله الآن من حولكم، هو شرط لقيام السلام والأمل والمصالحة بين أبناء إبراهيم كافة». وأشار رئيس الجمهورية إلى أنّه في أرضنا اليوم، وأرض منطقتنا، الكثير من القهر، والكثير من المتألمين، «وجراحهم تنتظر لمستكم المباركة، وتتطلع إلى سماع وإسماع صوتكم العظيم الشجاع».
وختم الرئيس عون كلمته بالقول: «صاحب القداسة، أبلغوا العالم عنا، بأننا لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم. بل سنظل هنا، نستنشق الحرية، ونخترع الفرح ونحترف المحبة، ونعشق الابتكار، وننشد الحداثة، ونجترح كل يوم حياة أوفر».
البابا لاوون: شعبٌ يعرف دائمًا أن يولد من جديد
من جهته، أكّد قداسة البابا في كلمةٍ له أنّ اللبنانيين «شعب لا يستسلم، بل يقف أمام الصعاب ويعرف دائمًا أن يُولَد من جديد بشجاعة»، معتبرًا أنّ صمودهم علامةٌ لصانعي السلام الحقيقيين.
وأضاف: «أنتم بلد متنوّع، وجماعة مكوَّنة من جماعات، لكنْ موحَّد بلغةٍ واحدة… وأشير بصورةٍ خاصة إلى لغة الرّجاء، اللغة التي سمحت لكم دائمًا بأن تبدأوا من جديد».
ودعا قداسته المسؤولين إلى عدم الانفصال أبدًا عن شعبهم، الغني بتنوعه. وأكّد أنّه لا توجد مصالحة دائمة من دون هدفٍ مشترك، وانفتاح على مستقبلٍ يسود فيه الخير على الشرّ الذي عانى منه الناس أو فرضوه على غيرهم في الماضي، مشيرًا إلى أنّ ثقافة المصالحة لا تولد من القاعدة فقط، بل تحتاج إلى السلطات والمؤسّسات التي تعترف بأنّ الخير العام هو فوق خير الأطراف.
وتساءل البابا لاوون في كلمته: «ماذا يجب أن نفعل حتى لا يشعر الشباب، بشكلٍ خاص، بأنّهم مضطرون إلى أن يتركوا أرضهم ويهاجروا؟ كيف نحثّهم على ألّا يبحثوا عن السلام في مكان آخر، بل أن يجدوا الضمانات ويصيروا روّادًا له في موطنهم الأصلي؟»
وإذ لفت إلى أنّ أمورًا إيجابية كثيرة تأتي إلى لبنان من اللبنانيين المنتشرين في العالم، شدّد في المقابل على أنّ البقاء في الوطن والمساهمة يومًا بعد يوم في تطوير حضارة المحبة والسلام، أمرٌ يستحق التقدير. وأكد أنّ الكنيسة لا تهتم فقط بكرامة الذين ينتقلون إلى بلدان أخرى، بل تريد ألّا يُجبَر أحد على المُغادرة وأن يتمكّن من العودة بأمان كلُّ الراغبين فيها.
وكانت لقداسته لفتةٌ إلى المرأة اللبنانية، مشيرًا إلى القدرة الخاصة للنساء على صنع السلام، كونهنّ يُحسِنّ حفظ الروابط العميقة. وأضاف: «إنّ مشاركتهنَّ في الحياة الاجتماعية والسياسية، وكذلك في حياة جماعاتهنّ الدينية، هي في العالم كلّه عنصر من عناصر التجدّد الحقيقي».
في حماية القديس شربل
في أثناء توجّهه إلى عنّايا، صباح اليوم الثاني للزيارة، استقبلت البابا لاوون الرابع عشر حشود غفيرة على طول الطريق وفي الباحة الداخلية للدير. وفي كلمةٍ مؤثرة توجّه فيها إلى الرهبان، قال الحبر الأعظم: «أحمد الله الذي مكَّنني من القدُوم حاجًّا إلى ضريح القديس شربل… هذا الإنسان الذي لم يكتبْ شيئًا، وعاش مختفيًا عن الأنظار وصامتًا، لكن سُمعته انتشرت في كل العالم… يأتيه آلاف الحجَّاج في الثاني والعشرين من كلّ شهر، من بلدان مختلفة لقضاء يوم صلاة وتجديد للرُّوح والجسد».
وختم: «أيُّها الأعزاء، رمزًا للنُّور الذي أضاءَه الله هنا بواسطة القدّيس شربل، أحضرتُ معي هديةً، قنديلًا. أُقَدّم هذا القنديل، وأُوكِل لبنانَ وشعبَه إلى حماية القديس شربل، حتى يسير دائمًا في نور المسيح».
في حريصا: أنتم مسؤولون عن الرجاء
في بازيليك سيدة لبنان، التقى البابا البطاركة والأساقفة والكهنة والمكرّسين وكل العاملين في الرعويات الذين قدِموا من مناطق لبنان ودول الجوار وأوروبا وأميركا وأستراليا. وإذ استهلّ كلمته بعبارة «سلام المسيح»، أكّد: «أنتم مسؤولون اليوم عن الرجاء. حيث تعيشون أوجدوا جوًا يمهد لانتصار الرحمة».
وأشار إلى أنّ مزار حريصا هو علامة وحدة لجميع اللبنانيين، داعيًا إياهم لمواجهة دويّ الأسلحة وتحديات الحياة بالتمسّك بالسماء، والحب من دون خوف، والعطاء من دون حساب. كما تطرّق إلى «المسؤولية الملقاة على عاتقنا تجاه الشباب»، مشددًا على ضرورة إعطائهم مساحة عمل ولو كان ذلك «وسط عالم يعاني من فشل ذريع».
وعن الوردة الذهبية التي سلَّمها قال: «إنها تحمل رائحة المسيح وهي بألف عطر».
نشيدٌ موحّد للسلام
في ساحة الشهداء في وسط بيروت، نظّمت اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي – الإسلامي في لبنان «اللقاء المسكوني بين الأديان»، والذي كان بمثابة فعل إيمان بالحوار، وإعادة تجديد لمقولة البابا يوحنا بولس الثاني، حول لبنان الرسالة.
وبتأثرٍ عميق وامتنان كبير، تحدّث البابا في اللقاء، ومما قاله: «هنا، في هذه الأرض الحبيبة، لِـيتَّحدْ كلُّ جَرَسٍ يُقرَع، وكلُّ آذان، وكلُّ دعوة إلى الصّلاةِ في نشيدٍ واحدٍ سامٍ، ليس فقط لتمجيد الخالقِ الرّحيم، خالِقِ السّماءِ والأرض، بل أيضًا لِرَفع ابتهال حارّ من أجل عطيّة السّلام الإلهيّة».
استمر اللقاء نحو ساعةٍ، وتخلّله أكثر من محطة، شاركت فيها جوقاتٌ عدّة، من بينها جوقة «بيروت ترنّم»، وجوقة «مؤسسة الإمام موسى الصدر» وجوقة «دار الأيتام الإسلامية». قدّمت هذه الجوقات أناشيد وتراتيل وتلاوة آيات من القرآن الكريم وأغاني وطنية.
لفتة مؤثرة
في لفتة مؤثرة التقى البابا لاوون الرابع عشر في حريصا الناجيتين من مجزرة بنت جبيل، السيدة أماني بزي وطفلتها أسيل شرارة. الطفلة التي حملت جراحها وخرجت من المستشفى لساعات فقط، أتت للقاء الحبر الأعظم مع والدتها، وقدّمت له رسالة وعدها أن يقرأها…
مثل شجرة الأرز
تحت عنوان «نحتفل بإيماننا… نشهد لرجائنا»، شكّل لقاء البابا مع شبيبة لبنان الحاضر والمنتشر وشبيبة الشرق، في ساحة الصرح البطريركي الماروني في بكركي، أحد أهمّ محطّات الزيارة وأكثرها رمزيّة، إذ كان أوّل لقاء له بالشبيبة خلال حبريته.
تضمن البرنامج فقرات متنوّعة من تسبيح وصلاة، وتحدّث في افتتاحه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي باسم مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان. وقال الراعي مخاطبًا البابا لاوون: «إنّ الشبيبة في لبنان يحبونكم، ويبحثون في كلماتكم عن الوضوح وكل ما يعزز الإيمان في نفوسهم». وأشار إلى أنّ حضور قداسة البابا بيننا هو نفحة روح على شعب متعب، وهو فجر جديد لوطن يبحث عن النور، مضيفًا: «نسمع في هذه الزيارة صدى المسيح السائر على الطرق المعذبة».
أمّا قداسة الحبر الأعظم فتوجّه إلى شبيبة لبنان قائلًا: «ربما تشعرون بالأسى لأنكم ورثتم عالمًا مُمَزّقًا بالحروب ومُشوَّهًا بالظلم الاجتماعي. ومع ذلك، في داخلكم رجاء، وهو عطية لكم، يبدو لنا نحن الكبار أنّه بدأ يتلاشى. أنتم أمامكم الزمن ومعكم المزيد من الوقت لتحلموا، وتنظموا، وتعملوا الخير. أنتم الحاضر، وبأيديكم بدأ المستقبل يتكون وفيكم اندفاع لتغيير مجرى التاريخ. المقاومة الحقيقية للشر ليست بالشر، بل بالمحبة القادرة على شفاء جراحنا بشفاء جراح الآخرين».
وطمأنهم بالقول: «وطنكم، لبنان، سيزهر ويصير جميلًا وقويًا مثل شجرة الأرز، رمز وحدة الشعب وحيويته». وحثّهم على أن يكونوا عصارة الرجاء التي ينتظرها الوطن.
انحناءة أمام الذين لا يراهم أحد
في مستشفى الصليب في جل الديب، تخطّت الزيارة الطابع البروتوكولي لتلامس البعد الإنساني والروحي. وعقب كلمة ترحيب من الرئيسة العامة لراهبات الصليب الأخت ماري مخلوف التي أثارت مشاعر البابا كما بدا بوضوح، وجّه الأب الأقدس كلمة بدأها محيِّيًا الجميع باللغة العربية قائلًا «صباح الخير». وقال إنّ ما يُعاش في هذا المكان هو عبرة للجميع، مُشيرًا إلى أنّه لا يمكننا أن ننسى مَن هم أكثر هشاشة، ولا يمكن تصوّر مجتمع يركض بأقصى سرعة متشبّثًا بأوهام الرفاهية الزائفة متجاهلًا في الوقت ذاته الكثير من أوضاع الفقر والضعف… وذكّر مَن يُثقلهم المرض بأنّهم قريبون إلى قلب الله، وأنّه يحملهم بين يديه ويرافقهم بمحبة ويقدم لهم حنانه من خلال أيادي وابتسامات مَن يعتنون بهم. ثم شكر الجميع وحيّاهم بالعربية: «شكرًا، الله معكم».
صلاة صامتة
في موقع انفجار مرفأ بيروت، حيث كان الأهالي في انتظاره عند النصب التذكاري الذي يحمل أسماء 245 شهيدًا، أقام الحبر الأعظم صلاة صامتة، أضاء شمعةً على نية أرواح الضحايا وصافح عائلاتهم، في لفتةٍ حملت تأكيدًا بأنّ قضية 4 آب لا تزال حاضرة، وأنّ الجميع ينتظر تحقيق العدالة.
القداس ونداء البابا
اختتم البابا زيارته التاريخية إلى لبنان بالقداس الإلهي في الواجهة البحرية لبيروت، بمشاركة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون واللبنانية الأولى السيدة نعمت عون، وحضور رئيس مجلس النواب نبيه بري وعقيلته، رئيس الحكومة القاضي نواف سلام وعقيلته، إلى جانب شخصيات رسمية وسياسية وروحية وقضائية وعسكرية واجتماعية وكبار موظفي الدولة، إضافة إلى السلك الدبلوماسي، وحوالى 150 ألفًا من المؤمنين الذين توافدوا منذ الصباح الباكر من مختلف المناطق اللبنانية والعالم، لرفع الصلاة من أجل السلام والاستقرار.
وخلال عظته، أشاد الحبر الأعظم بجمال لبنان الذي تغنّى به الكتاب المقدس. فقد غرس الله فيه أرزه الشامخ، وغذّاه وأرواه وجعل ثياب عروس نشيد الأناشيد تعبق بعطر هذه الأرض.
وأكد ضرورة توحيد الجهود لاستعادة هذه الأرض بهاءها، مشيرًا إلى أنّ الطريق الوحيد لتحقيق ذلك هو نزع السلاح من القلوب، وإسقاط دروع الانغلاقات العِرقية والسياسية.
قبل ختام القداس، ألقى البطريرك الراعي كلمة شكر فيها الحبر الأعظم الذي ردّ بنداءٍ شدد فيه على أنّ الشّرق الأوسط بحاجةٍ إلى مواقِف جديدة، لرَفض منطق الانتقام والعنف، ولتجاوز الانقسامات السياسية والاجتماعية والدّينية، ولفتح صفحاتٍ جديدة باسم المصالحة والسّلام. وتابع: «أُصلِّي بشـكلٍ خاص من أجل لبنان الحبيب! وأجدِّد ندائي إلى المجتمع الدّولي ألّا يَدّخر أي جهد في تعزيز مسارات الحوار والمصالحة». وأُوجّه نداءً من كل قلبي إلى كل من أُوكِلت إليهم المسؤولية السياسية والاجتماعية، هنا وفي جميع البلدان التي أنهكتها الحروب والعنف: «أصغُوا إلى صراخ شعوبكم التي تطلب السلام! لِنَضعْ أنفسَنا كلَّنا في خدمة الحياة، والخير العام، والتنمية المتكاملة للإنسان».
الوداع
في مراسم وداع البابا لاوون الرابع عشر في مطار رفيق الحريري الدولي، أشار رئيس الجمهورية إلى أنّ الزيارة ستبقى محفورة في ذاكرة لبنان وشعبه. فخلال الأيام الماضية، «حملتم إلى لبنان كلمات رجاء وأمل، وجلتم بين مناطقه، والتقيتم بشعبه الذي استقبلكم بكافة طوائفه وانتماءاته بمحبةٍ كبيرة تعكس توقه الدائم للسلام والاستقرار». وأضاف: «لمسنا عمق محبتكم للبنان وشعبه، وصدق رغبتكم في أن يبقى وطن الرسالة، وطن الحوار، وطن الانفتاح، وطن الحرية والكرامة لكل إنسان».
وختم الرئيس عون بالقول: «وإذ نودّعكم، لا نودّع ضيفًا كريمًا فحسب، بل نودّع أبًا حمل إلينا طمأنينة وذكّرنا بأن العالم لم ينسَ لبنان، وأن هناك من يصلّي لأجله ويعمل من أجل السلام».
بدوره ألقى الأب الأقدس كلمة مؤثرة قال فيها: «المغادرة أصعب من الوصول. كنّا معًا، وفي لبنان أن نكونَ معًا هو أمرٌ مُعدٍ. وجدتُ هنا شعبًا لا يحبُّ العزلة بل اللقاء. فإن كان الوصول يعني الدخول برفقٍ في ثقافتكم، فإنّ مغادرة هذه الأرض تعني أن أحملكم في قلبي. نحن لا نفترق إذًا، بل بعدما التقينا سنمضي قُدمًا معًا. ونأمل أن نُشرِك في هذا الرّوح من الأخوّة والالتزام بالسّلام، كل الشرق الأوسط»…
تركت زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان أثرًا إيجابيًا كبيرًا لدى اللبنانيين، وحملت تأكيدًا على دور لبنان المحوري والإيجابي في الشرق الأوسط. وهي ستبقى في ذاكرة اللبنانيين لفترة طويلة، مُحفّزة إياهم على العمل من أجل مستقبل أفضل وأكثر إشراقًا.
وجه لبنان الحضاري المشّع: جهود متكاملة
أثبت لبنان مرة جديدة خلال زيارة البابا أنّه بلد يعرف كيف ينتصر على التحديات، فالبلد المنهك بأزماته نظّم زيارة تاريخية برز خلالها وجهه الحضاري المشعّ. وبالطبع لم يكن الأمر تحصيلًا حاصلًا، وإنما نتيجة جهود جبّارة بدءًا من أعلى المراجع على مستوى القصر الجمهوري والجيش والقوى الأمنية وسائر الإدارات والأجهزة المعنية.
فمن البرنامج المُعّد بعناية ودقة بالتنسيق مع الفاتيكان، والتحضيرات التي سبقت الزيارة وواكبتها، مرورًا بتفاعل اللبنانيين وتعاونهم لتأمين جميع المتطلبات، وصولًا إلى تدابير الجيش التي وفّرت سياجًا أمنيًا محكمًا وسط أجواء الثقة المطلقة بقدرة جيشنا على مواكبة جميع الاستحقاقات بأداء رائع.
جوًا، واكبت طائرتان حربيّتان من القوات الجوية في الجيش نوع Super Tucano وصول طائرة قداسة البابا لاوون الرابع عشر فور دخولها الأجواء اللبنانية لحين هبوطها في مطار رفيق الحريري الدولي، مرحّبة به، كما رافقته طوافات الجيش في كل تنقلاته.
كما شاركت القوات البحرية في تأمين الغطاء الأمني على طول الساحل اللبناني ومهمة مراقبة المياه اللبنانية. وفي هذا الإطار، نُفذت دوريات قرب الواجهة البحرية لبيروت قبيل وأثناء القداس الإلهي الذي احتفل به الحبر الأعظم.
أما برًا، فقد شاركت الوحدات العسكرية المنتشرة على الأرض في حماية تنقلات البابا ومراكز التجمعات الشعبية والأماكن التي شهدت لقاءات خاصة مع قداسته.
كذلك، واكبت وزارة الأشغال العامة والنقل زيارة الحبر الأعظم بخطة متكاملة لم تقتصر على أعمال إعادة التأهيل والتزفيت والصيانة التي شهدتها الطرقات قبل الزيارة، وإنما شملت أيضًا تأمين مسارات خالية من العوائق ووضع 50 حافلة بتصرف المواطنين، فضلًا عن الإجراءات التي نُفّذت في المرفأ والمطار بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وشارك في الجهود التنظيمية حوالى 3300 متطوّع ومتطوّعة من مختلف الفئات: كشافة لبنان، دليلات لبنان، جمعية كاريتاس، الدفاع المدني، الصليب الأحمر اللبناني، كشافة المهدي، وغيرهم الذين تولّوا ضبط النظام وتنظيم حركة السير وتسهيل وصول المواطنين إلى أماكن اللقاءات، بكل احترافية ودقة وانضباط.











