إقتصاد ومال

الحاجات كبيرة ووضع الخدمات كارثي
إعداد: تريز منصور

ما الذي يمنع البلديات من القيام بمهماتها؟


تؤدي البلديات في معظم دول العالم دورًا إنمائيًا هامًا على عدة مستويات، إن لم يكن على جميع المستويات الحياتية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية وحتى السياسية.
ففي البلاد الغربية نجد أن 50 في المئة من الموازنات تصرف عبر البلديات، على اعتبار أن ذلك يشكّل وسيلة لتجنّب السمسرات.

 

واقع العمل البلدي اللبناني
في لبنان، يدير البلديّات قانون أُقرّ العام ١٩٧٧، وحددّ مهماتها في إدارة الشؤون الصحيّة والصحّة العامّة، التمدّن، البناء، الخدمات العامّة، الأمن، تنظيم الطرقات، التخلّص من النفايات وتنظيف الطرقات. ولكن الواقع أن معظم البلديات اللبنانية لا تتمكن من القيام بكامل المهمات الموكلة إليها، في ظل تلكؤ الدولة عن دفع مستحقاتها، خصوصًا مع عدم وجود رقابة على أموال الصندوق البلدي، وعدم المساواة في توزيع الحصص.
قررت الحكومة منذ فترة التصرّف بمبلغ قدره مليار ومئتا مليون دولار، يوزع القسم الأكبر منه على البلديات.
من المعلوم أنّ الموارد المالية للبلدية نوعان: رسوم مباشرة تجبيها البلدية من المواطنين، ورسوم تحصّلها الدولة وتوزّعها على البلديات. المشكلة في الرسوم المباشرة انّها غير متلائمة مع الوضع القائم، لأنّ آخر تعديلات أدخلت تعود الى العام 1988. أما الرسوم التي تجبيها الدولة، فهي لا تستند الى توزيع عادل يراعي مثلاً عدد السكان في كل بلدية.
يَتّفق معظم رؤساء البلديات على اعتبار حصّة الصندوق البلدي المستقل الدخل الأساسي للبلديات. وتظهر بعض الاستطلاعات أنّ نحو 86 في المئة من البلديات تعتبر أنّ الرسوم المحوّلة من الدولة تشكل دخلها الأساسي. أما الرسوم المباشرة، فتشكل نسبة ضئيلة من مجموع الموارد البلدية، إذ تضطر البلديات أحيانا إلى مراعاة أوضاع المواطنين المعيشية، فتتوصّل الى تسويات معهم على الرسوم المتراكمة من السنوات الماضية وتلجأ إلى تقسيط المتأخرات، كما تتردد في إلزام المكلّف دفع الرسوم الجديدة المترتبة عليه.
من ناحية أخرى، تراجعت نسبة الرسوم المباشرة بسبب جمود القطاعات الاقتصادية. وفي هذا الإطار، يورد رؤساء البلديات بعض العوامل التي تساهم في تقليص نسبة الرسوم المباشرة من إجمالي الموارد البلدية، ويسجّلون ملاحظاتهم على آلية توزيع حصص البلديات من الصندوق البلدي المستقل واحتسابها.

 

أموال الصندوق المستقلّ
يعترض بعض القيّمين على العمل البلدي على آلية توزيع هذه الأموال، إذ انّها لا توزّع بانتظام، مع أنّ القانون ينصّ على ضرورة توزيعها في أيلول من كل سنة بموجب مرسوم.
كذلك، فإنّ البلديات لا تعرف ما هي حصتها قبل الحصول عليها، ما يعرقِل وضع موازناتها، فكلّ بلدية تملك حسابًا خاصًا في مصرف يتمّ إيداع الأموال المخصصة لها فيه. إلى جانب هذه العوامل، فإنّ إقدام الحكومات السابقة على التصرّف بـ 75 في المئة من عائدات الصندوق البلدي المستقل وتحويلها الى مجلس الإنماء والإعمار لتمويل بعض المشاريع، أدّى أيضا إلى تقليص واردات البلديات.
 يشكو معظم البلديات من عدم الحصول على الـ 10 في المئة من فواتير الهاتف والكهرباء والمياه. ومن العوامل الأخرى التي تعوق زيادة الموارد البلدية، مَنع الفوائد على أموال البلديات وإلغاء براءة الذمة من بعض المعاملات. إلى ذلك فإنّ البلدية مضطرة إلى وضع الفائض من أموالها في المصرف المركزي من دون الحصول على الفوائد، بينما إذا اضطرت إلى الاستدانة من الدولة، فعليها دفع فوائد عالية.
وإزاء هذا الواقع، فإن معظم البلديات عاجزة عن القيام بمهماتها الأساسية، وعن تنفيذ المشاريع الإنمائية الملحة التي تحتاج إليها جميع البلدات والمناطق اللبنانية، لا سيّما أن الخدمات العامة في لبنان كارثية، والبيئة مشوّهة وملوّثة، وشروط حياة المواطنين صعبة. أما المشاريع التي يحتاج إليها البلد، من شبكات صرف صحي، ومطامر نفايات، وأنظمة نقل عام، فهي مشاريع تتخطى جميعها نطاق البلديات وقدراتها المالية والفنية والإدارية.
وإزاء هذا الواقع، وضع الوزير السابق شربل نحاس مشروع قانون بإنشاء مصرفٍ للإنماء المحلي، تملكه البلديات، فتستخدم المبالغ الهائلة المتراكمة (أو معظمها) كرأسمال لهذا المصرف. وقد حاز هذا المشروع التغييري والإصلاحي، تأييد كل المؤسسات الدولية المتخصصة، لكن من دون أن تقره الحكومة السابقة ولا الحالية، الأمر الذي يشكل في نظر البعض إهدارًا لفرصتين تاريخيتين.
ويعتبر الوزير نحاس هنا أن طريقة توزيع رأس المال المجمّع على البلديات، ستؤدي بنحو شبه مؤكد، إلى هدر معظمه من خلال النفقات الجارية وإقامة مشاريع مجزّأة ومتناثرة، من جدران دعم وتزفيت ودور بلديات فارغة وغيرها...، «فنكون قد صرفنا هذا المبلغ غير المتجدد وأهدرنا هذه الفرصة الاستثنائية...».

 

تفعيل المؤسـسات القائمة
من جهته يؤكد الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة لمجلة «الجيش» أنه يرى حاجة ماسة إلى تحويل الأموال إلى البلديات بشكل دوري وبصورة مستمرة بدءًا من 1/1 من كل سنة، وليس إلى حجزها، وكذلك إلى تفعيل عمل التفتيش على المشاريع البلدية المنفّذة، وعلى كيفية صرف الأموال، وذلك نظرًا إلى الحاجات الإنمائية الكبيرة في جميع المناطق اللبنانية.
 

وعن أهمية إنشاء مصرفٍ للإنماء المحلي قال:
«إننا نحتاج في لبنان إلى تفعيل المؤسسات الموجودة وليس إلى إنشاء أخرى تحتاج إلى موظفين، وبالتالي إضافة المزيد من الهدر، الذي يتمّ عادة في السلطة المركزية، التي لا تعطي نتائج مباشرة وفعّالة. وأعتقد أنه على الرغم من الهدر الذي قد يطرأ خلال تنفيذ المشاريع في العمل البلدي، تبقى الأمور محصورة جدًا لأنه في البلدات ولا سيما الصغيرة منها، المواطنون يعرفون بعضهم البعض، ولا مجال للسرقة، وإن حصلت تتمّ بمبالغ زهيدة جدًا، لأن الجميع يراقب رئيس البلدية».
وأعرب الدكتور حبيقة عن تأييده خطوة الانطلاق نحو اللامركزية الإدارية، مع تحقيق خطوة متقدمة في المجال الإنتخابي للمجالس البلدية، حيث يفسح أمام المواطنين المقيمين مجال انتخاب نصف أعضاء المجلس البلدي، ولا سيما أن الغرباء المقيمين في القطاع البلدي يشكلون أكثر من 95 في المئة من السكان الأصليين للبلدة في حالات كثيرة.