رحلة في الانسان

الحروب والميل إلى العنف
إعداد: غريس فرح

ما هي المشاعر التي تتحكم بالمقاتلين في مواجهة الخطر؟


من لم يذق طعم الحروب، لا يعرف مدى المعاناة التي تعيشها البلدان المتعرّضة لمآسيها. ومن لم يقاتل على الجبهات لا يتمكّن من فهم مشاعر المقاتلين، وردّات فعلهم خلال المعارك والمواجهات الدّامية. وهذا ما سعت إلى كشفه دراسة أجراها اختصاصيون نفسيون في عدد من مناطق القتال، بمساعدة قوات حفظ السلام الدولية، وقد نشرت نتائجها «مجلة العلوم الأميركية».
ماذا في هذه الدراسة، وكيف يفسّر الاختصاصيون النفسيون ميل الإنسان إلى القتل، بغضّ النظر عن انتمائه الحضاري؟


الخوف يولّد الميل إلى العنف
بحسب الاختصاصيين، فإن الخوف هو شكل من أشكال الضغوط التي تولّدها المعارك. وكما هو معروف، فإن الإنسان يتجنب الخوف بمختلف الوسائل. ولكن، في حال فرضت عليه الظروف مواجهته، يصبح مضطرًا إلى معايشة ردّات فعله اللاإرادية. فعندما يواجه الإنسان خطرًا ما، يرسل دماغه أشكالًا من الإنذارات الفيزيائية التي تحضره للرّد بالسرعة المطلوبة. وهنا قد تتخذ ردّة فعله شكل الهرب أو المواجهة. ولكن عندما يكون بقاء النسل مستهدفًا، فعمومًا ما يختار الإنسان المواجهة الشرسة.

 

الدفاع عن النفس
إذن، العنف في الحروب، هو حالة دفاع عن النّفس والذريّة، وقد يتّخذ أحيانًا شكل القابلية إلى القتل. وهذا النوع من العنف، ينبع، بحسب الباحثين من الميل الفطري إلى الصيد، والذي يثير في النفوس شكلًا من أشكال النشوة.
هذه النظرية أكّّدها الباحثون النفسيون الذين تحدثوا إلى المقاتلين الجرحى في بعض الدول التي شهدت حروبًا أهلية طويلة الأمد. فالمقاتلون. وعلى الرغم من إرهاقهم، وجروحهم الملتهبة، أظهروا حماسة وقابلية للقتال. والأهم، أن مشاهد القتلى والدماء لم تحرّك فيهم ساكنًا. والسؤال المطروح: لماذا؟

 

الشعور بالاستعلاء والرغبة بالبقاء
حسب الدراسة المشار إليها، تم الاستنتاج أن التورّط بأعمال العنف يمنح المقاتلين شعورًا بالتفوّق، وهو شعور يفتقدونه في حياتهم اليومية. إلى ذلك، فهو، كما سبق وأشرنا، يحفّز فيهم ميولًا فطرية تبيح القتل وسيلة للبقاء، وذلك من مبدأ أَقتُل أو أُقتَل. وهو المبدأ الذي اتّبعه أسلافنا البدائيون خلال رحلات الصيد الطويلة.

 

تطوّر الدماغ البشري والتمييز بين الصديق والعدو
منذ ملايين السنين، كان الإنسان يتغذى فقط من النباتات التي يجدها أمامه. ولكن، منذ عرف الصيد وبدأ يتغذى باللحوم، تغيّرت مسيرة حياته. وحسب إحدى النظريات، فإن بداية التغذّي باللحوم إضافة إلى النباتات، أمّنت للإنسان موارد طاقة جديدة، وهو ما ساعد في تطوّر دماغه، وتفوّقه على باقي المخلوقات. وحسب هذه النظرية، فإن الصيّادين البدائيين الماهرين، كانوا يستقطبون إعجاب الجنس الآخر، الأمر الذي منحهم تفوّقًا لناحية زيادة النسل.
ولم يقتصر صيد الإنسان البدائي على الحيوان. فعندما كانت تنشب الصراعات بين المجموعات على الموارد، كان الإنسان يقتل أبناء جنسه. ومع بداية الحضارات، أصبح يفرّق بين الصديق والعدو، ويحرّم القتل من جهة، ويحلّله من جهة ثانية.
بالعودة إلى الحروب المعاصرة، فقد لوحظ أن غريزة الصيد وحب البقاء تصبح وحدها المسيطرة في المعارك الدامية. وهذه الغريزة بالذات هي التي تمكّن الإنسان من التورّط بمجازر تسلبه إنسانيته وتثير فيه نوعًا من الاكتفاء أو الفرح بالنصر. ولكن: ماذا يحصل عندما يعود المقاتل إلى الحياة المدنيّة؟

 

وقائع من الحروب
إن الدراسة التي وضعها المؤرخ العسكري الألماني سونك نيتزل وزميله العالم النفسي الاجتماعي هارالد ويلتزر، استنادًا إلى مخطوطات عائدة إلى الحرب العالمية الثانية، تجيب بوضوح على هذا السؤال.
فعندما اعتقل الحلفاء مقاتلين بتهمة التورّط بالمجازر في ألمانيا، تم الاكتشاف أن الميل الغرائزي إلى القتل سرعان ما يزول بعد الانسحاب من المعارك، والعودة إلى الحياة المدنية. إلى ذلك، تبيّن أن عوارض ما بعد الصدمات تظهر بوضوح بعد انقضاء فترة على وجود المقاتل في المحيط الحضاري. وكلما طالت فترة بعده عن أجواء المعركة، كلما ازدادت هذه العوارض وضوحًا. أما سبب ذلك، فيعود إلى إعادة تقييم المقاتل لذاته الأمر الذي يشعره بالذنب والخوف في آن معًا، وهذا يعني أن النظرة إلى العنف بعد انقضاء المعارك تختلف عما كانت عليه في أثناء القتال.
إذن القابلية إلى العنف والقتل في الحروب، لا تعتبر مرضًا نفسيًّا، ولا حالة غير عادية أو غريبة عن المجتمع البشري. فهي متأصلة في جذوره، وقابلة للظهور إلى العلن في كل لحظة يواجه من خلالها الخيار بين البقاء والموت.
القابلية إلى القتل والفرح بالغلبة هي مشاعر اختبرها أجدادنا خلال رحلات الصيد البدائية المحفوفة بالمخاطر، وتغلّبهم على الضغوط آنذاك كان يستحق فعلًا الشعور بالسرور والاكتفاء.
الإنسان إذن لا يهوى القتل من أجل القتل. فالمقاتلون في المعارك يعيشون أشكالًا لا تحصى من الضغوط. لذا فإن التخلص منها عن طريق القضاء على مسبّباتها يؤمن اكتفاء داخليًّا لا يشعر به سوى المقاتل نفسه. من هنا عدم استهجان الاختصاصيين النفسيين، الممارسات الوحشية اللاإرادية التي تمارس اليوم في الحروب والمعتقلات العسكرية. إنما استهجانهم على حد قولهم، هو من عدم مقدرة الإنسان المعاصر على وضع حدٍّ للحروب وصولًا إلى السلام المطلوب منذ زمنٍ بعيد.
الأشخاص العاديون يجهلون ماذا يدور في الحروب. لكن العارفين بحقيقة الأمور يدركون أن المقاتلين يعيشون ضغوط الحروب ومعاناة ما بعدها. وعودتهم إلى أحضان الحضارة تبدو وكأنها استفاقة من كابوس مخيف. كابوس يخلّف معاناة نفسية لا تمحوها الأيام.