- En
- Fr
- عربي
طفولة
بين حاجة الطفل الأولى إلى الأمان والرعاية، وحاجة الأهل إلى التوفيق بين متطلبات العمل ومسؤوليات التربية، تبرز دُور الحضانة كمساحةٍ مشتركة تجمع بين العالمين. وهي لم تعد مجرّد مكان يحتضن الأطفال خلال غياب ذويهم، بل مؤسسة تربوية واجتماعية تؤدي دورًا حاسمًا في بناء شخصية الطفل وتنشئته على الاستقلالية والثقة بالنفس.
روضة الأطفال هي مكانٌ تربوي اجتماعي، يُعتبر بالنسبة إلى عددٍ كبير من الأهالي، الحاضن الأول بعد رحم الأم. يُعدّ روبرت أوين من أوائل مؤسسي فكرة الحضانة في مطلع القرن التاسع عشر في بريطانيا، إذ أنشأ حضانة لأطفال عمال مصانعه بهدف توفير بيئة آمنة وتعليمية خلال دوام العمل. بدوره، طوَّر المربّي الألماني فريدريك فروبل الفكرة في العام 1837، فأنشأ في ألمانيا أول روضة أطفال تحت اسم Kindergarten، ركّز من خلالها على التعلّم عبر اللعب والتفاعل. ومع تطور المجتمعات، باتت الحضانات استجابة لحاجة اجتماعية اقتصادية مرتبطة بالوعي المتقدم تجاه انخراط المرأة في سوق العمل وتعزيز المساواة بين الجنسين، ما يثير تساؤلًا محوريًا: هل إنّ ازدهار الحضانات اليوم هو تلبية لحاجة الأهل، أم استجابة لاحتياجات الطفل في مراحل نموه الأولى؟
العائلة… الحاضن الأول
ينمو الطفل جسديًا ويتطور ذهنيًا بسرعةٍ، وهو يتأثر بعمقٍ بالبيئة المحيطة به، ما يجعله بحاجةٍ دائمة إلى الأمان والرعاية العاطفية. هذه الحاجات، تلبيها العائلة التي تشكّل مصدر الأمان والراعي الأول للطفل. فهي المربّي الذي يمدّه بالقيم الاجتماعية والثقافية والتقاليد واللغة والمهارات الحياتية. وهي الحاضن العاطفي والمادي الأساسي للطفل.
أمّا الحضانة، فتُعتبر العائلة الثانية التي لا تأخذ دور العائلة الأولى بل تكمّله، إذ إنّها ليست مجرد مكانٍ لإيداع الأطفال مؤقتًا، بل هي بيئةٌ آمنةٌ ومحفّزة للاكتشاف واللعب وتكوين الشخصية المستقلة. هذا ما تؤكده الطبيبة والمربية الإيطالية ماري مونتيسوري، عرّابة النظام التربوي الشهير المعروف بمنهج مونتيسوري (1907). وهو يعتمد على احترام الطفل ككائنٍ مستقل يتعلم ذاتيًا، ويشجع على الاستكشاف الحرّ ضمن بيئةٍ داعمة. كانت ماريا مونتيسوري من أبرز الداعمين لفكرة التعليم المبكر، إذ رأت أنّ السنوات الست الأولى من عمر الطفل هي بمثابة المرحلة الذهبية لتكوين شخصيته واكتساب المهارات الأساسية. وبرأيها، فإنّ الحضانة الجيدة تعزّز الاستقلالية منذ الصغر من خلال الأدوات والأنشطة المناسبة. أما المعلمة، فيفضّل أن تكون مرشدة ومراقبة، لا تتدخل دائمًا بشكلٍ مباشر في احتياجات الطفل، بل تقوده للتعلم.
الحضانة استجابة لحاجات الطفل
هناك عدّة عوامل أدّت إلى ازدهار دور الحضانة، فقد تبنّتها المجتمعات بشكلٍ خاص خلال الثورة الصناعية، مع خروج المرأة من المنزل إلى سوق العمل، ما خلق حاجة ملحة لوجود مكانٍ آمنٍ لرعاية الأطفال. ومع تراجع دور العائلة الممتدة، ولا سيما الجدّات اللواتي انخرطن بدورهنّ في العمل، باتت الحضانة ضرورة يومية. إلى ذلك، أسهم تطور مفاهيم التربية عالميًا في إدراك مدى تأثير السنوات الأولى من عمر الطفل في مسيرة التعلم والنمو الاجتماعي وتحضيره للمرحلة المدرسية، ما زاد من أهمية روضات الأطفال وعزّز انتشارها.
وتكتسب الحضانات أهميةً خاصة كونها تستجيب لمختلف حاجات الطفل، الجسدية منها كالغذاء والنظافة والراحة، والنفسية والعاطفية كالاهتمام والحب والشعور بالأمان، والاجتماعية التي يلبّيها التفاعل مع المربيات والأطفال الآخرين والاندماج ضمن المجموعة. كما تواكب الحاجات المعرفية التي تنمي المهارات المكتسبة كاللغة والنطق، وكذلك الحاجات الحركية والحسية من خلال ألعاب معينة وأنشطة تطور الإدراك الحسي والتنسيق الحركي.
علاوةً على ذلك، تؤمّن معظم الحضانات الموثوقة والمحترفة، رعايةً خاصة لحديثي الولادة من خلال غرفٍ وأَسرّةٍ خاصة مجهّزة بمعدات تعقيم ونظام تبريد وتدفئة معتدل، نظرًا لحاجة هذه المرحلة العمرية إلى الرعاية الفردية والارتباط الجسدي بالأم.
… ولحاجة الأهل
إن كانت الحضانة، كما يدلّ اسمها، «الحضن الآمن والدافئ للطفل»، فهي أيضًا مصدر ثقةٍ وطمأنينةٍ للأهل. إنها تضمن سلامة الأطفال ما دون السن المدرسي في أثناء دوام عمل الوالدين، وتخفّف عبء الرعاية الدائمة، خصوصًا للأمهات الساعيات لتحقيق ذواتهن مهنيًا، ودعم ربّ الأسرة ماديًا. وهي بالتالي تتيح للأهل تحقيق التوازن بين الحياة الأسرية والعملية وتنظيم أوقاتهم بشكلٍ أفضل.
يُذكر في السياق، الدور الأساسي الذي تلعبه المربيات في الحضانات لجهة متابعة تطور الطفل وإبلاغ الأهل بملاحظات دقيقة حول نموه وسلوكه، ما يجعل هذه المؤسسات شريكًا تربويًا فاعلًا للأسرة في ظل بيئتها المنظّمة.
وقد كشفت جائحة كورونا بوضوح عن الدور الحيوي للحضانة، إذ أدى إغلاقها إلى ضغطٍ كبير على الأهل، خصوصًا للعاملين منهم، الذين اضطروا إلى التوفيق بين العمل ورعاية الأطفال في المنزل. كما تأثر الأطفال بدورهم بشكلٍ سلبي، إذ حُرموا التفاعل الاجتماعي المعتاد والأنشطة الجماعية التربوية الترفيهية، ما أثّر على تطوّرهم الاجتماعي واللغوي.
حتى اليوم، تعتمد العديد من الأسر الحضانة رغم بطالة أحد الوالدين أو العمل من المنزل، إدراكًا لأهميتها في النمو السليم للطفل والتوازن النفسي للأم، خصوصًا مع ما سجّلته العديد من الأمهات من شعورٍ بالاكتئاب ومن تراجع مهاراتهن الفكرية نتيجة البقاء المستمر في المنزل.
لا أريد يا ماما!
هل إنّ دُور الحضانة هي المكان المناسب لجميع الأطفال؟ تشير مديرة إحدى الحضانات إلى أنّ بعض الحالات تتطلب فريقًا متخصصًا وبيئة خاصة، مثل الأطفال ذوي الاحتياجات الجسدية أو الذهنية، وهو ما قد يدفع بعض الحضانات إلى الاعتذار عن استقبالهم.
كما تشير إلى ضرورة التنبّه لسلوكيات الطفل في أثناء فترة تكيّفه في الحضانة Adaptation لاستيضاح مؤشرات الاندماج، مثل ذهابه إلى الحضانة من دون مقاومة أو بكاء، تفاعله مع المربيات والأطفال، اندفاعه لممارسة مختلف الأنشطة ضمن الحضانة. كذلك يظهر الاندماج من خلال تقدّم الطفل في مهاراته الاجتماعية والتواصلية.
في المقابل، يعبّر الطفل عن رفضه للحضانة من خلال عدة مؤشرات، كالبكاء المتواصل والتمسك بالأهل لدى وصولهم إلى الحضانة، إلى الانعزال والانطواء أو قلة المشاركة في الأنشطة، واضطرابات النوم أو الشهية، بالإضافة إلى الشكوى المستمرة من آلام جسدية ربما تكون كاذبة أو التعبير بسلوكٍ عدواني.
ووفق إحدى المربيات المعروفة بخبرتها الطويلة في الحضانة، فإنّ رفض الطفل قد يكون نتيجة عوامل نفسية أو بيئية منها الانفصال المفاجئ عن الأهل والخوف من البيئة الجديدة غير المألوفة، أو بسبب تعرّضه لتجربة سلبية سابقة أو قلة انسجامه مع المربية. كما أنّ التغييرات التي تطرأ على البيئة المنزلية للطفل تنعكس سلبًا على عملية اندماجه في الحضانة، كالطلاق أو قدوم مولود جديد. ومن الضروري الإصغاء جيدًا إلى ما يرويه الطفل في المنزل. ففي حالاتٍ استثنائية شاذة ومثيرة للجدل، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بفضائح في عددٍ قليلٍ من الحضانات التي شهدت حالات تعنيف حادة وإهمال، ما أدى إلى ختمها بالشمع الأحمر.
حاضنة الطفل والأسرة
الحضانة حاجةٌ للطفل كما للأهل. هذا ما توافق عليه معظم الأسر التي تعتمد الحضانات. وتدعم النتائج العلمية هذه الفكرة، إذ تثني عدة دراسات جامعية على الدور التربوي والتنموي للحضانات تجاه الأطفال. كذلك تشير الدراسات إلى تأثيرها الإيجابي على الصحّة النفسية للأهل. وقد جاء في دراسةٍ أعدّها معهد البحوث الاقتصادية الألماني DIW Berlin، أنّ توافر الحضانة يقلّل من الضغوطات النفسية لدى الأهل، خصوصًا الأمهات ويزيد من مستوى الرضا الحياتي، كما يساعد العائلات في تعزيز التوازن بين العمل والحياة الأسرية.
وبينما يظلّ حضن العائلة هو الملاذ الأول، تبقى الحضانة جسرًا يربط الطفل بالعالم الأوسع، ومجالًا لنموّه وتفتّحه على الحياة.











