رحلة في الانسان

الخوف
إعداد: غريس فرح

مــن الكهــوف الى ناطحات السحاب

من مـنا لم يخـتبر مشاعر الخـوف والقلق في لحظات يتلاشى خلالها المنطق, ويخضع العقل لردات الفعل البدائية تجاه كل ما يعكّر سلامـنا الداخـلي, أو يعـرّض حياتنا للخطر؟
ومن منا لم يحاول مواجهة خوفه بأسلوبه الخاص المستمد من خصائص بيئته وظروفه وتركيبته البيولوجية؟ علماً أن أسلوب الدفاع السلبي, أو الهروب, يبقى الأكثر إنتشاراً بين الناس, بغض النظرعن إنتماءاتهم وطبيعة مجتمعاتهم.
الخوف إذن, شعور إنساني فطري, لم تتمـكن وسائل الحـماية المتطـوّرة من تقليص حدّته, بل على العكس, فهي قد زادته تعقيـداً. والدليل, ما تعانيه الأجيال المعاصـرة من مخـاوف تجعـلها تتـحسر على أيـام عاش خلالها أجدادنا في الكهـوف, بمـواجـهة الكواسر وغضـب الطبـيعة.
والسؤال المطروح: ما هو الخوف وأين يكمن, وكيف تطوّر وتعقد مع مرور الزمن بدل أن ينحسر ويزول؟


من أقدم المشاعر البشرية

إن الواقع النفساني المتردي الذي نلمسه اليوم أكثر من أي يوم مضى, كان موضوع دراسة دقيقة تقاسمتها أكثر من مؤسسة عالمية تطرّقت بعمق الى شعور الخوف بسلبياته وإيجابياته, ولفتت الى مسببات تفاقمه, والى الطرق السليمة لمواجهة أضراره على الأفراد والمجتمعات.
واللافت أن الباحثين على العموم, أيدوا بالإجماع الإعتقاد القائل أن شعور الخوف هو من أقدم المشاعر البشرية إن لم يكن أقدمها على الإطلاق, والسبب ما يحمله من إيجابيات تجعله ضرورياً لتسليح الإنسان القديم وتأهيله لمواجهة المخاطر الطبيعية, أو تجنبها بالوسائل الفطرية المتاحة.
إلا أن هذا الشعور, الذي شكّل في عصور ما قبل التاريخ, جزءاً من آلية الدماغ الدفاعية ضد المخاطر المرئية والملموسة, تطوّر بتطوّر الدماغ البشري, ليضيف الى وظيفته البدائية وظيفة أخرى معقدة وهي ترقّب التهديدات والتخطيط لمواجهتها. بهذا دخل الإنسان تدريجاً مرحلة القلق النفسي أو الخوف من المجهول, والتي زادت حدّتها بزيادة مطالب الحياة ومخاطرها. من هنا خوف الإنسان المعاصر, وتأهبه الدائم للدفاع عن اطمئنانه المسلوب بشتى الوسائل, الإيجابية منها والسلبية. ولكن, كيف يحصل ذلك؟

 

مركز الخوف وردات الفعل

توضيحات الإختصاصي في هذا المجال, تشير الى حزمة خلايا موجودة في الدماغ البشري ومعروفة باسم “اللوزة”. وهي حزمة بدائية مهمتها التعرّف الى المعلومات الخارجية وتقييمها سعياً لمعرفة ما تحمله من تهديدات. وفي حال إكتشافها لخطر ما, تطلق إشارات تحذير فورية تحفّز من خلالها ردات الفعل البدائية المعروفة, كالقفز, والصراخ, والإختباء في الأماكن الآمنة, أو الهجوم دفاعاً عن النفس. وهي بمجملها ردات فعل إيجابية وضرورية لحماية الخائف من المخاطر المحدقة به.
أما كيف يتمكن الخائف من التحرّك بالسرعة المطلوبة تحت وقع الصدمة, فلذلك تفسير آخر.
لحظة الشعور المفاجئ بالخوف, تضيق الأوعية الدموية السطحية بهدف منع الدّم من دخولها بالكمية المطلوبة, وتحويل الفائض منه الى عضلات الساقين والساعدين. أما الهدف الطبيعي من ذلك, فهو تقوية هذه العضلات وشحنها بالطاقة لتمكين الخائف من التحرك السريع للمواجهة أو الهروب. وهذا يفسر شحوبه المفاجئ وشعوره بقشعريرة البرد نتيجة إنحسار الدم عن سطح الجلد.

 

بداية الشعور بالقلق

اللافت أن التغييرات البيولوجية المشار إليها, ترافقها إفرازات كيميائية تربك الخائف, وتتسبب بأذيته في حال عجزه عن السيطرة على أعراضها.
ففي اللحظة نفسها التي تضيق فيها الأوعية الدموية السطحية, تبدأ الغدتان الكظريتان الموجودتان في أعلى الكليتين, بإفراز هرموني الأدرينالين, والنوردرينالين. وهما مادتان كيميائيتان تسيران بالدم بسرعة هائلة, وتتسببان بتسارع دقات القلب, ووتيرة التنفس, واتساع بؤبؤ العين وجفاف الريق. وفي حال الرعب الشديد, تتسببان بالدوخة والرجفة, وأحياناً الإغماء.
من جراء ذلك, تضعف مقدرة الخائف على التركيز ويصبح عاجزاً عن تحديد مكان الخطر لمواجهته, أو الهروب منه. وللتأقلم مع هذه الحالة الطارئة, تمكّن الدماغ البشري عبر العصور, وذلك حسب إعتقاد العلماء, من تنمية قدراته وتطويرها سعياً لتحديد موقع الخطر وترقبه قبل حدوثه. من هنا بدأ الشعور بالقلق الذي سبق وأشرنا إليه, والذي يتسبب, حسب رأي الإختصاصيين بردات الفعل نفسها الناجمة عن الخوف المباشر, ويضر بالتالي بصحة الإنسان الجسدية والعقلية. وهذا ما يفسّر الواقع النفساني المتردي الذي يعيشه الإنسان المعاصر, نتيجة الحروب وتزايد متطلبات الحياة والتوقعات السلبية المستقبلية.

 

من سيئ الى أسوأ

إذن خروج الإنسان من الكهوف, وسكنه في البيوت الآمنة وناطحات السحاب, لم يجرده من شعور الخوف الآخذ بالتفاقم.
فناطحات السحاب تطاولها أعمال العنف والحروب. والمنازل يغزوها التلوّث الأمني والبيئي. والوحوش الكاسرة قد حلّت مكانها وحوش بشرية لا تقهر.
هذه وسواها من أسباب مباشرة وغير مباشرة, تسبّبت بتطور خوف الإنسان وتشعبه ليطاول الأكثرية الساحقة ويصل بنسبة كبيرة منهم الى حد الإضطراب المرضي المعروف بـ”إضطراب القلق العام”.
وبالحديث عن “إضطراب القلق العام” الذي يشغل بال العاملين في مجال الطب النفسي, فهو إضطراب نابع على العموم من المسببات البيئية المشار إليها, إضافة الى مسببات وراثية تعرّض أصحابها للإصابة به أكثر من سواهم.
والمصاب بهذا “الإضطراب” يمنعه الخوف أو القلق الدائم من مزاولة نشاطاته الإجتماعية والمهنية, كما يجعله عاجزاً عن الإستمتاع بمباهج الحياة. أما أعراضه فتشبه على العموم أعراض الخوف المباشر وانفعالاته, إلا أنها تعتبر أعراضاً زائفة لأنها ناجمة عن تهديدات غير موجودة.
تجدر الإشارة هنا الى أن الدماغ في حالة إضطراب القلق المرضي, يضخم فكرة الخوف, كما أن خوفه على العموم يرتبط بمخزونه من الذكريات الأليمة أو المخيفة, والتي تعود الى الظهور بقوة بالغة, كلما صادف صاحبها حدثاً يثيرها, وكأنه بذلك يلمس جرحاً لم يندمل.

 

ما هو الحل؟

الإختصاصيون الذين يراقبون سلوك الجيل الخائف, لم يروا بديلاً من إخضاع مرضى الخوف للعلاج النفسي لمنع تفاقم حالتهم, ومساعدتهم على إستعادة مقدرة التأقلم مع الواقع, والتخلص من الوساوس والأوهام.
أما بالنسبة للمعانين من ضغوطات الحياة وتأثيرات الخوف السلبية, فقد أسدوا إليهم نصائح عملية تساعدهم على الصمود والتصدي, نذكر أهمها:
- الإعتياد على ممارسة الرياضة البدنية وخصوصاً في الهواء الطلق.
- الإعتياد على الإسترخاء من وقت الى آخر لإستعادة التوازن النفسي. والأفضل ممارسة رياضتي اليوغا والتأمل, إضافة الى الهوايات المحببة, كالرسم والقراءة والنحت والموسيقى وسواها.
- تعلّم أساليب التركيز لمواجهة تأثيرات الخوف السلبية. وتعتبر الصلاة من أفضل أساليب التركيز فعالية.
- تنمية الثقة بالنفس من خلال إكتساب المهارات, وإغناء الفكر بالثقافة والعلم.
- تعزيز العلاقات الإجتماعية والصداقات الحميمة, لأن الإختلاط بالغير يؤمن الحوار المطلوب لإراحة النفس من خلال التعبير عن الأفكار والمشاعر.
- إستعادة ذكريات الماضي الأليمة بقصد الإستفادة من تجاربها وليس تلمّس جروحاتها.
- الإعتياد على أخذ قسط وافر من النوم. والأفضل اللجوء الى الفراش في أوقات محددة يومياً.
- عدم الخجل من إستشارة إختصاصي في الطب النفسي في حال الشعور الدائم بالخوف أو القلق.