- En
- Fr
- عربي
من يومياتنا
يختلف تأثير الدراما على المشاهدين تبعًا لمواضيعها وأسلوب طرحها وسرعة انتشارها. قد يكون هذا التأثير إيجابيًا، من خلال تعريف المشاهدين بحضاراتٍ وعاداتٍ وقيمٍ مختلفة، أو تجسيد واقعٍ صعبٍ، يعيشه المجتمع، أو حتى اقتراح حلولٍ عملية لمشكلات معيّنة. ومع ذلك، قد تترك الدراما آثارًا سلبية أيضًا، خصوصًا حين ينغمس المشاهد في تفاصيلها إلى حدّ التماهي مع حياة الأبطال الدرامية والخيالية.
منذ نشأتها، لعبت الدراما دورًا متناقضًا في المجتمعات؛ أسهمت أحيانًا في نهضتها وأثارت إشكالياتٍ في أحيانٍ أخرى. قدّمت موادًا متنوعة، طوّرت أفكارًا، ورسّخت معتقدات وهدمت أخرى. من هذا المنطلق، يؤكّد الاختصاصي في علم النفس السريري أنطوني برصونا قدرة الدراما على ملامسة الوجدان الجماعي عبر تحفيز التعاطف وتعميق فهم المشاهدين للمشاعر الإنسانية. فحين تُقدَّم المَشاهد العاطفية بأسلوبٍ مدروس ومن خلال شخصياتٍ مؤثرة، يصبح المتابعون أكثر استعدادًا للتعاطف مع أشخاص يواجهون تحديات مشابهة، وأكثر وعيًا لمشاعر قد يغفلون عنها في العادة.
كذلك، تُسهم الدراما في توسيع آفاق المشاهدين تجاه قضايا اجتماعية أو نفسية معقّدة، خصوصًا عندما تثير مواضيع تهمّ الرأي العام، وتفتح باب النقاش حول قضايا غالبًا ما يتم تجنّبها. وقد تساعد الأفراد على التفكير في مواقفهم وسلوكياتهم في ضوء ما يرونه على الشاشة، فيدرك المرء أنّ بعض سلوكياته خاطئة وتحتاج إلى تعديل أو تصحيح. إلى ذلك، قد تُلهم الدراما المشاهدين على التغيير الإيجابي، وتمنحهم الأمل عبر عرض قصص واقعية أو خيالية تتمحور حول عدم الاستسلام والصمود أمام الصعوبات والعقبات، ما يجعلها أداة مؤثرة في توجيه الوعي الفردي والجماعي على حدٍّ سواء.
العلاج بالدراما
في سياقٍ مماثل، يشير برصونا إلى الدور البنّاء للدراما من خلال ما يُعرف بالعلاج بالدراما، وهو شكلٌ من أشكال العلاج النفسي يجمع بين الفن والعلم، ابتكره جون مورينو في العام 1947. يقوم هذا الفن العلاجي على التمثيل ولعب الأدوار وسرد القصص وأحيانًا الارتجال، بهدف مساعدة الأفراد في التعبير عن مشاعرهم وتجاربهم بطريقةٍ إبداعية وآمنة. الهدف منه تحفيز الوعي الذاتي وتعزيز مهارات التواصل، وفتح المجال أمام التغيير الإيجابي في الفكر والسلوك، كما أنّه يوفّر مساحة آمنة للتفريغ العاطفي Catharsis.
وحول الحالات التي تستفيد من العلاج بالدراما، يوضح برصونا أنّه يمكن استخدامه مع الأطفال والمراهقين والبالغين في حالاتٍ معينة مثل: القلق، الاكتئاب، الصدمات النفسية، صعوبات العلاقات، وحتى في العمل مع ذوي الاحتياجات الخاصة. ويشرح أنّه خلال الجلسة، يُعاد تمثيل مواقف حياتية أو مشاعر معينة، ثم تُحلّل التجربة وتُستخلص منها رؤى تساعد على التغيير والنمو. هذا الأسلوب يعزز الثقة بالنفس، ويحسّن صورة الذات وتقديرها، ما يمنح الفرد شعورًا أعمق بقيمته الشخصية ومكانته الخاصة. ويشير إلى أنّه يمكن أن يكون العلاج فرديًا بهدف التعمّق في تجربة الشخص، أو قد يكون جماعيًا بحيث يستفيد المشاركون من التفاعل مع الآخرين وتبادل الخبرات ضمن بيئةٍ داعمة.
الوجه المظلم
في مقابل الرؤية الإيجابية، للدراما وجهٌ مظلم أيضًا. فعندما تُقدَّم بطريقةٍ غير مدروسة، يمكن أن تؤثر سلبًا في المشاهدين، إذ تثير فيهم القلق أو الحزن، أو تعزز أفكارًا وسلوكيات سلبية. ويقول برصونا في هذا الإطار إنّ بعض المشاهد العنيفة قد تسهم في زيادة مستويات التوتر أو الخوف، ما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية للمُشاهد، خصوصًا عند تكرار تعرّضه لهذا النوع من المحتوى. ويضيف أنّ بعض القصص التي تتناول مواضيع عاطفية مثل الخيانة أو الفشل العاطفي أو الإثارة الفاضحة، قد تؤدي إلى تعزيز أنماط تفكير سلبية أو سلوكيات منحرفة، كما يمكن أن تسبّب قلقًا عاطفيًا متزايدًا، خصوصًا عندما يكون أداء الممثل واقعيًا أو حين يقضي المتابع وقتًا طويلًا في مشاهدة الدراما.
ولا يقتصر التأثير السلبي على الجانب النفسي، إذ يمكن للدراما أن تترك بصمتها على العلاقات الاجتماعية أيضًا. فالإفراط في متابعة المحتوى الدرامي قد يقلّل من قدرة الشخص على الانخراط في تفاعلات واقعية وصحية، ما يضاعف شعوره بالوحدة والعزلة. وفي بعض الحالات، تصبح الدراما وسيلة للهروب من الواقع، فيفضّل الفرد الانغماس في عالم متخيَّل على مواجهة مشكلاته الحقيقية، وهو ما يتحول مع الوقت إلى عادة سلبية تؤخّر الحلول وتزيد الانفصال عن المحيط.
كما أنّ التعرّض المستمر لمحتوى سوداوي أو يائس قد يولّد ردود فعل متناقضة وغير سليمة، تراوح بين التشاؤم المفرط واللامبالاة، أو بين العجز والإحباط من جهة، والشعور بلذّة إيلام الآخرين والفرح لألمهم من جهةٍ أخرى.
القدوة الزائفة
في سياق شرحه لأخطار الدراما، يقول برصونا إنّ بعض التصرفات الخاطئة التي نشهدها في حياتنا اليومية، قد تبرّرها خلفيات مَرضيّة أو نفسية تدفعنا للنظر إليها بشيء من التفهّم. لكن في الدراما يختلف الأمر، فتبرير السلوكيات الخاطئة على الشاشة يطمس الحدود بين الصواب والخطأ، لا سيما لدى الفئات الأكثر تأثُّرًا مثل المراهقين والشباب، وخصوصًا حين تقوم بها شخصية رئيسة في العمل المصوَّر. ويقول: «في مرحلة النمو، يكون الفرد في طور بناء منظومة قيمه ومبادئه، وللمحتوى الإعلامي تأثير كبير على هذه العملية. لذا، عندما يرى المشاهد شخصية محبوبة أو ذات تأثير إيجابي، ترتكب أفعالًا مؤذية أو غير أخلاقية، ويتم تبريرها أو تصويرها على أنّها دليل قوّة أو جاذبية، قد يبدأ في تقبّل هذه الأفعال أو تبريرها في حياته اليومية أيضًا».
وحول المخاطر المترتبة على هذا التبرير، يلفت إلى أنّه قد يؤدي إلى تشويه القيم الأخلاقية وتراجع الوعي حول مبدأ «الثواب والعقاب» لدى المتلقي. فعندما تُقدَّم السلوكيات السلبية مثل الكذب والسرقة والعنف أو الخيانة بشكلٍ إيجابي أو من دون عقاب، يصعب حينها على المشاهد التمييز بين الصواب والخطأ، وقد يجد هذه التصرفات مقبولة أو حتى طبيعية في مواقف معينة، ويمكن أن يقوم بمحاكاتها في حياته الشخصية، لاقتناعه بأنّها الوسيلة المثالية أو الطريقة الفضلى للحصول على القوة والاحترام.
من جهةٍ أخرى، يشير برصونا إلى مسألة المبالغة في تصوير الظلم الذي يتعرّض له أبطال العمل موضحًا أنّه يخلق انقسامًا بين المشاهدين، فيتعاطف فريق منهم مع المظلوم ويصبح في حالة رعب إزاء أي موقف مشابه قد يتعرض له شخصيًا، فيما يبرر الفريق الثاني أفعال الظالم ويعتبرها منطقية أو مقبولة ضمن سياق الأحداث. كذلك، إنّ الشخصيات التي يتم تبرير أفعالها السيئة في العمل الدرامي، قد تسهم في تشويه مفهوم الأخلاقيات الأساسية مثل الصدق والنزاهة والعدالة. وذلك قد يؤدي إلى تشجيع ثقافة التجاوز والتساهل مع المبادئ في الحياة اليومية.
ويضيف أنّ الشخصيات التي يُبرَّر سلوكها الخاطئ قد تتحول إلى نموذج يقلّده المشاهد بحثًا عن السلطة أو القبول الاجتماعي أو الهروب من مصاعب الحياة.
ماذا نشاهد؟
قد تكون مشاهدة المسلسلات وسيلة سهلة ومغرية للترفيه بالنسبة إلى كثيرين، خصوصًا لمن لا يستطيعون ممارسة نشاطات وهوايات أخرى في أوقات فراغهم. لكنّ الانغماس في متابعة المسلسلات من دون حس نقدي ولأوقات طويلة، قد يكون دافعًا لتنمية سلوكيات سلبية خصوصًا لدى الصغار. فلنتصور مثلًا الأمهات اللواتي ينغمسن في مشاهدة مسلسل بعد مسلسل وينتقلن من محطة إلى أخرى من دون الاكتراث بأنّ أولادهن يشاهدون ما يشاهدنه! والأسوأ أنّ البعض منهن يجدن في هذه التسلية وسيلة سهلة لإلهاء الصغار والتخلص من إزعاجهم، حتى أنّهن لا يكلّفن أنفسهن عناء الحوار مع أولادهن حول ما شاهدوه!
من جهته، يرى برصونا أنّه من الضروري الحفاظ على الوعي والتوازن في مواجهة المحتوى الإعلامي. ويشير أولًا إلى أهمية متابعة الأعمال الدرامية بوعي، بحيث يسأل الفرد نفسه عند مشاهدة أي عمل «ما الرسالة التي ينقلها؟» إذ من المهم أن يكون مدركًا للرسائل الضمنية التي قد تنطوي عليها الأحداث، ويتأكّد ما إذا كانت متوافقة مع قيَمه الشخصية.
كما يذكّر برصونا بأنّ الشخصيات والأحداث ليست سوى عناصر مكتوبة ضمن نص درامي حتى لو بدت واقعية، باستثناء الأعمال الوثائقية أو التاريخية. فالشخصيات نتاج خيال كتّاب ومخرجين، والأحداث عبارة عن سرد درامي يهدف إلى جذب الجمهور. لذلك، من المهم ألّا ينخدع المشاهد في التماهي مع الشخصيات إلى حد التأثر العاطفي المفرط أو التقليد في حياته اليومية. ومن زاوية أخرى، يُنصح بتقليص الوقت المخصّص لمتابعة الدراما، والموازنة بين المشاهدة والنشاطات الواقعية التي تعزّز الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية. فالرياضة مثلًا، والقراءة، والتواصل مع العائلة والأصدقاء، إضافةً إلى ممارسة الهوايات، كلها أنشطة تسهم في تحسين المزاج وتنمية المهارات الشخصية، ما يضمن حياةً أكثر توازنًا بعيدًا عن الغرق في عوالم خيالية.
في الختام، إنّ تأثير الدراما يصبح أكثر إيجابية عندما يحرص المشاهد على انتقاء الأعمال التي تعزز القيم الإنسانية مثل الصدق والتضامن والاحترام المتبادل، في مقابل الابتعاد عن تلك التي تروّج للسلوكيات الخاطئة أو تبررها. وبهذه الطريقة تصبح مشاهدة المسلسلات تجربة ترفيهية إيجابية، لا بل تثقيفية وتوعوية أيضًا، تساعد على بناء الشخصية وتطوير المجتمع.











