تحية لها

الدكتورة دينا المولى: للنجاح في الحياة ثمن

في طفولتها كان والدها مثالًا لها وقدوة. منه استمدت القوة لمواجهة الصعاب والانطلاق في الحياة. بَنَت نجاحاتها الباهرة بالجدّية والجهد والمثابرة، وانتقلت من موقع  متقدم إلى آخر أكثر تقدمًا في لبنان وفي أوروبا، لتتوّج تجربتها برئاسة الجامعة الإسلامية في لبنان.

 

تتحدث الدكتورة المولى عن مسيرتها العلمية التي قادتها إلى أرفع المناصب الأكاديمية فتقول:
«منذ صغري وقفت إلى جانب والدي أستمدّ منه القوة لمواجهة الصعاب في الحياة بعد أن انتصر عليها وحوّل طفولته الصعبة إلى نجاح باهر في مجال القضاء.
وحرصًا على حياة العائلة وسلامتها خلال الحرب الأهلية انتقل بنا من منطقة إلى أخرى في لبنان وخارجه، وهكذا تلقّيت علومي بين لبنان ومصر وفرنسا. حصلت على شهادة الدكتوراه في القانون وعدت إلى لبنان والتحقت بالجامعة اللبنانية كأستاذة متعاقدة ومن ثم متفرّغة إلى أن دخلت الملاك وتسلّمت إدارة الفرع الفرنسي في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، وإدارة مركز الأبحاث والتعاون الأكاديمي. وخلال عملي قدّمت العديد من الأبحاث ونشرتها في عدة دول وفي مجلات محكّمة، وألقيت محاضرات في جامعات مونبيلييه ورين وباريس، وشاركت في العديد من لجان المناقشات للرسائل والأطاريح باللغة الفرنسية في لبنان وفرنسا. وهذا ما جعل علاقتي بالسفارة الفرنسية تنمو وتتطور، فتمّت دعوتي لإلقاء محاضرة في البرلمان الفرنسي عن حقوق المرأة في الإسلام. كما انتُدبت من قبل الجامعة اللبنانية للمشاركة في عدة لجان برلمانية حول الوساطة وحقوق المريض، وشاركت في عدة هيئات، منها الهيئة الجامعية لعلم الأحياء في الجامعة اللبنانية».
 
السعفة الذهبية الأكاديمية الفرنسية
تضيف الدكتورة المولى: «تراكمت هذه الخبرات وكان لها صدى على الصعيد الأوروبي، ما دفع الحكومة الفرنسية لمنحي وسام السعفة الذهبية الأكاديمية الذي تسلّمته في المركز الثقافي الفرنسي في بيروت في احتفال رسمي.
الخبرات المتراكمة والنجاحات التي حققتها جعلت مني محط أنظار القيّمين على الجامعة الإسلامية في لبنان، وموضع عناية دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري الذي اقترح على سماحة الإمام قبلان أن أتولى رئاسة الجامعة. وهذه الخطوة كانت قفزة نوعية في توجّه المجلس لتعيين سيدة في موقع قيادي وريادي لمؤسسة حلم بها الإمام المغيّب الصدر، ونفّذها الإمام الراحل شمس الدين، ويطوّرها ويرعاها الإمام قبلان مشكورًا على ثقته. وهذه المؤسسة التي يعوّل عليها في لبنان، رفعت شعارًا لها «جامعة لكلّ الوطن» من دون أي تمييز على صعيد طلابها أو إدارتها أو هيئاتها التعليمية».

 

النجاح ليس حصريًا
عن الصعوبات التي واجهتها وانتصارها عليها تقول: «لم أتطلّع يومًا إلى النجاح على أنّه حصري أو حكر على جنس بشري واحد. فأنا سيدة حقوقية وأعرف تمامًا التشريعات الوطنية والدولة التي ترعى حقوق الإنسان من دون تمييز بين الرجل والمرأة، كما أعلم أنّ الإسلام قد نادى بأهلية المرأة لتولّي السلطة. وشدّدت على أنّ إثبات الجدارة العلمية هو أهم تحدٍّ للمرأة لتصل إلى طموحها، ولتنزع من عقلها فكرة أنّ المواقع هي حكر على الرجل. فالمرأة أصبحت قائدة ورئيسة دولة ورئيسة مجلس وزراء ووزيرة ونائبًا، وخاضت المجالات المهنية كلها. وقد أبدعت وتميّزت في جميع المواقع التي وصلت إليها وكلّ ذلك بالجدارة والعلم».
وتضيف: «من موقع عملي كرئيسة للجامعة أتعامل مع مئات الأساتذة والإداريين وآلاف الطلاب، ولا أجد حرجًا لأنّني أتعاطى معهم كإنسان مسؤول، ومن موقع قيادي ومن دون أن أفكر أبدًا بالتمييز بين رجل وامرأة. لذلك لا أجد صعوبة في عملي وبخاصة لأنّني انتُدبت وتمّ اختياري من أعلى سلطتين مدنية ودينية منحتاني شرف القيادة».
 
توازن وتكامل
تتطلب كل مسيرة ناجحة الكثير من الجهد والتعب، كزوجة وأم وصاحبة مسيرة ناجحة، استطاعت الدكتورة المولى ممارسة أدوارها المختلفة، معتمدة التوازن والتكامل بين الأدوار المتعددة أكثر من ذلك، فإنّ نجاحاتها المهنية تدعم أسرتَها، وأمومتُها تمتد لتشمل بالرعاية من هم في مجال عملها. وهي تقول في هذا الإطار إنّه من خلال المسيرة الخاصة بها والتجارب التاريخية التي مرت على المرأة القائدة والمرأة الأم في آن واحد، تدرك أنّ للنجاح في الحياة ثمنًا. فقد تنجح المرأة كقائدة وتفشل كأم، أو تتفرغ لمنزلها مملكتها الوحيدة ولعائلتها. وتضيف: «لقد استفدت من التجارب الكثيرة وصمّمت على النجاح في المجالين من دون أن يغلب أحدهما الآخر، فاستطعت أن أبني نفسي وشخصيتي كامرأة متعلمة وأن أخلق التوازن بين مواقعي المتعددة كامرأة قيادية وكأم وزوجة وربّة منزل وعائلة، وأن أوظّف خبرتي ونتاج مسيرتي في أسرتي.
في المقابل، إنّ كوني أمًا جعلني أتميز في علاقاتي مع الجميع، حبي للطلاب كحبي لأولادي وهذا ما يجعلهم يطلقون عليّ لقب الأم الثانية في لحظات احتضانهم في حفلات التخرّج، أما الزملاء فهم لي بمنزلة الإخوة».
 تؤكد الدكتورة المولى أنّ الجامعة الإسلامية في لبنان لا تتعاطى مع الملفات العلمية والأكاديمية أو السيرة الذاتية لأي أستاذ انطلاقًا من الهوية الجندرية. فبإمكان المرأة أن تصل إلى مواقع لم يصل الرجل إليها. وتشير في هذا السياق إلى أنّها وضعت سيرتها الذاتية أمام كلّ امرأة لتحفيزها على الوصول.
وبما أنّها تسلّمت رئاسـة الجامعـات الفرنكوفونيـة في الشرق الأوسط والمكتب التنفيـذي لاتحاد الجامعات العربية للدورة 51، دخلت إلى مجلس التعليم العالي في وزارة التربية والتعليم العالي، فهي تتعاطى مع ملفـات الأساتـذة في الجامعة انطلاقًا من المستوى الأكاديمي والعلمي والبحثي. وهي تلفـت إلى أنّ عدد الأساتذة الإناث بات تقريبًا مساويًا لعدد الأساتذة الرجال، وهو على ازدياد.
 
ماذا تقول لهنّ؟
تتوجّه الدكتورة المولى إلى الطالبات فتحثّهن على المثابرة كونها أساسًا لتحقيق كل الأحلام، والوصول إلى المستقبل الواعد. «فالأوضاع تغيّرت والمجتمع لم يعد يرفض المرأة في أي موقع، لا في الرئاسة ولا الوزارة ولا النيابة، ولا حتى في الأجهزة العسكرية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المواقع الأكاديمية وسوق العمل بقطاعاته المختلفة».
وختامًا تتوجه بالشكر الجزيل إلى العماد جوزاف عون قائد الجيش على عنايته واهتماماته بالجامعة الإسلامية في لبنان، كما تنوّه بالاتفاقية المعقودة مع قيادة الجيش تسهيلًا لمتابعة ضباطه وأفراده وعائلاتهم التحصيل العلمي، معتبرةً هذا الأمر من أقدس الواجبات تجاه الجيش، مشيدةً بمشاريع التعاون المشتركة مع قطاعاته التي بموجبها وضعت من خلال موقعها في رئاسة الجامعة كل الخبرات بتصرف العماد جوزاف عون.