رحلة في الإنسان

الذكاء
إعداد: غريس فرح

بـــــين الـــــوراثـــــــة وتأثيرات البيئة الإجتماعية

كقسمات الوجه والطبائع, يميّز الذكاء شخصاً عن آخر لناحية مستوى الإدراك والتحليل والإستيعاب, بالإضافة الى المقدرة على الإنتاج.
من ناحية أخرى, تربط الدراسات الحديثة معدل الذكاء بالبيئة العائلية والإجتماعية, والمعايير الأخرى المتحركة التي تسهم في تطوّر الدماغ وتأقلمه مع المستجدات. بهذا يعتبر الذكاء عاملاً وراثياً وإجتماعياً غير محدد بالمطلق, أي أنه يبرز من خلال ميول فردية تنمّيها تأثيرات البيئة والدوافع النفسية الكامنة. وبحسب هذه التأثيرات والدوافع, قد يتفجر الذكاء عبقرية, أو يبقى ضمن أطر المهارات المكتسبة بالممارسة.
والسؤال المطروح: أين يكمن الذكاء الفطري, وكيف ينمو ويتطوّر؟

 

أنواع الذكاء

في كتابه الشهير, “أطر العقل, نظرية في الذكاء المتعدد الوجهات” يقول العالم النفساني الأميركي هاورد غاردنر, أن العقل البشري يختزن ستة أنواع من الذكاء, بالإضافة الى النوع التقليدي الذي يقاس بالإختبارات الحديثة المعروفة. بهذا يؤكد أن القدرات العقلية تختلف بالوراثة, ولكنها لا تتوفر للشخص نفسه في كافة الظروف.
وباعتبار الذكاء مقدرة على التفكير والتحليل المعقد, بالإضافة الى التأقلم والتألق في العطاء والإنتاج, يرى غاردنر أن لكل فرد مقدرة كامنة تتجلى في ميدان عملي معين دون سواه, علماً أن لكل قاعدة شواذاً. وهذا يعني أن العبقري في مجال الرياضيات مثلاً, قد يبدو غبياً في مجال الفنون. كما أن النابغة بالمحاسبة والتجارة معرّض للفشل في ميدان التعليم أو الإدارة. من هنا يقسم غاردنر الذكاء الى ستة أنواع تتجلى من خلال مراكز في الدماغ, وتتفجر إبداعاً في حال حظيت بالظروف الملائمة.
هذه النظرية تعطي أملاً كبيراً للمحبطين ممن أثبطت عزيمتهم نتائج الإمتحانات المدرسية وقياسات حاصل الذكاء التقليدية المعتمدة في الجامعات والمؤسسات التجارية والمصرفية وسواها. كما تدعوهم للتعرّف بعمق الى الأطر العقلية المختزنة لمواهبهم الكامنة, والتي تلخّص بالتالي:

 

- الإطار اللغوي:
في الدماغ كما هو معروف, جزء يتلقى الأصوات والإيقاعات ومعاني الكلمات والأوزان. وكثيرون يميزهم تفوّق هذا الجزء على سواه ويتمكنون بالتشجيع والممارسة المبكرة من الإبداع في ميادين الآداب واللغات والشعر والخطابة. من هؤلاء أدباء وكتّاب كثر نذكر منهم الكاتب الفرنسي جان بول سارتر, الذي أظهر نبوغاً لغوياً مبكراً, إذ برع في تقليد الخطباء في عامه الخامس, الى درجة أذهلت مستمعيه.

 

- الإطار الفني (الرسم, الموسيقى, الغناء):
كسواها من المواهب, تظهر الموهبة الفنية في سنوات الطفولة الأولى. وسيرة الموسيقيين والرسامين الكبار خير دليل على ذلك. فمعظمهم أظهر نبوغاً مبكراً, وتمكن بمساعدة الأهل والأصدقاء والمقربين من النجاح وبلوغ الهدف. ولا ننسى الإرادة الشخصية والحوافز والتصميم والمثابرة. واللافت أن معظم هؤلاء كما يشاع, كانوا فاشلين في مجالات حياتية عدة.

 

- الإطار الرياضي المنطقي:
هذا الإطار حظي, الى جانب إهتمام غاردنر, برعاية عدد كبير من العلماء النفسانيين, وبالتحديد العالم السويسري جان بياجيه. وحسب رأي بياجيه, ينشأ الفكر المنطقي من إكتشاف الطفل تفاصيل محيطه ومن ملاحظاته الدقيقة لهذه التفاصيل واستخدام المنطق الفطري لربط بعضها بالآخر. وغني عن القول أن هذه الموهبة الفطرية تنمو بالتشجيع والممارسة, علماً أنها موهبة حصرية متخصصة. والدليل على ذلك نتائج آخر الدراسات التي أكدت على أن الموهوبين بالرياضيات لا يملكون قدرات عقلية مطلقة تميّزهم عن سواهم.

 

- الإطار المكاني:
يملك البعض قوّة ملاحظة فائقة تمكنهم من التقاط وتسجيل أدق التفاصيل وإعادة صياغتها بأسلوب يفوق التصوّر. والمخترعون على العموم يجسدون هذه الموهبة الفطرية من خلال إختراعاتهم المعقدة. وهي إختراعات تعتمد كما ثبت على المخيلة التصميمية, أي إعتماد تصميم خيالي والعمل على تنفيذه.

 

- الإطار الحركي:
جميعنا كما ثبت مزودون بمقدرة غير معقولة تهيئنا لإكتساب المعرفة من خلال الإيحاء الداخلي المرتبط بحركة الأجسام. وتعلّم الكتابة جزء من هذه الموهبة لأن الكتابة حركة وشعور بإيقاع الحرف ومعاني الكلمات.

 

- إطار معرفة الذات والغير:
يؤكد غاردنر على أهمية معرفة الذات والغير لتحقيق النجاح في أكثر من مجال.
ومعرفة الذات حسب رأيه قد تكون أمراً سهلاً, أما معرفة الغير فتتطلب إدراكاً وذكاءً إستثنائياً.
هذا النوع من الذكاء يتبلور بوضوح لدى القادة والسياسيين البارزين بالإضافة الى الأساتذة والمحامين البارعين. فهؤلاء يملكون موهبة إختراق تفكير الغير للسيطرة على الأوضاع وبالتالي تحقيق النجاح والشهرة. واللافت أن معظمهم لا يتألق في ميادين أخرى.

 

كيف يتطوّر الذكاء؟

من ناحية أخرى, تؤكد الدراسات الحديثة أن الذكاء يُكتسب وينمو ويتطوّر. كـما وأن معدلاته التي تتفاوت من شخـص الى آخر, تتأرجـح صعوداً وهبـوطاً حتى في صفوف الأذكياء, وذلك بحسب الظروف.
ولإثبات هذه النظرية, أخضعت مجموعة من الطلاب المتفوقين لفحوصات مقاييس الذكاء التقليـدية خلال مراحل مختلفة من العـام الواحد. وكـانت النتيجة أن معدلات ذكاء هؤلاء, ارتفعت خلال أشهر الدراسة وانخفـضت أثناء العطـل. ما يعني أن أجواء العلم, والمثابـرة على التحـصيل, تحفّـز خلايا الدماغ وتنمّي الذكاء, بعكـس الكسل والإسترخـاء.

 

النبوغ بين الأمس واليوم

يلاحظ الباحثون في مجالي النبوغ والإبداع, تفاوتاً لافتاً في معدلات الذكاء بين أجيال الأمس واليوم. وعلماً أن الباحثين لا ينكـرون الإنجازات العلمية والأدبيـة والفكرية التي حققها مبدعو القرون الماضية, إلا أنهم يعترفون في الوقت ذاته أن عدد هؤلاء كان محدوداً بالنسبة لأعداد المتفوقين المعاصرين, والذين سجّلـوا خـلال العقـود الخمسة الماضية قفزات نوعية على الصعد كافة.
هذا الواقع تجلّى بوضوح من خلال أبحاث معاصرة أكدت على إرتفاع معدل ذكاء الفرد في المجتمعات الحضارية بمعـدل 20% كل عشـر سنوات, وذلك بدءاً من أوائل الستينات.
وهذا يعني أن أسلافنا الذين حققوا خلال الخمسيـنات نتائـج باهرة في إمتحانات مقاييــس الذكـاء, واعتبروا من المتفوّقين, قد يصنفون اليوم عاديـين أو أقل.
أما سبب ذلك فعائد الى التطوّر التقني السريع الذي شهدته العقود الماضية, والتأثيرات التي تركها في عقول الأجيال المعاصرة وطرق الحياة.
فتقنيات العصر المتمثلة بسبل الإتصال والمعلومات السريعة كالكومبيوتر والإنترنـت والهواتـف الخلــوية وسـواها, صهرت العقول المعاصــرة في بوتــقة الأرقام وزادت من قــوة ملاحظة الأفراد وتركيزهـم واستيعابهم.
ولا ننــسى زيادة أعداد المتعلمين وترعرع المزيد من الأفراد في أجواء عائلية وإجتماعيــة تسودهــا الثقـافة ويطغى عليـها الإنفتاح.

 

تأثير الطعام الصحي واختيار الألعاب

يلفت الباحثون الى أن معدلات ذكــاء الأفراد ترتفع في أوساط المثقفــين وخصوصاً في أجواء الأسر القليلة العدد, وهذا يعود للعنـاية الفـائقة التي يؤمنهــا الوالـدان للأطفال لناحيـة الطعام الصحي المغذي لخلايا الدماغ, والمساعدة في الدراســة واختـيـار الألعاب العصرية التي تنـمي الإدراك.
هذه وسواها من الحقائق والنظريات تجعلنا ندرك أن الذكاء ليس حكراً على أحد.
كما وأن التـفوق سهـل المنال. لمَ لا, ومناجمه جاثمة في أعماقنا, والعصر يمـدنا بما نشاء لإنتشال جواهره وصقلها؟
تبقـى الحوافز الفرديـة, وهي أيضاً رهن الإرادة والبيئة المؤثرة والتشجيع.
وبحسب هذه التأثيرات والدوافع, قد يتفجر الذكاء عبقرية, كما اشرنا أو يبقى ضمن أطر المهارات المكتسبة بالممارسة.