عالم اليوم

الذكاء الاصطناعي بين التقدّم والخطر الوجودي
إعداد: د. تراز منصور

ماذا لو تحقّقت توقّعات بعض المتخصّصين والخبراء في الذكاء الاصطناعي (AI) وعادت البشرية ثلاثمئة سنة إلى الوراء من جراء كبسة زرّ خاطئة؟ هل يمكن تخيّل مشهدية اصطدام طائرات في السماء، أو توقّف القطارات عن العمل أو توقف الآلات في أثناء العمليات الجراحية؟
وهل صحيح أنّ البشرية تقف اليوم أمام مهلة زمنية محدودة، قد لا تتجاوز خمسين عامًا، ما لم تُوضع أُطر قانونية وأخلاقية واضحة تنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي وتصنيعه، وتحدّ من مخاطره على الإنسان والمجتمع؟
أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) بسرعة فائقة جزءًا لا يتجزّأ من حياتنا اليومية، ما أدى إلى تغيير طريقة العمل والتواصل والتفاعل مع العالم من حولنا. ومع تنامي هذا الذكاء، بات من المهم مراعاة المخاطر والعواقب المُحتملة المُرتبطة بتطويره.
يحذّر الباحثون المتخصّصون في المجال الأمني، من أنّ التطور السريع لهذه التقنية قد يهدّد مستقبل البشرية، مشيرين إلى أنّ احتمال حدوث سيناريو كارثي خلال المئة عام القادمة قد يصل إلى 99.9%. يستند هؤلاء في ملاحظاتهم إلى أنّ جميع أنظمة AI الحالية تفتقر إلى الضمانات الأمنية الكافية، مؤكّدين أنّ الأجيال القادمة من هذه التقنيات قد لا تحلّ المشكلات الجوهرية نفسها التي تعانيها البشرية، أو تجيب على جميع الأسئلة الكونية، بل تطرح أسئلة الكثير منها أخطر وأعمق.
في المقابل، تُظهر أبحاث أخرى تقديرات أقل تشدّدًا، إذ قدّرت دراسة مشتركة بين جامعتَي أكسفورد وبون، شملت آراء أكثر من 2700 خبير في مجال الذكاء الاصطناعي، أنّ احتمال انقراض البشرية نتيجة آلات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يتجاوز الـ 5% فقط.
وفي السياق، أثار الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان، جدلًا واسعًا عندما حذّر من أنّ هذا الذكاء قد يقضي على عددٍ كبير من الوظائف التي وصفها بأنّها ليست «عملًا حقيقيًا»، متوقعًا تغييرات جوهرية في «العقد الاجتماعي» القائم. وكان ألتمان قد توقّع في العام 2015 بأنّ الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى نهاية العالم، ولكن قبل ذلك، سيخلق شركات عظيمة.
ومن جهةٍ أخرى، رفض بعض الروّاد البارزين في المجال فكرة انقراض البشر بالكامل، مثل المؤسس المشارك لـ Google Brain أندرو إنغ، الذي رأى أنّ بعض التحذيرات المبالَغ فيها، قد تخدم أغراضًا أخرى بعيدة عن العلم.


العالم كله في خطر
في ظلّ هذا التصاعد في المخاوف والتحذيرات، شهد مطلع العام 2026 موجة استقالات واسعة داخل كبرى شركات الذكاء الاصطناعي وفي مقدمها Anthropic و xAI، إذ غادر عدد كبير من المؤسّسين والكوادر الأساسية. وتزامنت هذه الاستقالات مع توجّهات جديدة لدى هذه الشركات للدخول في مرحلة الطرح العام في البورصة، إضافة إلى عرض الإعلانات داخل منصّة ChatGPT، ما أثار جدلًا واسعًا حول أولويات هذه الشركات.
وفي هذا الإطار، تشير المعطيات إلى أنّ شركة xAI تسير في مسار اندماج مع شركة SpaceX التابعة لإيلون ماسك، بهدف إنشاء كيان عملاق يضمّ مختلف مشاريعه. وعلى وقع هذه التطوّرات، عبّر عدد من الموظفين المستقيلين عن مخاوفهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مردّدين عبارة: «العالم كله في خطر».


تداعيات كارثية لأي ”كبسة“ خاطئة
يشير عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا (AUST) والأستاذ في نُظم المعلومات والذكاء الاصطناعي الدكتور أنطوان حرفوش إلى أنّ بدايات الذكاء الاصطناعي تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، مع أعمال آلان تورينغ خلال الحرب العالمية الثانية لفكّ شيفرات جهاز «إنيغما»، ما أسهم في انتصار الحلفاء.
ويؤكّد حرفوش أنّ البشرية شهدت خلال العقود الأخيرة تطوّرًا كبيرًا بفضل الآلات الذكية، التي ساعدت الإنسان على مقاربة أسئلة جوهرية. لكنه يطرح في المقابل سؤالًا محوريًا: هل يستخدم الإنسان هذه التقنيات بطريقة سليمة وأخلاقية، أم يسيء توظيفها بما يهدّد الوجود البشري؟
ويضيف أنّ الحروب تنشب اليوم بسبب الأخبار المضلّلة، مشيرًا إلى أنّ العالم أمام خيارين: إمّا إنسان واعٍ يوظّف الذكاء الاصطناعي ضمن الأخلاقيات والقوانين، وإمّا إنسان يعيش بعقلية العصر الحجري.
كما يحذّر من خطورة استخدام الذكاء الاصطناعي في الصواريخ والطائرات المسيّرة، متوقّعًا أن يكون مستقبل البشرية مهدّدًا ولن يتجاوز الخمسين سنة في حال غياب الضوابط. ويشير إلى أنّ الخطر الحقيقي يكمن في تواصل الأنظمة الذكية في ما بينها، مستشهدًا بتجربة في جامعة نانتير – باريس، حيث تَواصل روبوتان بلغة غير مفهومة، والخطورة بأنهما لم يتجاوبا عندما طُلب منهما شرح هذه اللغة للحضور، واكتفيا بتفسير بعض الشيفرات.
وفي إشارةٍ إلى تطوّر العلاقة بين الإنسان والآلة، يلفت الدكتور حرفوش إلى مشاعر الروبوتات وإلى زيجاتهم التي تبلغ الآلاف في اليابان، وإلى ولادة أول تلقيح صناعي مدعّم بالذكاء الاصطناعي.
ويشدّد في الختام على ضرورة استعادة الإنسان السيطرة على هذه التقنيات والآلات الذكية بشكلٍ كامل، وأن يسخّرها لنفسه ولخير البشرية وتطوّرها، ضمن القوانين والأخلاقيات، محذّرًا من أنّ «كبسة زرّ خاطئة» قد تتسبّب بهلعٍ عالمي، تتوقّف فيه القطارات، وتصطدم الطائرات، وتتراجع البشرية أقله ثلاثمئة سنة إلى الوراء.
إزاء هذا الواقع، يتبيّن أنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرّد أداة تقنية، بل تحوّل إلى عنصر أساسي في معادلات القوة الدولية، ومن هنا، لا بد من الإضاءة على بعض العناوين التي تهدّد البشرية وتقضي على أحلام الإنسانية.


سباق التسلح والحرب النووية
عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي والأمن القومي، تبرز السرعة كعاملٍ حاسم، لكنها تتحوّل في الوقت نفسه إلى مصدر خطر. فالدول التي تطوّر أنظمة عسكرية ذكية أولًا تكتسب ميزة استراتيجية، لكن في المقابل تترتب على هذا الأمر خطورة بالغة، قد يتسبّب بها أصغر عيب في النظام، والذي يمكن للمخترقين استغلاله.
ففي مثل هذا السيناريو، قد تؤدي الحاجة الملحة للفوز بسباق التسلح بالذكاء الاصطناعي إلى عدم كفاية تدابير السلامة، ما يزيد من احتمال إنشاء أنظمة ذكاء اصطناعي ذات عواقب غير مقصودة، وربما كارثية. وعلى سبيل المثال، قد يميل قادة الأمن القومي إلى تفويض أنظمة الذكاء الاصطناعي قرارات القيادة والتحكّم، وإلغاء الإشراف البشري على نماذج التعلم الآلي، التي لا نفهمها تمامًا، من أجل الحصول على ميزة السرعة. وفي مثل هذا السيناريو، يبدأ الإطلاق الآلي لأنظمة الدفاع الصاروخي، من دون إذن بشري، ما يمكن أن يؤدي إلى تصعيد غير مقصود، وربما إلى حرب نووية.


سلاح بيولوجي
شرع باحثون في دراسة النماذج اللغوية الكبرى مثل Grok لجهة إمكان استغلالها من قبل جهات عدائية لإلحاق الضرر في مجال علوم الحياة. وخلصوا إلى أنّها «قادرة على تقديم معلومات دقيقة، مفيدة وتفصيلية، قد تُستخدم في تطوير أسلحة بيولوجية».
وهذه النماذج هي برامج كمبيوتر تستعين بكمياتٍ ضخمة من النصوص لتوليد ردود على الاستفسارات، وقد توفّر أحيانًا معارف تقنية يمكن توظيفها في تطوير فيروسات أو مواد سامة قابلة للانتشار.


التزييف العميق ومخاطر اتخاذ القرارات الحاسمة
التزييف العميق هو مقاطع فيديو تبدو واقعية، لكنها غير حقيقية أنشأتها خوارزميات الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من توافر هذه الوسائط المولّدة رقميًّا منذ عدة سنوات، إلا أنّ مستوى قدراتها قد تَضاعف على مدى العام المنصرم بفعل مجموعة من أدوات «الذكاء الاصطناعي التوليدي» الجديدة مثل أداة (ميد جيرني) التي تجعل إنشاء مقاطع تزييف عميق مقنعة أمرًا يسيرًا وزهيد الكلفة.
وتنتشر تقنيات التزييف العميق على مواقع التواصل الاجتماعي، لتخلط بين الحقيقة والخيال في السياسة والإعلام. وفي السياق، أعلن باحثون عن إمكان استخدام شركات مثل أوبن إيه آي ومايكروسوفت أدوات التعلم الآلي لإنشاء صور تعمل بواسطة الذكاء الاصطناعي، قد تروّج لمعلومات مضلّلة ذات صلة بالانتخابات وبالتصويت مثلًا عبر الإنترنت، وذلك على الرغم من وجود سياسات في كلتا الشركتين لمكافحة إنشاء المحتوى المضلّل، ومن شأن ذلك تقويض سلامة المعلومات، وضرب الثقة بمصادر الأخبار وبنزاهة المؤسسات الديمقراطية.


”الذكاء الفائق“ : ماذا يعني؟
تعود فكرة وجود كيان اصطناعي أو آلة تشبه الإنسان أو تتفوق عليه إلى الأساطير اليونانية القديمة. وفي العصر الحديث، كان المفكر البريطاني صامويل باتلر، أول من تحدّث عن فكرة تطور ذكاء الآلات ليتخطى الذكاء البشري، في مقال تحت عنوان «دارون بين الآلات» نُشر في العام 1863.
تكررت التحذيرات في القرن العشرين، ففي العام 1965، استخدم عالم الرياضيات البريطاني إيرفينغ جون غود مصطلح «آلة فائقة الذكاء» ultra intelligent machine لوصف ماكينة ذات قدرات أفضل من قدرات العقل البشري، تستطيع تصميم آلات أخرى، وهو ما سيؤدي إلى ما وصفه غود بـ«انفجار الذكاء».
لكن أول من استخدم مصطلح «الذكاء الفائق» super intelligence ووضع تعريفًا له، كان الفيلسوف السويدي نيك بوستروم ضمن ورقة علمية نشرت في العام 1997 بعنوان How Long Before. يعرّف بوستروم الذكاء الفائق بأنّه «­ذكاء يفوق أفضل العقول البشرية في جميع المجالات تقريبًا، بما في ذلك الابتكار العلمي والحكمة العامة والمهارات الاجتماعية… وقد يأتي في صورة كمبيوتر رقمي أو مجموعة من أجهزة الكمبيوتر المترابطة ضمن شبكة واحدة، أو نسيج قشرة دماغية زُرع في مختبر، أو أي شيء آخر».
وفي الختام، يفرض الذكاء الاصطناعي تحدّيات أخلاقية واجتماعية وأمنية كبرى، تشمل فقدان الوظائف، والتحيّز، والخصوصية، وسلامة المعلومات. ويتطلّب تطوير هذه التقنيات اعتماد مقاربة مسؤولة توازن بين تعظيم فوائدها والحدّ من مخاطرها، عبر سنّ قوانين واضحة وضوابط صارمة تضمن استخدامها بشكل آمن وفعّال، بما يخدم الإنسان ويحمي مستقبله.


أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
تشير أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى المبادئ التي تحكم سلوك هذا الذكاء من ناحية القيم الإنسانية. تساعد هذه الأخلاقيات على ضمان تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه بطرقٍ مفيدة للمجتمع. وهي تشمل مجموعة كبيرة من الاعتبارات، بما في ذلك: الإنصاف، الشفافية، المسؤولية، الخصوصية، الأمان، الآثار الاجتماعية والمُحتملة.
وتعدّ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي قوة دافعة للخير، تساعد على التخفيف من الانحيازات غير العادلة، وإزالة الحواجز التي تحول دون إمكانية الوصول وتعزيز الإبداع، من بين فوائد أخرى كثيرة. وبما أنّ المؤسسات تعتمد بشكل متزايد على الـ AI في القرارات التي تؤثّر على حياة البشر، فمن الضروري أن تنظر في الآثار الأخلاقية المعقدة؛ لأنّ سوء استخدامه يمكن أن يسبّب ضررًا للأفراد والمجتمع، وللأرباح الصافية للشركات وسمعتها.