قضايا إقليمية

الشخصية العدوانية الإسرائيلية
إعداد: إحسان مرتضى
باحث في الشؤون الاسرائيلية

العنف مفهوم مقدّس

 

عندما التأم شمل المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا العام 1897، كان هناك خليط عجيب من فقهاء التلمود الذين ابتدعوا صيغة «دين العودة ودين العمل»، ومن فقهاء القومية الاستعمارية والفاشية الذين كانوا يعتقدون أن كل شيء في هذا الوجود يجب أن يتمّ بحدّ السيف. وقد أدهش وجود هذا الخليط الغريب في قاعة واحدة هرتزل أبا الصهيونية نفسه الذي قال في خطابه: «إن الصهيونية قدّمت شيئاً عظيماً يكاد يكون مستحيلاً حتى الآن وهو الاتحاد الوطيد بين العناصر اليهود الحديثين المتطرفين والعناصر اليهود المحافظين».
وقد ظهر من بين العناصر القوميين المتطرفين شخصان كان لهما الأثر البالغ على مسار المشروع الصهيوني برمته في فلسطين والمنطقة العربية قبل إقامة الدولة العبرية وبعدها وهما: داڤيد بن غوريون وفلاديمير جابوتنسكي. الأول كان قائد ومؤسس التنظيمات السياسية والنقابية في فلسطين (حزب العمال والهستدروت أي اتحاد نقابات العمال) وجناحهما العسكري المتمثّل في منظمة الهاغاناه الإرهابية التي تحوّلت في ما بعد الى ما سمي «جيش الدفاع الإسرائيلي» الرسمي العام 1948. وبن غوريون هو الذي علّم جيل المستوطنين الأوائل، ألا يعتمدوا على الحاخامات في تفسير المقطع الوارد في التوراة «لك أعطي هذه الأرض» بل على القوة المسلّحة وحدها. وهو الذي ربّى أجيالاً من المستوطنين على أن يتخذوا من الشخصيات المحاربة الوارد ذكرها في التوراة مثل يوشع بن نون مثالاً وقدوة. واعتبر بن غوريون أن مبدأ الشر هو المنتصر حتى الآن وأن القوة هي التي تهيمن في التاريخ.
الزعيم المتطرف الثاني الذي كان له تأثير خطير على المسارين السياسي والعسكري للحركة الصهيونية ايضاً، هو فلاديمير جابوتنسكي الذي ولد في روسيا ونشأ بعيداً عن اليهودية، وقد درس في إيطاليا وتأثّر عميقاً بأفكار عتاة الفاشية الذين كانوا يعلمون تلاميذهم «أن الحياة لا تخضع لحكم القضاء والقدر، بل الإنسان هو الذي يصنع المستقبل بنفسه». وكان من أقواله في تلك الحقبة التأسيسية للصهيونية: «إن السياسة هي القوة. ونحن لا نملك هذه القوة. يجب على الصهيونية أن تسعى لكي تصبح قوة»، وبقي هذا شعاره حتى نهاية حياته. ومن أقواله ايضاً: «لا يمكن مقارنة مهنة السلاح بأية مهنة أخرى، فهي ترفع الإنسان الذي يعتنقها الى درجة أسمى من مستوى الحياة العادية». ومن ثم بادر الى تنظيم وارتكاب مجموعة من المجازر ضد الفلسطينيين العرب في القدس ويافا في مطلع العشرينيات تحت قيادة منظمة اتسل (المنظمة العسكرية القومية). وإثر وفاته تسلّم مناحيم بيغن القيادة وصولاً الى نتنياهو في الوقت الحاضر.
يروي الكاتب المعادي للصهيونية موشيه منوحين الذي قدم الى فلسطين العام 1904 أنه فوجئ بالسلوك العدواني المتعصّب لليهود الموجودين في فلسطين، لا سيما أن جدّه كان قد علّمه في روسيا المبادئ الأخلاقية - الإنسانية الواردة في التوراة. أحبب لأخيك الإنسان كما تحب لنفسك ولا تقتل ولا تسرق ولا تشتهِ ما لغيرك ولا تفعل لغيرك ما لا تحب أن يفعله لك. أما في المدرسة الدينية الموجودة في القدس فقد انقلبت المعايير والمقاييس تماماً «كانوا يتوخون من تكرار شعارات: أرضنا، شعبنا، مسقط رأسنا، تسميم أفكارنا لكي نتحول الى يهود قوميين». وأضاف: «لقد علمونا أن نكره العرب وأن نحتقرهم. وفوق هذا كله أن نطردهم من وطننا ومسقط رأسنا... لأن هذه البلاد هي بلادنا وليست بلادهم».
عند نهاية الحرب العالمية الثانية، التي ألحقت الكارثة بالعالم بأسره، صار الغزو واحتلال أراضي الشعوب الأخرى وبلدانها، ناهيك من القتل والتهجير تحت السلاح والإرهاب، من الأمور المحرّمة ليس فحسب بنص القوانين الدولية، حسب شرعة الأمم المتحدة، بل محرّماً أخلاقياً في نظر المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، إلا أن قادة الحركة الصهيونية بكل تلاوينها وأطيافها، ساروا بعكس القوانين والأعراف ورفعوا مفهوم العنف ضد العرب الى مستوى القداسة، وأنتجوا بالتالي نماذج من الشخصيات الباردة عاطفياً والعدوانية حتى النخاع، من أمثال موشيه ديان واسحق رابين وشمعون بيريس ومناحيم بيغن وآرييل شارون وبنيامين نتنياهو وإيهود باراك وسواهم، ممن حاولوا الظهور والتصرّف وفق صفات ومواصفات شاذة عن سائر البشر تحت عنوان «تحرير النفس اليهودية من عقدة الخوف»، من طريق تعطيل الضمير وقتل العواطف الإنسانية. ومن خلال هذه المدرسة نشأ الجندي الإسرائيلي العدواني الذي لا يعرف الرحمة والمنغلق على ذاته والذي لا يعرف حرارة الإنفعال والمفعم بالحقد والاستعلاء على كل من حوله. وفي هذا السياق كتبت الروائية ياعيل ديان إبنة وزير الحرب الراحل موشيه ديان، تصف شخصية والدها فقالت: «هل تعلم ممن كان يخاف؟ لقد كان يخاف من التعرّض للخوف، لدرجة أن المخاوف الإنسانية الطبيعية والسليمة تدفع جانباً ولا يعود لها وجود». ووصفه يتسحاق صاديه قائد «البلماح» بقوله: «إنه رجل خطر، لا يعرف التردّد، ولا يعرف كبح جماح نفسه ولا يعرف الأخلاق، إنه قادر على عمل أي شيء». وهذه الصفات تشمل من دون شك كل القيادات الصهيونية السابقة واللاحقة، فلقد وصف الصحافي الإسرائيلي إيلان توماس الإرهابي آرييل شارون بقوله: «إنه إنسان لا يملك مبادئ ولا يوجد لديه ولاء... إنه مخلص لنفسه فحسب وهو يقوم بدوس حتى رفاقه. والقوة التي تحرّكه هي حبّ السيطرة والرغبة في حشد القوة، السيطرة من أجل السيطرة والقوة من أجل القوة». ونحن جميعاً شهدنا وشاهدنا تجلّيات هذه الصفات الوحشية في المجازر المتكرّرة في فلسطين ولبنان ومصر وسوريا والأردن وصولاً الى السودان وتونس والعراق.
إن إسرائيل في الوقت الراهن تشهد حالة من سيطرة أجواء اليمين المتطرف المتمثّل بشكل خاص في حزبي «الليكود» و«إسرائيل بيتنا»، وذلك بعد أن استغل «الليكود» إسقاطات الحروب الفاشلة على لبنان الى أقصى الإستغلال. فلقد عارض نتنياهو الإنسحاب الأحادي الجانب من لبنان أولاً ومن ثم من قطاع غزة كما أراد ذلك شارون الذي انسلخ عن حزب «الليكود» في حينه وأسس حزب «كاديما» الذي شاء التموضع في الوسط السياسي الإسرائيلي، وبالتالي أعاد نتنياهو الاعتبار لمركبات الردع والقوة والحسم وروح المبادرة الى السياسات الإسرائيلية، وتمكّن بالتالي من تسويق نفسه على أنه رجل دولة في نظر الإسرائيليين في أوقات الأزمات وحالات المواجهة العسكرية والسياسية على حد سواء. كذلك لم يأت من فراغ نجاح حزب «إسرائيل بيتنا» بقيادة ليبرمان العنصري الشوفيني، برفع عدد مقاعده في الكنيست، إذ استطاع الحزب ورئيسه تشخيص أوضاع المجتمع اليهودي بشكل دقيق من حيث الشعور بخيبة الأمل من حكومة أولمرت السابقة وتنامي الكراهية والعداء للعرب عموماً وعرب إسرائيل بشكل خاص، الذين رفع بوجههم شعار «لا مواطنية من دون ولاء» وشعار التبادل السكاني الذي يشمل مناطق عربية داخل الخط الأخضر (حدود العام 1967) وهذا يعني تطبيق سياسة «الترانسفير» أي الترحيل القسري الذي كان قد بدأ منذ العام 1948 ولم ينته حتى الآن.